جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة نور روح الله: طهِّر من الأرجاس قلبي(*) مناسبة: 33 يوماً خلف العدسة(2) باحثون إيرانيّون يصنعون ضمّادات تشبه بشرة الإنسان الحل السحري لنسيان المفاتيح

شباب: ليسوا الأكثر تفوُّقاً.. لكنّهم الأروع حتماً..

محمّد لمع


أكثر من 18 عشر عاماً أمضيتُها في سلك التعليم. أخطأ من قال إنّها مهنة المتاعب، أو على الأقلّ، لا يدرك قيمة ما بين يديه... الإنسان وصناعته. مئات الطلّاب أو ربّما يمكن القول الآلاف منهم، مرّوا في حياتي، ولا أنكر أنّ لكلّ واحدٍ منهم بصمةً في قلبي ووجداني لا تشبه أختها، تماماً مثل بصمات أصابع الإنسان.

•عالم المبادئ والمثاليّات
أذكر أنّني عندما دخلتُ الصفّ أوّل مرّة في ثانويّة جباع، كنتُ لا أكبر طلّابي بأكثر من خمس سنين، هي المرحلة الجامعيّة وعامٌ أمضيته في الجيش. كنتُ حينها متسلّحاً بالكثير من المبادئ ومتمسّكاً بالمثاليّات، فحرصتُ على أن لا أخوض معهم إلّا في كلّ ما له علاقةٌ بالقيم السامية، والتهذيب، وبالطبع العلم. ساعدني في ما كنتُ عليه، الوضع العام سنة 1997م، احتلالٌ، ومقاومةٌ، وقصفٌ، وشهداء. كان المجتمع بأسره تحت تأثير الوضع العسكريّ، ولم يكن الإنترنت قد غزا العقول قبل أن يغزو الهواتف بعد.

•غزوة الهاتف الذكيّ تكشف الاهتمامات
سافرتُ ستّ سنواتٍ إلى كندا، لأعود إلى مدرستي (المهدي كفرفيلا) فأجدَ مكاني وقد ظلّ محفوظاً.

لم يكن المجتمع قد تغيّر بعد، ففي عام عودتي (2006م) شنّ العدوّ الإسرائيليّ حربه الأخيرة مخلّفاً المجازر والدمار، ومعيداً المجتمع إلى الالتفاف حول مقاومته أكثر.

التغيير الحقيقيّ بدأ منذ سنواتٍ قليلةٍ، بالتحديد منذ بدأ عصر العولمة يطرق أبواب الأرياف، وبشكلٍ خاصٍ، يوم نزل الهاتف الذكيّ زائراً غُرف المراهقين، حاملاً معه العالم الواسع إلى مهادِ طفولتهم.

صرتُ أجد بعض طلّابي في مقاهي الإنترنت وألعاب الكومبيوتر، وصرتُ ألاحظ أنّ كلّ صفّ فيه مجموعة "واتس آب" يتبادل فيها التلاميذ تصوير الفرض وتوزيعه. أمّا الفايسبوك، فجعلني أعرف أكثر عن المراهقين الذين أعيش معهم في المدرسة، ومن خلال منشوراتهم، عرفتُ أنّهم يعيشون في عالمٍ آخر غير ذلك الذي اعتدتُ أن أراهم فيه في الصف، واستطعتُ رؤية الوجه الآخر لهؤلاء المراهقين.. باختصار، فهمتُ أين يعيش الطلّاب.. وعرفتُ كم أنا بعيدٌ عن عالمهم.

لم يكن من الصعب فهم ما يشغلهم، وتحديد اهتماماتهم وأولويّاتهم؛ تشجيع الفرق الإسبانيّة (برشلونة وريال مدريد)، والمحليّة (النجمة والعهد)، ورأيت طلّابي يحفظون أسماء اللاعبين، ويقلّدونهم.

•المواجهة أو المجاراة؟
في البداية، أخذت خيار المواجهة، والزجر، واللوم الدائم. سفّهتُ كلّ ما وقعتْ عليه عيناي وسمعتْه أذناي، وحاولتُ ثنيهم عن متابعة المباريات تحت عنوان: ما لنا وكشك الجيران؟ وكنت أقول لهم بأسلوب فجّ: لماذا لا تتّخذون المجاهدين قدوةً لكم؟

لم يطل الأمر قبل أن أدرك أنّني أسير في الطريق الخطأ. صار الطلّاب يكرهون حديثي ولومي الدائم، دون أن يكون لي أيّ تأثيرٍ يُذكر، وبالعكس، صارت النتائج تأتي بما لم تشتهِ سفني، وراحت الهوّة بيني وبينهم تكبرُ يوماً بعد آخر، وأسوأ ما في الأمر أنّهم تراجعوا أكاديميّاً أيضاً.. في المحصّلة، خسائر في الميادين كلّها.

كنتُ أمام خيارَين أو طريقَين لا ثالث لهما، إمّا السير على المنهاج ذاته بمحاولة ردع الطلاب عمّا يقومون به، والاصطدام بالتالي بحائطٍ سميكٍ من الفولاذ كان قد ارتفع بيننا، أو أن أنزل إليهم وأقتحم عالمهم الذي يعيشون فيه.. فاخترت الثاني وهو كرهٌ لي..

•خطة ومجاراة.. لإحداث التأثير
بدأتُ انعطافتي بمشاهدة مباراة "كلاسيكو" (لقاء القمّة بين الغريمين الإسبانيّين)، ودون أن أشعر، وجدتني أنحاز إلى الفريق الملكيّ، وأتمنّى خسارة برشلونة كرهاً بنجمه "ميسّي". ومع الوقت، صرتُ أتعرّف إلى بقيّة الفِرَق، وللمرّة الأولى، فهمت الفرق بين الدوري، والكأس، وكأس الأبطال.

بالطبع، لم أذهب بعيداً في تشجيعي، لكنّي بكلّ تأكيد صرتُ أفهم لماذا يشجّعون، وكيف يشعرون.

مع الوقت، صرت أُدخِل بعض المصطلحات التي تزدهر في وسائل التواصل، مثل الوسومات (hashtags) في بعض جُملي وشروحاتي، ومن ردّات فعلهم المرحّبة والمهلّلة، عرفتُ أنّهم كانوا جميعاً هناك.. نعم، لقد كان الطلّاب كلّهم في العالم الإلكترونيّ وأستاذهم ما زال يقارنهم بجيل الثمانينات.

بما أنّ الإنترنت سلاحٌ ذو حدّين، قررت أن أساعدهم باستخدام الحدّ المفيد، فناديت طلّابي: أنا قادمٌ إليكم.. قمتُ بإضافة الجميع على حسابي الفايسبوكي، وصرتُ أحرص على التعليق قدر الإمكان على سلوكهم في العالم الافتراضيّ.

تغيّر جوّ الصفّ، وشعرتُ بارتياحٍ بين الطلّاب ذاتهم، كما ارتحتُ بدوري من الصراخ، واللوم، والمحاضرات الطويلة..

طالبٌ آخر قالت لي أمّه إنّه مدمنٌ على لعبة الـ( Pubg)، سألته ذات مرّة: كيف تأتي إلى المدرسة كلّ صباح؟ هل تلقي بك المروحيّة؟ فضجّ الصفّ بالضحك، ثمّ توجّهت إليه وقرصته في خدّه: أنت حقيقي أم افتراضي؟ فضحك الجميع أكثر من المرّة الأولى، وتابعت هجمتي عليه سائلاً: بربّك كيف يمكن قتل جنديّ بمقلاة البيض؟ هنا اجتاحت هيستيريا الضحك الصفّ كلّه من جديد. استغرق وقت المزاح دقيقتين في بداية الحصّة، عدنا بعدها إلى الدرس، بنشاطٍ وسرور.

مع الوقت، ومن خلال تمريرات صغيرة عرفت أنّ بعض التلاميذ يشاهدون البرامج التلفزيونيّة الهابطة، فخضت معهم نقاشات كانت تطول على حساب مادّة التدريس، لكنّي أعمل في مؤسّسة تدعو إلى التربية قبل التعليم، فلم أتأخّر عن التسديد والتوجيه متّى احتاج الأمر إلى ذلك.

رُفعت الحواجز التي كانت تحول بيني وبين طلّابي، وصرنا نتكلّم في كلّ شيء، حتّى في قصّات شعرهم التي لم أتوقّف عن المزاح حولها، بتشبيهها بالطنجرة أحياناً أو نبتة الفطر. ثمّ إنّي بصراحة، عرفتُ أنّ قصّة الشعر يمكن تغييرها بدقيقتين، فالأجيال كلّها عاشت صرعتها، ولكن المهمّ هو ما يؤمنون به، ويرسخ في عقولهم، وهذا ما عملتُ على تدعيمه وبنائه بشكلٍ صحيح..

•سرّ المواجهة
حركاتٌ بسيطةٌ حوّلتني من المواجهة معهم إلى الحضور في الخندق ذاته. ببساطة شديدةٍ، لم تعد الأساليب القديمة لتنفع مع جيلٍ دخل العالم كلّه إلى غرفته، من خلال شاشة ذكيّة جاذبة.. وبالرغم من سلبيّات الإنترنت الكثيرة، ساعدتني وسائل التواصل على اكتشاف مواهبَ كبيرةٍ بين طلابي، وأيقنتُ -على الرغم من أنّهم ليسوا الأكثر تفوّقاً من أسلافهم- أنّهم سيكونون بخيرٍ وبانتظارهم مستقبلٌ زاهرٌ، وأيقنت أيضاً أنّهم الأروع والأجمل، فقط عندما قرّرتُ أن أجاريهم وأمازحهم.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع