تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت)

نسرين إدريس قازان

قاهر الميركافا

اسم الأمّ: خديجة جفّال.
محلّ الولادة وتاريخها: عدشيت الشقيف 24/11/1975م.
رقم القيد: 33.
الوضع الاجتماعي: متأهّل وله 4 أولاد.
مكان الاستشهاد وتاريخه: أرنون الشقيف 2/9/2006م.



بلال؛ مؤذّن النصر، والبطل الذي التحمت روحه بالأرض فانتفضت من الرميم.. ذاك الذي أحيت صواريخه وادي الحجير واقتلعت سلاسل الدبّابات عنه، فحرثت طائرات الاستطلاع السماء بحثاً عن الذي أذلّ قوّاتها، فعجزت عنه طوال أسبوع، وبُحّت نداءات الرفاق له بالانسحاب، لكنّه ظلّ هناك، حيث انفصل عن الوجود، وهامَ في عالم الملكوت.. لقد رأى بعينيه المسافرتَين عبر منظاره آخر لحظات الحياة وآخر إنجازاته البطوليّة والتاريخيّة التي كانت ملحمةً أسطوريّة ساهمت في حسم المعركة البريّة في الحرب نصراً وعزّاً، في آخر يوم لها.

•تصويب دقيق بتسديد إلهيّ
لم تكن شجاعةُ "بلال عدشيت" -كما ينادونه عادة- هي سبب تميّزه فحسب، بل التحامه الوثيق بعمله، وكأنّما عندما يذخّر المقبض يضع روحه مع الصاروخ، وعندما يعاين هدفه، تُحاط دقّته العالية بتسديدٍ إلهيّ لمسه المجاهدون، فكانت المهام الصعبة والحسّاسة تُوكَل إليه، ليس لأنّه من بين أمهر رماة الصواريخ في المقاومة فحسب، بل لسرّ غيبيّ تجلّى في تسديداته أيضاً.

•"الحرتقجي"
لقد كان ذلك المُجاهد إنساناً تجلّت فيه القيمُ الدينيّة والأخلاقيّة، وتدرّج في بناء روحه ببساطةٍ قلّ نظيرها، وكان أيضاً مبتكراً خلّاقاً، يصنع من الأشياء البسيطة ما يُغني عن معدّات ثمينة، فالـ"حرتقجي" كما كانوا ينادونه، انشغل عقله دائماً بتطوير عمله، كي لا يُغبن بتساوي يومَيْه، وكان يدعو مَن حوله إلى التخلّي عن تعقيد الأمور، فالتعقيد مقتل التطوّر والتقدّم.

كان يبهر الجميع بابتكاراته البسيطة والحلول السريعة التي يوجدها لكلّ ما يعترض طريقه، فتخاله مهندساً؛ لثقافته العالية واطّلاعه الواسع، وسعيه الحثيث والدؤوب للتطوير، فكان يصمّم أشياء بسيطة بحرفيّة تخدمُ العمل المقاوم، وتوفّر الكثير على موازنته.

•على مرأى من ناظريه
ابن قرية "عدشيت الشقيف" عاش حياته بين قريته وقرية جبشيت، بلدة أمّه، وكان أهله يعتاشون من زراعة التبغ، فعملهم كان يبدأ قبل بزوغ الشمس، فساعدهم في ذلك وهو طريّ العظم صلب الإرادة. وترافق ذلك مع رؤيته للعدوّ الصهيونيّ وهو في أوج سطوته على قرى الجنوب، وانتهاكه لحرمات البيوت واعتقال الناس، ما ولّد لديه رغبةً عارمةً في الالتحاق بثلّةٍ قليلة من المجاهدين؛ وكم من فئة قليلة غلبت!

•النجاة بأعجوبة
هو الولد الثالث بين إخوته. كان مطيعاً جدّاً لوالديه، وهادئاً أنيس المعشر. وقد برز ذكاؤه في كثرة انشغالاته بتركيب أشياء بسيطة وصناعتها، فاشتغل في محلّ حدادة، حيث أبدع بما صنعه. وذات يوم، أغار الطيران الحربيّ الإسرائيليّ على ورشة الحدادة، فنجا من الموت بأعجوبة.

•إنجازات قلّ نظيرها
في السادسة عشرة من عمره، التحق "بلال عدشيت" بالمقاومة، ونسج شبكة من السريّة حول عمله الذي تدرّج فيه حتّى صار من أمهر رماة الصواريخ، ومن أنجَب المدرّبين في هذا الاختصاص. وقد حفلت حياته الجهاديّة بإنجازات كان لها أثر مهمّ على الصعيدَين المعنويّ والماديّ، إن كان على روحيّة المجاهدين، أو معنويّات العدوّ، وهذه ميزةٌ قلّة من وُفّق إليها. وأكثر من يحكي إنجازاته ضرباتُه المُسدّدة، فهو قائدُ أوركسترا الصواريخ الموجّهة، وصاحبُ الأنامل السحريّة بعزفها، فدبّابة موقع الدبشة التي ظلّت النيران مشتعلةً فيها ليومين، صارت حديث الناس، وكذلك بالنسبة إلى عمليّة العزّيّة الشهيرة، التي أصابَ فيها صاروخه طلّاقة دشمة الحرس، بعد أن رصدها على مسافةٍ جعلت الطلّاقة بحجم غطاء القنينة!

•شجاعة وابتكار
في العام 1995م، أصيب بلال عدشيت بيده ورجله أثناء مشاركته في عمليّة بين موقَعي الدبشة والزفّاتة. وعلى الرغم من إصابته، حمل صديقه المصاب وانسحب به. وفي عمليّة أخرى، صعد فوق دبّابةٍ للعدو وألقى فيها قنبلة غير آبهٍ بخطورة الموقف.

في إحدى الدورات التدريبيّة العالية المستوى، كان المدرّب يشرح عن مناظير الصواريخ الموجّهة وكيفيّة التعامل مع المشاكل التي قد تعترض المجاهد أثناء الرمي، فأشار إلى مشكلة في المنظار تحتاجُ إلى الأخذ إلى الصيانة، فاستوقفه بلال قائلاً: "لقد واجهتُ هذه المشكلة في إحدى العمليّات، فقمتُ بإصلاحه مباشرة على الأرض بلاصق سريع وأكملتُ مهمّتي"، فانبهر المدرّب به.

•شركاء في العمليّة
إنّه الابن البارّ الذي لم يتوانَ عن خدمة والديه، والزوج المحبّ الذي كان إذا رجع من عمله، يساعد زوجته في أعمال المنزل، محاولاً قدر الإمكان تخفيف التعب عنها، والأب الذي غمر أطفاله باهتمام مميّز، فعوّض لهم عن غيابه بأجمل اللحظات.

ذات عيدٍ في العام 2005م، غاب عن عائلته لأوّل مرّة، فأخذت زوجته الأولاد لشراء الألعاب، وأثناء عودتهم، التقوا به، فأخذهم على عجالة في نزهة قرب الشريط، وطلب من أولاده قطف الزهور، فيما وقف يرمقهم بهدوء، ثمّ انتقل بهم إلى مكانٍ آخر ليلتقط لهم الصور، وفي مرّةٍ ثالثة أوقف السيارة ليصلحها، ذلك كلّه كان عبارة عن رصدٍ لعمليّة الغجر التي شارك فيها، وعندما شاهد الأخبار أخبر أولاده أنّهم شركاء في هذه العمليّة.

•الاهتمام بحاجات الناس
أمّا على صعيد حياته الاجتماعيّة، فقد ترك بلال أثراً كبيراً في نفوس الناس، فبيته مفتوح لهم، يساعدهم في أمورهم ويحلّ مشاكلهم، واهتمّ كثيراً بزرع الروحيّة الإيمانيّة والجهاديّة في نفوس الشباب، فلا يكلّ ولا يتعب، وإذا ما لاحظ على أحد تأخّراً في سلوكه الدينيّ، وضعه هدفاً نصب عينَيه، وأعطاه أولويّة في متابعته حتّى يستقيم.

•الخير في ما وقع
"بس تحكي عن بلال عدشيت بيطلع إدّامك إنسان خدوم، متواضع، إنسانيّ، معطاء، ما بيوقف عند شي، كلّ شي إلو حلّ". هكذا يصفه الناس، أمّا رفاقه في المقاومة فيقولون: "هنيئاً لمن رافقه وعاش معه وتعلّم منه"، فهو المجاهد المتوكّل، الذي امتلك بصيرةً ويقيناً بأنّ الخير دوماً في ما يقع، فإن لم يصب الصاروخ هدفاً، يبتسم لأنّ لا شكّ في أنّ ثمّة هدفاً أثمن، فلم يتسلّل اليأسُ أو الوهن إلى قلبه، بل كان يدرك أنّ الله وحده مدبّر الأمر وناصر عبده.

•حيّ على الفلاح
بالنسبة إليه، لا يحتاج الجهاد في سبيل الله إلّا إلى عتاد واحد، وهو اليقين، فإن جاء نداء "حيّ على الفلاح"، يقوم بلا تردّد، غير آبهٍ بما يواجهه ولو كان ذا عدّة وعدد، فقد أعدّ للعدوّ ما استطاع من قوّة في عمره الذي كان حافلاً بالبطولات، فشارك في عشرات العمليّات العسكريّة، وكانت له يدٌ طولى في اصطياد العملاء، كما كان مدرّباً فذّاً له أسلوب رائع في إيصال المعلومــات للمتدرّبين بسلاسة ووضوح، فزرع في قلب كلّ واحد منهم "بلالاً".

•عندما دارت رُحى الحرب
كان لبلال عدشيت موعدٌ مع أذان الرحيل في حرب تمّوز 2006م، موعد بدأه بنداء: "يا رسول الله" في عمليّة الوعد الصادق، وإلى جانبه الشهيد خالد بزّي الذي أعطاه إشارة الإطلاق بتربيتَةٍ على كفته، فأصاب صاروخه سيّارة "الهامر"، ودارت رُحى الحرب.. بقي بلال طوال فترة الحرب في الجنوب، إلى أن جاء موعد مهمّته، كان عليه تأخير رتل دبّابات العدوّ ليتسنّى للشهيد راني بزّي زرع العبوات الناسفة: "لازم نوقّف الدبّابات"، وبمساندةٍ من مجاهد آخر، قام بلال عدشيت بتدمير نحو خمس عشرة دبّابة ميركافا من الجيل الرابع في وادي الحجير، من مكانٍ لم يستطع الطيران تحديده إلّا بعد أسبوع، حيث كان يقوم بالرمي من خلفهم، ومن نقاط عدّة، ومن مكان تظهر الدبّابة في منظاره بحجم علبة الكبريت، فاستهدفته طائرة استطلاع، وأصيب في آخر يوم من العدوان، حيث نُقل إلى المستشفى، فاستيقظ مرّةً واحدة ليطمئنّ إلى الانتصار، وليرتفع إلى بارئه بوسام الشهادة عن عمر يناهز الـ31 عاماً، بعد نحو عشرين يوماً رقد فيها في المستشفى.

•قاهر الميركافا
"أنت تعيش الجحيم ولا شيء آخر.. ترى الموت بناظريك وتصافحه"، هذا ما قاله أحد جنود الوحدة 162 التابعة للعدوّ الإسرائيليّ التي كانت في وادي الحجير عبر اللاسلكي لبلال.

بلال؛ اسمٌ أُطلق على ولده الرابع الذي وُلد بعد استشهاده.. واسم أطلقه الكثيرون ممّن عرفوه على أطفالهم، حتّى إذا ما كبروا عرفوا أنّ اسمهم كان تيمّناً باسم قاهر الميركافا "بلال عدشيت".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع