مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

مجتمع: رأس السنة: لم يجعله الله عيداً

تحقيق: زهراء عودي شكر



الزمان: منتصف شهر كانون الأول من كلّ عام.
المكان: أينما حللت، ووقَعَتْ عيناك.
الحدث:الانهماك في التّحضير لاحتفالات عيد رأس السنة الميلاديّة.
الأسواق بواجهات محالّها وأزقّتها ازدانت باللون الأحمر، محال الحلويات والمأكولات، تعمل كخليّة نحل، ليل نهار، لتكون تحت الطلب في الليلة الموعودة، والمنازل أُفسحت زواياها لشجرة الميلاد التي تدلّت منها الأضواء والزينة، أمّا بالنسبة لـ "بابا نويل"، فله شأن خاص في هذه المعمعة. وما ذكر أعلاه من مظاهر العيد، لا تجده حصراً في أحياء المسيحيين، بما أن العيد عيدهم، بل يسابقهم عليه المسلمون الذين من المفترض أن يكونوا بعيدين كل البعد عن هذا الاحتفال. فهل الاحتفال بعيد رأس السنة مشروعاً، حتى ولو لم يكن من باب الاعتقاد الديني؟ وماذا عن المشاركة في مظاهر الاحتفالات في هذه الليلة؟


* هكذا يقولون
تضاربت آراء الناس حيال الاحتفال بعيد رأس السنة، وتفاوتت القناعات فيه بدرجة كبيرة، فالملتزمون دينياً يرون فيه "بدعة"، فيما يرى الآخرون فيه " فرصة للمّ شمل العائلات، وصلة الرحم، ما لم يخالطه حرام من خمر وغيره". هذا، وتبقى السّمة المشتركة بين الجميع، الاحتفال بالعيد من باب العادة، وليس من باب القناعة الدينية. فأبو محمد (45 عاماً)، لا يجد مشكلةً أو عيباً في الاحتفال برأس السنة الميلادية، شريطة أن يكون ذلك في حدود المعقول. "فلربِّ كل أسرة، وكل حسب استطاعته، الحق في الجلوس مع أولاده وزوجته حول مائدة موضّبة ومتنوّعة، وله أن يقدم هدية لأمه، أو لزوجته، كتقدير وامتنان لجهدهما طيلة السنة في رعاية شؤون البيت والأطفال. أما الاحتفال على طريقة بابا نويل، وما إلى ذلك من سلوك الاحتفال الغربي، فلا شأن لنا به". يقول أبو محمد الذي يحاول أن يؤمّن كل مستلزمات ليلة رأس السنة في أوانها، كي لا تشعر عائلته أنها "دون الآخرين".

* مناسبة للبهجة والتفاؤل
وتؤكّد ميرفت (ربّة أسرة)، أنّ احتفال عائلتها برأس السنة هو على سبيل التفاؤل بسنة جديدة، مليئة بالفرح، وارتياد "بابا نويل" منزلها كل عام هو لإسعاد أطفالها، ومكافأتهم ليس إلا. وتقول: "لو سألت المحتفلين بهذه المناسبة عن خلفيّات المناسبة العقائدية ستجد الكثير منهم، بل جميعهم، يعتبرونها مناسبة للبهجة والفرح والتفاؤل، وللخروج من دوّامة الأزمة السياسية والمعيشية الخانقة، ولو لساعات". وبالنسبة إلى صبا أ. (23 عاماً)، لا يكتمل عيد رأس السنة لديها دون شجرة مزيّنة، فقد اعتادت ومنذ أيام الدراسة تزيين شجرة الميلاد، أسوةً بزميلاتها المسيحيّات، "كنّ ينهمكن بتحضير لوازم العيد من ثياب وهدايا وزينة، قبل شهر من قدومه".

* ليتني أرى هذه المظاهر في أعيادنا
بالمقابل تنتقد فاطمة ط. (25 عاماً)، كيفية الاحتفال بعيد رأس السنة، وتجد فيه "مبالغة غير مبرّرة من قبل المسلمين"، وهي إذ لا تنكر اجتماع عائلتها في هذه الليلة حول مائدة واحدة، تتمنى أن تنطبق مظاهر هذا العيد، طبعاً المشروعة، على أعياد المسلمين. "أحبّ أن أرى مظاهر عيد الميلاد ورأس السنة من زينة ومأكل ومشرب في أعيادنا، وفي مناسباتنا الدينية التي تبقى خجولةً جدّاً أمام ما يقام في هذه المناسبات". إلى ذلك تشعر زينب (20 عاماً) وإخوتها، بالملل خلال تلك الليلة، ويجدن ضالَّتهن في التلفاز، فيتابعن البرامج المخصصة لليلة رأس السنة، وهن يتناولن الحلوى والكستناء. "لا نجد أمامنا سوى التلفاز وسيلة للتسلية في هذه الليلة الطويلة، فنحن عائلة محافظة، جُلّ ما نقوم به هو الاجتماع مع أبناء العائلة في القرية؛ نظراً لأن الجميع في عطلة، إلى ذلك نتابع ما يحصل في بعض دول العالم من احتفالات عبر التلفاز، كما ننتظر التنبؤات والأبراج". في المقلب الآخر، يتباهى أحمد (18 عاماً)، بين أقرانه بالصلاة التي يؤديها مع انصرام الدقائق الأخيرة من العام، وبداية العام الجديد، وتقول أخته أماني ضاحكة: "لا ينفك أخي عن الاستفسار عمَّا قمنا به أنا وإخوتي وأبناء عمّي من أعمال، لله فيها رضى، في ليلة رأس السنة، وأنا في الحقيقة، أعترف بأنّه أفضلنا، فليس أفضل من ذكر الله في هكذا أوقات".

* عيد رأس السنة: تقليد انسحب على المسلمين
يصادف عيد رأس السنة يوم عطلة رسمية في أغلب دول العالم، وبالأخص تلك التي تعيش فيها الطائفة المسيحية، ومنها بعض دول الوطن العربي، كسوريا، ولبنان، ومصر، والأردن، وفلسطين، والعراق. وفي هذه الليلة تحتفل معظم العائلات المسلمة بالعام الجديد، ولكن بطريقة تفتقد إلى الحسّ الديني الموجود لدى المسيحيين، الذين يخلّدون مولد المسيح عليه السلام، ويضفون على المناسبة مسحة روحانية ودينية. وبعد استطلاع آراء الكثير من المسلمين، تبيّن لنا أن الاحتفال برأس السنة ما هو إلا تقليد أجوف، عزّزه العصر الحديث بتقنيّاته ووسائل اتصاله المتنوّعة، بدءاً من المرئيّة والمسموعة، وصولاً إلى الشّبكة العنكبوتيّة التي كانت كفيلة بنشر ما يجري في العالم من أحداث في تلك اللّيلة بسهولة، وخلال ثوانٍ معدودة، ممّا بعث الحماس للاحتفال والفرحة في نفوس المسلمين كما أبناء الدّيانات الأخرى.  وترتبط الاحتفالات برأس السنة منذ فجر التاريخ بعادات وتقاليد وطقوس متنوعة، ينبثق بعضها من الأساطير، فيما يعود بعضها الآخر إلى سلوكيات الشعوب.

* الاحتفال برأس السنة من المنطلق الإجتماعي
يشير الدكتور محسن صالح، المتخصّص في علم الاجتماع، إلى عدم وجود دلالات في التاريخ الإسلامي، توثّق احتفال المسلمين بعيد رأس السنة الميلادية، ويعتبر "أنّ هناك اختلافاً في الأصل التاريخي لهذا "العيد"، إذ إن البعض يعتقد أنه امتداد للخامس والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) الذي يؤرّخ يوم ولادة السيد المسيح عليه السلام، فيما يرى البعض الآخر أن منشأ هذا العيد هو ما قبل ولادة النبيّ عيسى عليه السلام". وبالعودة إلى الموسوعات الدينية، والكتب التّاريخية، يلاحظ الدّكتور أنّها "تذكر هذا اليوم على أنّه سابق على المسيحيّة، وهو يوم تحتفل فيه أمم كثيرة، كيوم فاصل في التّقويم الطّبيعي، خاصّة في الديانات القديمة، الهندية، واليونانية، والفارسية، والرومانية".  ويضيف الدكتور محسن قائلاً: "في السابق لم تكن الدول الإسلامية تحتفل بعيد رأس السنة، اللهم إلا في الأوطان التي يقطنها نسبة وازنة من المسيحيين، كلبنان، إنما التأثُّر الفعلي بهذه المناسبة أتى نتيجة لتأثير الثقافة الغربية، والاستعمار الغربي للبلدان الإسلامية الباقية، خاصّة بعد سقوط السلطنة العثمانيّة، فكلما كان الاستعمار قوياً، كلما كان تأثير عاداته ومناسباته أقدر على اختراق عادات ومناسبات الشعوب الأخرى". وفيما يخصّ اكتساب العادات، يرى الدكتور صالح أن المشكلة تكمن في تقليد الغرب، من خلال السلوكيات السلبية، "الاحتفالات الغربية طغت عليها العادات السيئة، من فسق وفجور في تلك الليالي، خاصةً وأن الغرب بمجمله وضع الدين على هامش الحياة والتفكير، وحتى أنه أخرجه من قلبه"، لذلك يشدّد بأنه لا بدّ من الانتباه جيداً إلى ما يبثّ ويعرض لنا كي لا نقع في شرك العادات السلبية التي لا تتناسب مع معتقداتنا الدينية، ولا مع ضوابطنا الاجتماعية، لا من قريب، ولا من بعيد.

* الاحتفال بين المشروع والمشروط والمحرّم
بعد استطلاع آراء الناس والمختصّين حول احتفالات رأس السنة، كان لا بدّ من الوقوف على رأي الدّين، ولهذه الغاية قصدنا مكتب الوكيل الشرعي للإمام الخامنئي دام ظله في لبنان، واستفسرنا من فضيلة الشيخ إسماعيل حريري، عن مشروعية الاحتفال بعيد رأس السنة، فكان جوابه: "يجوز في حدّ نفسه، إلّا أن يستلزم ارتكاب حرام، أو أية مفسدة أخرى، من قبيل الترويج، والتأييد للاعتقادات الباطلة، ونحو ذلك، فيحرم حينئذٍ".ولفت "إلى أنّ المشاركة في مثل هذه الاحتفالات أمر مرغوب عنه، وليس مرغوباً فيه، وليس له آثار إيجابية على الإنسان، ولا على تربية الأولاد الذين يعتادون من خلال مشاركة الأهل على إحياء هذه المناسبة، وقد يصل بهم الاعتقاد إلى أنّه أمر حسن، ومستملح حتى من الوجهة الشرعية، وهذا يتنافى مع حسن التربية والتوجيه.

* جواز التهنئة أو المشاركة
وحول حكم تهنئة المسيحيين وغيرهم بالعيد، وتشبّه المسلمين بهم في إقامة الحفلات، وتبادل الهدايا في هذه المناسبة، ولو من منطلق غير عقائدي، أجاب سماحته بأنه: "يجوز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم الدينية، ما لم يصدق عليه التأييد للعقائد الباطلة". وفي الوقت عينه أشار إلى أنْ لا خصوصية لهذه المناسبة عندنا نحن المسلمين، وإذا كان يترتب على هكذا مشاركة تأييد للاعتقادات الباطلة، أو أية مفسدة أخرى، فلا يجوز حينئذٍ، هي ليلة كأية ليلة أخرى من ليالي السنة التي تمرُّ، بطاعة أو معصية والعياذ بالله. نعم، توجد ليالٍ ثبتت لها خصوصيّة في الإسلام، كليالي القدر، والجمعة، وغيرها، ولها أعمالها الخاصة المستحبة، وأين منها ليلة رأس السنة المذكورة؟! وتبادل الهدايا، وإن كان أمراً راجحاً شرعاً (تهادوا تحابوا)، إلا أنه لماذا يكون في هذه الليلة التي لا تمثّل لنا شيئاً على مستوى ديننا وأدبيّاتنا؟ ولماذا
لا نختار زماناً يكون له ذكرى خاصة، نعتاد ونعوّد من حولنا على الاهتمام بها حتى على مستوى الهديّة، كأعياد الفطر، والأضحى، والغدير، ومواليد المعصومين عليهم السلام".

* شجرة الميلاد وبابا نويل
وفيما يخصّ انهماك المسلمين بشراء الحاجيات وتزيين شجرة الميلاد، يعتبر الشيخ حريري أن "التشبّه بغير المسلمين في الإتيان بما يأتون به من مظاهر احتفالية، كتزيين شجرة الميلاد، ونحو ذلك، إذا صدق عليه الترويج والتأييد للاعتقادات الباطلة لا يجوز"، أما شراء الأطعمة والأشربة في حد نفسه، "فلا مانع منه، لكن لا يظهر منه أن الاهتمام بذلك إنما لخصوصية المناسبة، لما ذكرناه من عدم وجود خصوصية لها، وهذا مما لا ينبغي للمسلمين والمؤمنين القيام به". ونظراً لحساسية الموضوع وتأثيره، توجّه الشيخ إسماعيل إلى الأهل الذين يقومون بتقديم الهدايا لأطفالهم عبر "بابا نويل"، قائلاً: "هذا الأمر من الأمور التي يجب اجتنابها، لما فيه من المفاسد الدينية والتربوية، وخاصة للأطفال الذين يتعلقون بمن يحضر لهم الهدايا، ولو كان شخصاً وهمياً خيالياً، وهذا مفسد لهم. ووظيفة الأهل الشرعية، حسن التربية والتوجيه، بإبعاد أطفالهم عن هكذا أمور، وتربيتهم على أساس الدين الحنيف، وشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله. والأمور المذكورة تتنافى مع كل ذلك. ولا يخفى علينا جميعاً ما لهذه الأمور من التأثير السلبي على نفسية الأطفال، وبناء شخصيتهم المتوازنة، حاضراً ومستقبلاً". وبالنسبة إلى المستحبات التي يمكن أن يقوم بها المسلم في ليلة رأس السنة، أشار سماحته أنَّه "لا توجد مستحبات خاصة بهذه الليلة، إلا أنه مما لا شك فيه أن السهر في طاعة الله. في كل ليلة، وهذه منها، فيه رضا الله تعالى، مع ما يحرزه الإنسان من الثواب في ذلك، خصوصاً صلاة الليل، وبعض الأدعية، إذا صادف ليلة من الليالي الخاصة التي وردت فيها بعض الأدعية، والأعمال المذكورة في الكتب المختصة بذلك كمفاتيح الجنان".

* كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد
العيد مناسبة كريمة، تعود فيها البسمة إلى الشفاه، والفرحة إلى القلوب، ويتجلى فيها كرم الضيافة، وخشوع النفوس، واطمئنانها بالشكر، والحمد، والثناء، والتكبير، وذكر الله تعالى، وصلة الرحم، وإسعاد الفقراء والأقارب والأطفال، فإذا كان رأس السنة يحمل هذه المعاني، أو بعضها، ولا تشوبه المعاصي، فلا ضير من الاحتفال به من منطلق "كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد".
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع