مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

حكايا الشهداء: صورتان وبسمة

تحقيق: زينب صالح خشّاب

لقاء مع والدَي الشهيدين خليل وحسين نصر الله
في البيت صورتان وبسمة.. ابن وحيد يختصر بنظرة عينيه الحكاية. فجناحا "مهدي" عصفوران نسجا ثوب قضيّةٍ، واحد في بداية المعارك، في القصير، وثانٍ في "البوكمال"، ثمّ حلّقا بعيداً عن ضحكة الطفولة النديّة. خليل وحسين، شابّان عشرينيّان في زهرة الطموح وريعان الشباب، ودّعا الأهل واحداً في أثر الآخر، ليتركا والدَين صابرَين، باتا رمزاً للتسليم والتضحية.

•ثلاثة رجال في أطفال
في بيت "أبو خليل نصر الله" ثلاثة أبناء: خليل، وحسين، ومهدي. كان الأولاد مدلّلي والدٍ لا يرفض لهم طلباً، وإذا ما سُئل عن ذلك يقول: "أرى في أولادي ما لا يراه الآخرون"، لكنّه يجهل تفسير هذا الشعور. فذات يومٍ، طلب خليل سيّارة، فاشتراها له والده على الفور، وعندما سأله خليل عن سبب الموافقة السريعة على طلباته قال: "لن أرفض لك طلباً؛ لأنّي أرى في عينيك ما لا أعرف". ردّ عليه الشاب الذي لم يبلغ العشرين قائلاً: "ألا تخاف عليَّ من حادث سيّارة؟" أجاب: "أنت لن تموت هكذا، وممنوع أن تموت هكذا".

ذات شتاءٍ، كان الأب مع أبنائه في رحلة إلى الطبيعة، وكانوا صغاراً، لكنّه ما لبث أن أنزلهم إلى نهر بارد ليسبحوا. اعترض عليه أحدهم، فقال له: "إنّي أمهّد لهم الطرق التي سوف يسلكونها عندما يكبرون. فنحن تنتظرنا مهمّات جسام، وسنعبر أنهراً كثيرة". وهذا ما حصل فعلاً للشهيد خليل الذي كان يعبر النهر تأدية لمهمّاته الجهاديّة.

•خليل ساقي عطشى المجاهدين
في حرب تمّوز، كان الشهيد خليل فتى في الثالثة عشرة من عمره. نزحت العائلة إلى بيروت، لكنّ الوالد بقي في "القليلة"، مسانداً للمجاهدين. هنا، رجا خليل والده أن يبقيه معه، قائلاً: "دعني أكون ساقياً للمجاهدين.. دعني أخدمهم بكلّ ما استطعت". قَبِلَ الأب طلب ابنه، فصار خليل يتجوّل في القرية، يفتح الطرقات عبر إزالة الحجارة منها، ويوزّع الماء على المجاهدين الصامدين، وينام عند الباب، كي يفدي الآخرين بنفسه.

ومرّت الأيّام، انتهت حرب تمّوز بالانتصار الكبير، والتحق خليل بصفوف المقاومة، حتّى صار يصدح صوته في خنادق مجابهة التكفيريّين: "دعوا المتزوّجين في الخلف، ودعونا نحن العزّاب في المقدّمة، عساهم يعودون إلى أولادهم سالمين".

•تربية متبادلة
يروي الأهل حادثة صارت معهم ومع أولادهم الثلاثة، فيقول الأب: "ذات مرّة، كان الشباب ينظّفون السلاح في الصالون، وأرادوا اختبارنا أنا ووالدتهم، أطلقوا طلقة في الهواء، واختفت أصواتهم. للحظة بدأ الشيطان يوسوس لي أنّ أحد أبنائي أصاب الآخر بالخطأ، فلم أقوَ على الوقوف والمسير. تمالكتُ أعصابي قليلاً وقمتُ إلى الصالون، فسمعتهم يضحكون، عرفت أنّ في الأمر مزحة. عندما رأوني، قالوا: "كنّا نعدُّ اختباراً لك، أردنا أن نرى كيف ستستقبل نبأ استشهاد خليل "أبو حيدر". لديك ضعف يا أبي، عليك أن تربّي نفسك أكثر؛ لأنّ ما ينتظرك كبير". يضيف الأب: "شعرتُ أنّ خليل قد بدأ يمهّد لي، وصرتُ أسترسل بالأفكار مع ذاتي، وأعدّها للمرحلة المقبلة".

هكذا راح الوالدان يحاولان منع النسيم عن خليل إن كان سيضايقه، يبتهجان لمجيئه من القصير، ويفرشان له درب إقامته في البيت وروداً من اهتمام ودلال وحبّ.

•اقتراب العروج
لاحظ الوالدان أنّ ولدهما البكر خليل بدأ يخسر الكثير من وزنه، سأله والده عن سرّ ذلك، فأجابه: "بدأت المرحلة التي نأكل فيها لنعيش وليس لنشبع.. فالآتي أعظم"، وقام من مكانه، "فصرت أهيّئ نفسي أكثر"، يقول الأب.

•المكالمة الأخيرة.. الهجوم الكبير
في آخر اتّصالٍ له مع والده، قال خليل: "أبي، بعد دقائق سندخل القصير. إذا لم نلتقِ مجدّداً فكما أوصيتك، لا يحملنّ أحدٌ راية "أبو حيدر" سوى أبيه؛ لأنّ الفضل يعود إليك في تربيتنا. تذكّر جيّداً يا أبي، سيأتي يوم يصبح فيه الناس كلّهم "حزب الله"، وسيعرف العالم لماذا دخلنا إلى سوريا، ولماذا حاربنا هناك".

وفعلاً، بعد الهجوم، دخل حسين إلى البيت، سلّم على والده مبتسماً، وقال: "هنيئاً لك يا والدي، صرتَ أباً لشهيد، وستصير قريباً والد الشهداء".

•الاختبار الصعب
ماذا يفعل والدٌ فقد ابنه البكر منذ لحظات، خاصّة إذا كان حنوناً مثل والد الشهيد خليل؟ وقف الرجل أمام الجموع، وخاطب روح ابنه بعين اليقين قائلاً: "ولدي خليل، أريد كلمة ألقيها، تكون للمقاومة وسيّدها عربون وفاء...". وما هي إلّا لحظات حتّى صدحت حنجرة الوالد المفجوع بكلمات عزٍّ حفظها التاريخ، حيث أكّد على الاستمرار والثبات في درب الدفاع عن المقدّسات، ويؤكّد أبو خليل أنّ ما قرأه كان مكتوباً أمامه، على صفحات القلب، ببركة دماء ولده الشهيد، وحضور طيفه.

•والتحق حسين برَكب أخيه
"عندما أُستشهد يا أبي، أريدك أن تقف أمام الناس وتقول ما قلته عند استشهاد أخي خليل، لأنّي سوف ألحق به قريباً ولا أريدك أن تضعف". بهذه الكلمات أوصى حسين والده، قبيل استشهاده. ولأنّ الشهداء أحياء يرزقون، فقد جاء الشهيد خليل الى والده في الرؤيا، وأعطاه رايةً ثانية، ليعرف أنّ عليه قريباً حمل راية ولد ثانٍ. وفعلاً، صدقت الرؤيا واستشهد حسين، لكن كيف يخبر الناس الأهل بشهادة الولد الثاني؟

قبل توافد المسؤولين الى بيت أبي خليل، "شعرتُ بولدي خليل حاضراً أمامي، وبأنّ ولدي حسين قد استشهد، وفاضت عيناي بالدموع. طُرق الباب، دخل أحد المسؤولين، فبادرته قائلاً: "استشهد ابني حسين، أليس كذلك؟".

كان البيت ممتلئاً بالناس، بعضهم صار يبكي ويصرخ، وبعضهم الآخر غُشيَ عليه، فيما حاول أبو خليل أن يظلّ هادئاً متماسكاً، وراح يقول للناس: "حسين ولدي نال الشرف، فنحن نذهب إلى سوريا بقوانا كلّها، لنحافظ على الثوابت كلّها".

•لقد زففته شهيداً قبل استشهاده
"سيّدة" امرأة هادئة مبتسمة، يقتات الصبر من أديم عنفوانها وضحكتها الدائمة التي لا تفارق وجهها. تستقبل الوافدين بالمزاح والتأهيل، تستقبلهم في صالة البيت، حيث صور الشهيدين غطّت جدارَين متقابلَين، تقول بثقة: "هما ما رحلا، يجلسان معنا ويستمعان، وأنا دائماً أحدّثهما، فلا أحدّث واحداً من دون الآخر". ثمّ تشير إلى المطبخ وتقول: "كانا يساعدانني في عمل البيت، كوني لم أنجب فتاةً. كانا صديقين وجناحين.. هما أنفاسي التي لم أبخل بها ولن أبخل بما تبقّى لنا؛ أيْ مهدي".

تتحدّث عن شهيدها الثاني حسين قائلة: "أثناء استقبالنا للناس المهنّئة بشهادة خليل، كان حسين يستاء ممّن يقول: "العوض بسلامتكم"؛ لأنّه يرى أنّ الشهيد عزّ وفخر ومدعاة للتبريك، لا للحزن والمواساة.

قبل استشهاد حسين بأربعة أشهر، ارتدى البزّة العسكريّة في مراسم تشييع شهيد لنا في البلدة. كانت المرّة الأولى التي أراه فيها بثياب المجاهدين، كان على هيئة ملاك، فصرت أنثر عليه الورد وأطلق له الزغاريد وسط بكاء الناس، لقد زففته شهيداً، ومن وقتها عرفت أنّه سوف يلتحق بأخيه قريباً".

•"كتير علينا أن نكون أهل شهيدين؟"
وفي التشييع، عندما سئل الأب عن شعوره بعدما قدّم الولد الثاني، قال: "أصبحت والد الشهيدين، كتير عليِّي؟!".

في ذلك التشييع المهيب، وقف أبو خليل وزوجته، يتحدّيان براكين الألم التي تتفجّر داخل قلبيهما، لتمثّل جوارحهما مع كلّ كلمة تخرج من روحيهما عبارة: "لم نرَ من سيّد النصر إلّا جميلاً"، ليكون بيت العائلة مثالاً على صبر أمّة تنتصر.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع