مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

اللطم: ثورة قلب وتنفيس كرب

يوسف البحراني


اللطم على الإمام الحسين عليه السلام من أهمّ القضايا المرتبطة بحادثة شهادته عليه السلام المفجعة يوم العاشر من المحرّم سنة61هـ. وهي حدثٌ عالميّ أوقع في الضمير الإنسانيّ هزَّةً عميقةً لم ينسَها محبّوه وأتباعه وأحرار البشريّة، وفرصةٌ واقعيّةٌ لتعلّم مبادئ ثورته وقيمها ومعطياتها الإنسانيّة في مواسم سنويّة، وأصبحت موضعاً للبحث والدراسة واستلهام المعاني.

فما هي آثار اللطم النفسيّة في الأفراد؟ وهل تساهم في تحقيق الصحّة النفسيّة؟ في هذا المقال سنذكر باختصار مجموعةً من أبعاد وخصائص ظاهرة اللطم على الحسين عليه السلام، وبعض آثارها السيكولوجيّة.

•أوّلاً: تلبية بعض الحاجات النفسيّة
يمارس محبّو الإمام الحسين عليه السلام وأتباعه والموالون له عقائديّاً اللطم كعملٍ عباديّ يتقرّبون به إلى الله تعالى، ويعبّرون فيه عن ولائهم العقائديّ له، وإيمانهم بإمامته وقيادته الروحيّة والزمنيّة، ويسدّون باللطم عليه بعض ما افتقروا إليه من حاجات، بخاصّة في مواقف الضغط والألم؛ فاللاطمون يجدون في اللطم عليه إشباعاً لحاجاتهم في البكاء عليه، تعبيراً منهم عن الألم والحزن على مصابه، والتنفيس عن مشاعر القهر والغضب ممّن ظلمه، فتجد النفس في اللطم مخرجاً طبيعيّاً لراحتها، ومن خلال استخراج مخزون حزنها، والشعور بالأمن ودفع الأذى عن النفس، مضافاً إلى تقدير إنجازاته عليه السلام وتضحياته غير المسبوقة، والتلاحم مَع مواقفه الثوريّة والعباديّة، واتّخاذه قدوةً حسنة، وتعلّم قيمه وتعاليمه ومبادئ ثورته.

وهذا كلّه يؤدّي إلى نموّ شعور إيجابيّ لديهم بقبول الله ورضاه عن أعمالهم، وتحسّس رضاهم الداخليّ عن أنفسهم، وشعورهم بكرامتها، وتحقيق وحْدة بين ما يؤمنون به وما يشعرون به وما يعملون أيضاً حين يمارسون اللطم على الحسين عليه السلام بإخلاص المحبّ بعيداً عن منزلقات التناقض والازدواج.

•ثانياً: تفريغ وجدانيّ
عاش محبّو الإمام الحسين عليه السلام والعاشقون لثورته ومنهاجه أشكالاً من الأذى والمتاعب على مدار تاريخ طويل، كمناوئين لظلم حكّام الجَور وسياساتهم، من ظلم وملاحقات وقتل، وإقصاء وتهجير، وتهميش متعمّد، وقمع مشحون بآلام الخوف، فكان عزاء الإمام الحسين عليه السلام والانخراط في مواكب اللطم عليه حركة إيجابيّة للتنفيس الانفعاليّ عن محبوس آلامهم، وتقليل تأثيراتها الضارّة، وإتاحة الفرص للضعفاء ومنهم المشاركون في عزاء الإمام الحسين عليه السلام ومواكبه لتجديد داخلهم النفسيّ، وإمدادهم بأسباب جديدة تمكّنهم من استرداد نشاطهم، وتقوية دوافعهم في النموّ الذاتيّ، وهذا يعيد إليهم توازنهم النفسيّ، ويستعيد فاعليّته بنحو أفضل، وتحويله إلى قوّة بناء وعمل فاعلة باستخدام أساليب التفريغ الوجدانيّ، كشعارات العزاء ضدّ الظالمين وما ارتكبوه من أفْعَال لقهــــر المستضعفين، وبخاصّة أنّ المبادئ الكبرى لثورة الإمام الحسين عليه السلام تنطوي على قيم الانتصار للضعفاء، والزهو الداخليّ ضدّ الظالمين، وإدانة أهل الجَور بشيء من الكلمات الموجّهة لهم ولأعوانهم.

•ثالثاً: المشاركة الوجدانيَّة الإيجابيّة
يشعر اللاطمون من محبّي الإمام الحسين عليه السلام وعاشقي مبادئه وقيمه، بلذّة المشاركة الوجدانيّة بروحٍ إيجابيّة، فيعيش المشاركون في مواكب اللطم الحسينيّ أيَّام اللطم على الحسين عليه السلام لحظات جميلة من الوحدة الأخويّة، والتآلف الاجتماعيّ، والتأسّي بآلام الإمام الحسين عليه السلام وهموم آله الكرام، ولا أحد يمكنه تحسّس هذه اللذّة سواهم.

وإذا اهتمّ المرء بمعاني اللطم وقيمه الإيجابيّة، جعل من جوانبه الوجدانيّة والمعرفيّة أداةً فعَّالة من أدوات المربّي لتليين القلوب وخشوعها، وعمارتها بذكر الله وحبّ رسوله وآله. فاللطم بالنسبة إلى محبّي أهل البيت عليهم السلام قوّة دفع ذاتيّ، وشوق داخليّ وحقيقيّ نحو المحبوب، تمهيداً لحركة تصاعديّة في نموّ الذات تترافق مع زيادة المشاركة في مواقف اللطم على الحسين عليه السلام.

•رابعاً: التميّز الخاصّ
إنَّ اللطم على الإمام الحسين عليه السلام ليس مجرّد استثارة انفعاليّة واستجابة وجدانيّة، وإنّما هو ممارسة وجدانيّة ودينيّة يُعْرَف بها محبّو أهل البيت عليهم السلام، وتُميِّز ذواتهم كأتباع، فتحفظ هويّتهم الدينيّة والروحيّة عن أنماط شخصيّات الآخرين، مهما كانت درجات قربهم الإيمانيّ والإنسانيّ من الإمام الحسين عليه السلام، فينفردون بطرائق خاصّة في اللطم -أجازها العلماء- تعبيراً عن حزنهم عليه وارتباطهم بولاء عقائديّ للإمامة الدينيّة.

ولهذا التمايز نتائج سيكولوجيّة إيجابيّة ومؤثرة على الصحة النفسيّة لمحبّي الإمام الحسين عليه السلام بتحسّسهم القرب النفسيّ من مرجعيّتهم الروحيّة والدينيّة، وتفاعلهم النزيه مع قضية شهادة الحسين. فهم تحت تأثير هذا الشعور المتمايز وإيمانهم الدينيّ، يشاركون في مواكب العزاء ويشعرون بخصوصيّة الدفاع عن قضيّته. وفي هذا الأثر بالتحديد فوائد للأمّة الحسينيّة، لا الفرد فحسب.

•خامساً: شحن النفس بالدافعيّة والروح المعنويَّة
يرتبط اللطم الحسينيّ بمبادئ دينيّة، قادرة على تفعيل الدافعيّة لدى الإنسان العاشق بأساليب عديدة، منها: اللطم الصادق على الإمام الحسين عليه السلام حبّاً واحتراماً وتقديراً وإيماناً بإمامته وتضحياته كإنجازاتٍ تاريخيّة، فتختزن على أساسه نفسيّة المشاركين في مواكب العزاء مشاعر إيجابيّة كاستثارة نشاط النفس بجذوة حماس، تستلهمها من روحانيّة اللطم وقدسيّة القضيّة، وتتحسّس مشاعر العزّة والانتماء الروحيّ للحسين عليه السلام.

مقابل ذلك، ترتفع مقاومة اللاطم لتأثيرات مشاعر النقص والمذلَّة، وتعينه بشحناتٍ معنويّة تمكّنه من السيطرة على نفسه وضبط آلام ضغوطاتها، بل تتهيّأ نفسه لتفاعل إيجابيّ مع مؤثّرات عقيدته الدينيّة بجعل اللطم أحد مصادر القوّة وعزّة واستلهام الروح العالية المتوهّجة بمبدأ الإمام الحسين عليه السلام وشعاره التاريخيّ "هيْهَات منَّا الذلَّة"، وهو مبدأ استند إليه أتبــــــــاعه ومحبوه في رفض الخنوع للظالمين وضغوطاتهم، وقهر شهواتهم تجنّباً للمذلّة. لكن هذا التأثير يحتاج إلى معرفة صحيحة.

•سادساً: المثوبة الدنيويّة والأخرويّة
يُنظر للطم على الحسين كعملٍ عباديّ يتقرّب به اللاطمون إلى الله سبحانه وطاعته، فيُقبلون على أدائه ابتغاء تحقيق مرضاته وطلب الأجر والمثوبة، ومتى تحقّق لهم ذلك، كانوا عمليّاً قد حقّقوا لذّة مشروعة. فاللطم على مصاب الإمام الحسين عليه السلام وفواجع أهل البيت عليهم السلام يكون مدخلاً طبيعيّاً للحصول على إثابة ربَّانيّة، إذا ما التزم العاملون به بأدائه وفق المحدّدات الإيمانيّة، وكما أجازها المشرّع الإسلاميّ.

•سابعاً: تعديل سلوك الأفراد
يجد جمع اللاطمين بمختلف درجاتهم الإيمانيّة فرصاً متكرّرة لتجديد ولائهم العقائديّ، بالانخراط في مواكب اللطم الحسينيّ؛ لأنّها في نظرهم بيئة نفسيّة معرفيّة تمكّنهم من التغيير القلبيّ، واستبدال أخطائهم بفكر إيمانيّ صحيح، وتنمية عادات عباديّة سليمة موضع رضاه سبحانه. فقصائد اللطم قد تتمكّن من تحقيق تفاعل إيجابيّ مؤثّر وتتيح فرصة إحداث هَزَّة وجدانيّة لدى بعض الأفراد الذين وقعوا في بعض المعاصي والأخطاء، واستثارت تفكيرهم بإيجابيّة بحثاً عن مخرج من أجل تغيير أنفسهم بالمنهج العباديّ الذي سار عليه الإمام الحسين عليه السلام، وجاهد من أجله في معركته ضدّ الظالمين، من خلال مناقشة الأفكار الخاطئة وتمحيصها ونقدها وتصحيحها، وتعديل مشاعرهم السلبيّة.

وتدلّ وقائع حياتنا على أنّ من وقعوا في أخطاء يجدون فرصاً طيّبة لحلّ بعض التناقضات في أفكارهم وبين أفعالهم، من التأمّل والتفكير الإيجابيّ، والإحساس بضرورة بدء التغيير، واستثماره في تعديل السلوك، وإذا ما تحقّق ذلك تكون الوظيفة التربويّة لعمليّة اللطم الحسينيّ قد حقّقت أغراضها المعرفيّة والتربويّة والعقائديّة.

تبدأ عمليّة التغيير باستخدام مواكب اللطم على الإمام الحسين عليه السلام من خطوة أساسيّة هي النفور النفسي من أفكار وأفعال مقيتة، ومشاعر سلبيّة كانت تسبّب للمخطئين في تصرّفاتهم الدينيّة بعض المتاعب، وتشعرهم بآثامهم.

فالنفور، أحد مظاهر الهزّة الوجدانيّة التي يمكن أن تؤسّس عليها خطوة التغيير، وما يعقبها من استخدامات لعمليّة اللطم على الحسين عليه السلام وتأثيراتها الإيجابيّة.

•ثامناً: إبداعات الرادود
يتطلّب اللطم في مواقفه العمليّة إبداعات في نظم القصائد، وتقدماً في أداء المنشدين وتفاعلهم بأطوار جديدة تستجيب لتغيُّرات أحوال الناس من زمن لآخَر، ولرغباتهم في تحقيق أهداف المرحلة الزمنيّة التي يعيشها المشاركون في اللطم على الإمام الحسين عليه السلام. وعندما ينجح ناظمو الشعر الرثائيّ بذلك، يتحقق الإنجاز المتميّز والمؤثّر في نفسيّات اللاطمين، والاعتزاز النفسيّ والفَخْر، وإنْ كان من المعيب المفاخرة به أمام الملأ من الناس حتّى لا يتحوّل عملهم العباديّ إلى رياء يؤثّر سلباً على نواياهم الحسنة. فتصفية العمل لدى ناظم القصيدة ومنشدها واللاطم المتفاعل معها أشدّ صعوبةً من العمل نفسه. وهذا سلوك إيجابيّ ينفرد به المشاركون في النظم والإلقاء.

ختاماً، إنّ هذه الخصائص النفسيّة الإيجابيّة للطم، تجعل مناوئي عزاء الإمام الحسين عليه السلام ولطميّاته يشنّون عليه أقسى الهجمات ووصفه بأنّه "تأنيب ضمير" على جرم ارتكبه أسلاف المعزّين، وإثم فعله شيعة الإمام الحسين عليه السلام، وأنَّه "حركة تعذيب للذات"، للتقليل من شأنه وآثاره، وهذا تهريج مضحك ليس محلّه الردّ هنا، لذلك علينا أن نواجه تلك الادّعاءات، فنتمسّك أكثر باللطم؛ لأنّه سلاح يعزّز فينا روح الثورة والنضال ضدّ الظالمين الطغاة، أيّاً كانت هويّاتهم وانتماءاتهم.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع