مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

قصة: يوم نادانا الحسين عليه السلام

أحمد بزّي(*)

(يستند النصّ إلى خطبة الإمام الحسين عليه السلام في كبار رجالات العالم الإسلاميّ عام 59 للهجرة في صحراء مِنَى).


دخلنا وادي مِنى في شرقِ مكّة المكرمة، نريد أن نؤدّي مناسك حجِّنا.كنّا في يوم التروية، في الثامن من ذي الحجّة عام 59 للهجرة. وما إن أشرفنا على الوصول إلى خيمةِ المبيتِ حتّى قدِم إلينا رسولٌ من الحسين بن عليّ يطلبنا للقائه. كنتُ متعباً مُنهكاً وأنا ابن السّبعين عاماً، أمشي ثقيل الخطى، أفكّر في قادم الأيّام، أفكر في ثقل أعمال منى، تنتظرنا خمسة أيّامٍ من المهمّات الصعبة. ماذا يريد الحسين عليه السلام الآن؟ علينا أن نستريح ونتهيّأ للصعود إلى جبل عرفات فجر الغد. والله، لا أقوى على السير إلى خيمته.

استجمعتُ ما بقي في نفسي من قوّة، وتوجّهت إلى خيمةٍ كبيرة قد نُصبت ليلتقي فيها الحسين عليه السلام بكبار رجالات العالم الإسلاميّ من الشيوخ وزعماء العشائر وأصحاب نبيِّنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد دُعيت بصفتي واحداً من الذين صحبوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم في أيّام شبابي.

وجدت في الخيمة عبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن جعفر الطيّار، وعدداً من بني هاشم، وكبار رجال الشيعة في الكوفة، ومن بقيَ من كبار الصحابة الذين بلغوا الثمانين عاماً أو يزيد.

أكثر من سبعمائة رجل يترقّبون وينتظرون كلاماً هامّاً للحسين عليه السلام حفيد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. كنت أحدّق في الوجوه، وأحيّيهم بالنظرات وإمالة الرأس.

الحَرُّ عجيب، والجباه مشدودة، لا ابتساماتٍ إلّا في وجوه الهاشمييّن وبعض الكوفيّين ورجلٍ وفتاهُ أعرفهما من البصرة.

***

عادت بي الذاكرة خمسين عاماً يوم كنت ابن ثلاثة وعشرين سنة. يومها، وفي المكان نفسه وقف النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فينا خطيباً، وكنّا مئة ألف حاجّ. حثَّنا على بيعة والد الحسين عليه السلام، ونهانا عن الابتعاد عنه. رحتُ أتذكّر حماستي، وكيف بايعتُ عليّاً عليه السلام هنا في مِنى، ومن ثمَّ في غدير خمّ.

سرعان ما أعادني من الماضي دخولُ الحسين عليه السلام إلى الخيمة ببهاء جدّه محمّد عليه السلام. صدحت حناجر الشبّان بالصلوات، وتمتم بها كبار السِّنّ. رفع الحسين عليه السلام يده اليمنى تحيّةً لنا، واعتلى مرتبة صغيرة.

حمد الله وأثنى عليه، ودعانا جميعاً قبل البدء إلى أن ننقلَ كلامه وخطبته إلى بلداننا، وإلى من نثق به. ثمّ راح عليه السلام يذكِّرنا بظلم معاوية بن أبي سفيان وأشهدنا على ذلك، فشهَدْنا.

- "أشهدُ بذلك يا حسين"، قلتُ في نفسي.

بدأ لونُ الوجوه يتغيّر، وكثرت الرؤوس التي انحنت نحو التراب، عندما بيّن الحسين عليه السلام أهميّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنّ هذه الفريضة إن أُقيمت استقامت سائر الفرائض؛ سهلها وصعبها. ثمّ حسم لنا عليه السلام أنّ الأمّة إذا لم تنصر أهل البيت عليهم السلام سيقوى الظَلَمة، ويُطفأ نور النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

في قرارة أنفسنا، كنّا ندرك تماماً مغزى الحسين عليه السلام من تقريعه هذا، فقد أصبحنا مشغولين بأمور دنيانا. لقد أتيتُ إلى الحجّ، وأنا أعلم أنَّ الحجّ الأكبر في طاعة الحسين عليه السلام، لكنّني قبل قليل تثاقلتُ عن تلبيته وحجَّتي في ذلك تقدّمي في السِّن.

***

كنّا في زمنٍ اشتدَّ فيه الظلم على الشيعة من قِبَل معاوية، فقد سلّط عليهم زياد بن أبيه، فتتبّعهم وقتلهم تحت كلّ حجرٍ ومدر، وأجلاهم، وكتب إلى قضاته وولاته: "لا تُجيزوا لأحد من شيعة عليّ بن أبي طالب، ولا من أهل بيته شهادة"، ثمّ كتب إلى عُمّاله: "انظروا مَن قامت عليه البيِّنة أنّه يحبُّ عليّاً وأهل بيته، فامحوه من الديوان"، ثمّ كتب كتاباً آخر وفيه: "من اتّهمتموه ولم تقم عليه بيّنة، فاقتلوه".

كنّا نقرأ رسائل معاوية هذه بأعيننا، ونسمعها من أشياعه، فقد كانوا يأتون بها إلينا نحن الشيوخ، وكنّا نقف مكتوفي الأيدي، وننفِّذُ الأوامر. كنّا نخافُ أن لا نتعاون مع جند معاوية، فكان الشيخ مِنّا يحسد الآخر والحاسد يبوحُ بالأسرار، وكان الزعيمُ يفكر في قوت يومه، وقد فقد الإحساس بالمسؤوليّة تجاه الأمّة. علماً بأنّنا كنّا أهل المشورة، لكن حتّى مشورتنا أصابها العجزُ والضعف.

أكثر ما أزعجني في الاجتماع أنَّ من بين الحاضرين شيخ عشيرة لا يُطالب بحقوقِ الضعفاء، أمّا إذا كان الحق له، فإنّه يستشرسُ في طلبه. ذات يومٍ سعيتُ له في أخذ حقّه وما إن استتبَّ له الأمر، وبات المال الوفير في يده، لم يبذُل منه شيئاً في سبيل فقيرٍ احترقتْ داره. كنت أحدق به بعبوسٍ وهو يشيحُ بوجهه عنّي.

أنا أيضاً لم أختلف عن هذا الشيخ، فلمّا أتى معاوية مراراً إلى المدينة يطلب البيعة من كبارها كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس لابنه يزيد، كنت أحثّهما على القَبول؛ فالتوافق مع معاوية فيه مصالح كثيرة تعود بالنفع على المدينة المنورة وسكّانها. هكذا كنت أفكّر.

***

داخل الخيمة، تصبَّب العرق منّي، وارتجفتُ خوفاً ممّا قاله الحسين عليه السلام فينا. لقد لامنا وعاتبنا ووبّخنا بكلامه. تمنّيتُ لو تعود روحي كما كانت، لا أدري كيف وصلتُ إلى رجلٍ يشتمل على نعوتِ من يصفهم الحسين عليه السلام. كان يقول: "إنّ الله سبحانه وتعالى قد أعطاكم منزلة عظيمة في قلوب المسلمين، فلِمَ تخذلون المسلمين؟ هناك جيّاع، هناك شيوخ، هناك محرومون، وأنتم ساكتون عن هذه الظلامات التي حصلت بفعل بني أمية وبسبب مُلكهم. لماذا لا تتكلّمون؟ أتخافون على مصالحكم الخاصّة؟".

لم يخطر في بالي خلال رحلة بحثي عمّا أوصلتني إليه نفسي من العجز -وأنا الحاجّ الذي طفتُ وسعيت عشر حجج، وأستعدّ اليوم لعرفات ولرمي الجمرات- أنّي ذات يومٍ لم أصبر على عدل عليٍّ عليه السلام في تقسيم الخراج، ولم أتحملِ الأذى في جنب الحسن عليه السلام وهو يتعرّض لمحاولة الاغتيال تلو الأخرى. نعم، هذا مسار عجزي، نحن الذين مكَّنَّا الظَلَمة باستسلامنا وقلّة صبرنا، وسعينا نحو المكاسب فقط. مهلاً، ماذا يريد الحسين عليه السلام من كلامه؟ أهو يهيّئنا للثورة؟

إنّه يبتدئ بنا -بقادة الأمّة- بالذين عليهم اعتمادُ الأمّة، من صحابة وزعماء، وشخصيّات إسلاميّة، ومن المقرّبين إلى أهل البيت عليهم السلام.

لكن يا ألله، أصحابُ هذه الوجوه التي أراها كلّهم خانوا الحسن عليه السلام من قبل، وإنّهم بلا شكّ في طريقهم إلى خيانة أخرى لأخيه الحسين عليه السلام.

***

انتهى الإمام من خطبته، وتفرّق الجميع، كأنّ طيور الأبابيل تصفق عقولهم بأجنحتها، وأنا التهيتُ شارداً أحدّث نفسي ولم أفقه إلّا القليل من خطبته عليه السلام.

عدتُ إلى خيمتي على عجل. لم أشأ أن يراني أحد. مرَّ الليل بطيئاً عليّ، وصوتُ الحسين يتداخل في رأسي مع صوت النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ورحتُ أبكي دموعاً يابسة.

عند الفجر، صعدتُ إلى عرفات وفي رأسي أعيد مراجعة خمسين سنةً من عمري، لكنّي ضعيف عاجز عن أن أعود كما كنت. سمعت من الحسين بن علي دعاءً ما سمعتُ به من قبل، كأنّه يطلب من الله عزّ وجلّ أن يكون تضحيةً لبقاء الإسلام. صرتُ أنظر إلى لحيته وقد ابتلّت بدموع عينيه، أسمع صوته الحاني. شُغِلت به عن طلب النجاة لنفسي، ولم أقوَ حتّى على أنْ أعيد جُملاً من الدعاء خلفه. لقد خسرتُ الصفقة، قلبي عاد طيناً لازباً، أنا لا أشعرُ بالنبضِ في قلبي، إنّه لا يخفق!

حلّ الغروب، فنزلتُ من عرفات، ورحتُ أجمع أسلحتي من الجمرات لأرميها في ميدان المعركة في منى، وإبليس الذي وقف في وجه إبراهيم وإسماعيل وهاجر وانتصروا عليه، يقفُ في وجهي وأنا أستعرضُ شريطَ العمر، وقد انتصرَ عليَّ مراتٍ ومرات.

وقفنا على جبهةِ منى، كنّا بالآلاف، كلّنا من جنود التوحيد، تزاحمنا في صفوفٍ طويلة لنرفض الخضوع لأيّ قوّة سوى لله، لكن هل كنّا كذلك فعلاً؟ كيف نذعنُ لشخصٍ كمعاوية الذي يريد تولية يزيد، ونحن ندركُ من هو الحسين عليه السلام؟

انتظرنا طلوع الشمس، فهو موعد انطلاقنا، وما إن أشرقتْ شمس السماء حتّى أشرق وجه الحسين عليه السلام بين الحجّاج. صدر الأمرُ بتحطيم الأصنام. رفعنا لواء التوحيد مجدّداً وبدأنا الهجوم.

- هل سأكون معه في المعركة إن خرج ثائراً، فأنا طاعنٌ في السنّ، وقد شاركت في شبابي في معارك عدّة؟ هل أقوى؟ أنظر إلى حبيب بن مظاهر وهو في مثل سنّي، لكنّي أراه فتيّاً كما لو كان ابن ثلاثين. لماذا لستُ مثله؟

رمينا الأصنام في مِنى، ولكن لمَّا نكسر صنم النفس بعد. ففي مِنى يتمنّى العبد أن يُنجيه الله من النار، فهل من نجاةٍ دون الركوب في سفينة النجاة؟ هل أنجوَ من دون الحسين عليه السلام؟

***

الأسئلة في رأسي تفتكُ بي. إنّي أُطعنُ برمح السؤال، والأجوبة نِصالٌ وحِراب، حتّى انكسرتُ عند المذبح المقدّس. هنا أراد إبراهيمُ تنفيذ أمر الله بذبح إسماعيله، وهنا أبصرتُ الحسين عليه السلام وهو يتقدّم نحو عليٍّ الأكبر، احتضنه، قلّده عِمةً خضراء، اعتنقه من جديد، قبّله في رأسه، وعلى كتفيه. أدركتُ أنّه يهيئُ عليّاً الأكبر ليكون إسماعيلَه.

سقطتُ أرضاً، كنتُ متعباً منهكاً وأنا ابن السّبعين عاماً، أمشي ثقيل الخطى، أفكّر في قادم الأيّام، مؤمنٌ ضعيف مثلي أيصلحَ ليكون في كربلاء، وهي للأقوياء؟!


(*) كاتب مسرحي وسيناريو.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع