الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

المشروع والممنوع من العوذات والأحراز

مقابلة مع السيد محمد حسن ترحيني

حوار: عدي الموسوي


الرُقى، الحجب، العوذات والطلاسم مفردات مترسّخة ضمن ممارسات حياتنا اليوميّة، سواء عند الملتزمين دينياً أو غير الملتزمين، بل إن بعض الناس بات يتعاطى معها وكأنّها وصفات سحرية، تحدث تأثيرها الفعّال بسرعة. 

عن هذا الموضوع، قصدنا سماحة العلامة السيد محمّد حسن ترحيني، حاملين معنا العديد من الأسئلة، فكان هذا اللقاء الذي استهلّه ضيفنا بمقدمة للتعريف بهذه المفردات من حيث المعنى والدلالة والوظيفة. الرقية وتستعمل لجلب المنفعة، أمّا العوذة فتستعمل لدفع الشر، وقد يطلق أحدهما (العوذة أو الرقية) ويُراد به الأعم. فهما لفظان إذا افترقا اجتمعا في الدلالة بمعنى أن كلاً منهما تدلُّ منفردةً على المعنيين معاً.  العوذ لغةً هو الالتجاء والاعتصام. وقد ورد في القرآن ما يشتق من هذا المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق (الفلق: 1). أمّا فيما يتعلّق بالرقية، فلم يرد في القرآن ما يشتق من الرُقى.  ولم يرد في القرآن ما يدل على الأحراز أو الطلاسم أو التمائم أو الحُجب. إلاّ أن الحرز وجمعه أحراز، معناه ما يُتحصّن به كالعوذة. إلاّ أن العوذة تكون مقروءة من الشخص نفسه أو غيره عليه، أمّا الحرز فغالباً ما يكون مكتوباً ويُحمل. أمّا التمائم ومفردها تميمة فهي ما يعلّق من كتب وفيها قول الشاعر:

وإذا المنيّة أنشبت أظفارَها

ألفيتَ كلَّ تميمةٍ لا تنفعُ


أمّا الحجب فهي جمع حجاب، وهو شيء يُتحصّن به من شرّ الآخرين. وأخيراً هناك الطلاسم ومفردها الطلسم، فهو معكوس لفظ مسلّط، ووظيفته جلب الشر على الآخرين، ويكون على شكل خطوط وأعداد تُكتب بزعمهم تبعاً للأوضاع الفلكيّة، وهذا الادعاء مبني على نظرية قديمة تقول: إن الكواكب فيها العقول العشرة، وهي تؤثّر في أرواح بني البشر.

• التوسل من لوازم التديّن
- من حيث الدلالة نلاحظ أن الحجاب والحرز والتميمة تدل على معنى واحد، ولكن في مفردات الثقافة الإسلاميّة والقرآنية لم تُذكر إلاّ العوذ، فكيف تسللت هذه التسميات إلى الثقافة الإسلامية؟ هذه التسميات هي جزء من الفكر الديني للبشرية، فهذه الأمور في حقيقتها قائمة على التوسّل. والتوسّل والاعتصام بالإله من لوازم الإيمان به والإقرار له بالعبودية. لذلك نلاحظ أنّه أمر عام في كل الشعوب وفي كل العصور، وهو يدل على أنّه من لوازم التديّن في مختلف الأزمنة والعصور والديانات، وهي أمور نشأت منذ أيّام سيّدنا آدم عليه السلام، ومن جاء من بعده من الأنبياء عليهم السلام الذين كان لكل واحد منهم توسّله الخاص به، أي أنّهم ألقوا على أنفسهم عوذات. نعم، كما طرأ على مختلف تفاصيل الأديان تحريفات وتبديلات، طرأ على العوذ والتوسلات التحريف والتبديل.

• جزءٌ من التوحيد
- بعد هذه المقدمة، هناك تساؤل يطرح نفسه: ماذا نُقل عن أهل بيت النبوّة والإمامة عليهم السلام في هذا المجال، من حيث مشروعيتها وانسجامها مع أحكام الإيمان والتعاليم الدينيّة؟ يمكننا أن ننطلق في هذا الموضوع من خلال توضيح: هل هذه الأمور هي من الشرك بمعنى التوسّل بغير الذات الإلهيّة، أو أنها جزء من التوحيد على اعتبار أنّها توسّل بأمر محبوب عند الله، وهو وسيلة إلى الله بحسب قوله تعالى:  ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ (المائدة: 106) فإذا أردنا التفصيل في الحكم الشرعي فإن كل العوذ والرقى والأحراز والحُجُب يجب أن تكون قائمة إمّا على:

1ـ التوسّل والدعاء بأسماء الله الحسنى.
2ـ أو التوسّل والدعاء بكلام الله في القرآن الكريم، كما في آية الكرسي أو في المعوذتين.
3ـ أو كل ما هو محبوب عند الله؛ كالتوسّل بالملائكة والأنبياء والمعصومين عليهم السلام.
4ـ أو ما ورد عن آل النبوّة والبيت عليهم السلام من أذكار، وهي بواقعها توسّلات وأدعية، تتضمّن تمجيد الله وذكره وحمده وتسبيحه، مع تضرّعات عبوديّة وتمسّك بجلالته سبحانه، كما ورد فيما يكتب على الحديد الصيني وهو (أعوذ بجلال الله، وبكلمات الله، أعوذ برسول الله).

• ما حُرّم استخدامه وكتابته
ولذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه نهى عن الرقى بغير كتاب الله عزّ وجلّ، وما لا يُعرف ذكره بمعنى أن تكون مجهولة المعنى. فلا يتوسّل المؤمن بالله إلاّ بما هو معروف. وهذا الخبر عن الإمام الكاظم عليه السلام، حيث قال: "لا بأس إذا استرقى بما يعرفه"(1). ولكن مما نُهي عن استخدامه لعدم مطابقته للضوابط الشرعية، أنواع، منها: أحراز الأعداد، وهي أحراز تتضمن كتابة أعداد في تسع فقرات، وفي تسعة مربعات، وكتابة الأعداد كيفما جمعتها فالناتج يكون 9. وهناك أيضاً الأوساق، وهي عبارة عن خطوط ونقاط مع أعداد، تكتب تبعاً للأوضاع الفلكية، وغالباً ما تشكّل على شكل رايات الحرب. وهناك أيضاً الهياكل وهي تكتب على الرقع والأوراق، حيث تخط أعداداً وحروفاً على غير هدى أو ترتيب، مبنية على أسماء مجهولة المعاني، ويراعى فيها الأوضاع الفلكية، بزعم أن هذه الأوضاع مؤثّرة في حياة الإنسان، وهو من الشرك الواضح. لأنّه يشكك في مفهوم مدبّرية الخالق سبحانه، وهو يندرج ضمن الشرك الأفعالي. مثلاً ورد في كتاب مرآة الكمال للمامقاني خبر يقول: "يكتب في رق غزال هذه الأحرف: سلمحلس وه به له أبيه" فما هو معنى هذه الكلمات؟ لا معنى لها، لذا وجب ردّها لتنافيها مع الشروط الواردة في الرُقى والعوذات من أهل بيت النبوّة والعصمة، وفي هذا يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إن كثيراً من التمائم شرك"(2). ووجه الجمع بين ما ورد في هذه الأخبار هو ما ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"(3). وذلك كي يمّيز بين ما هو مشروع فيأمرهم به وبين ما هو غير مشروع فينهاهم عنه، وخصوصاً أنّ العرب كانوا قد عرفوا قبل الإسلام الكثير من التمائم والأحراز. ويضاف إلى هذا قول الإمام علي عليه السلام: "علّقوا ما شئتم إذا كان فيه ذكر الله"(4).

• لا تدفع القضاء المحتوم
- نلاحظ في بعض الرقى والعوذات أن فيها نوعاً من التخصص والوظيفة المحددة، فهناك ما يطيل العمر أو يجلب الرزق أو يرزق الولد، كما أن من يستخدمها يفعل هذا وكأن لها تأثيراً سحرياً، فهل هي حتمية التأثير؟ يجب التنبيه بداية إلى أنها كلّها لا تدفع القضاء المبرم المحتوم، بل هي تدفع القدر قبل حلول شرائطه، وقبل استيفاء موانعه. ولتوضيح ذلك نقول: يوجد أمران في القضاء والقدر ولوح المحو والإثبات انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب (الرعد: 39). فاللوح المحفوظ هو ما كتبه الله لمخلوقاته ولا مجال لتغييره؛ لأنه مبرم ومحتوم الوقوع، ووقوعه ليس معلّقاً على أمر ما، في حين أنّ ما يكتبه الله في كتاب المحو والإثبات يكون وقوعه معلّقاً بشرط، مثلاً سيموت فلان إذا صدمته سيّارة، أو معلّقاً بارتفاع مانع، مثلاً ما دام فلان غير بارّ بوالديه سيبتر عمره عند الثلاثين، فمقدّر له أن يعيش ثمانين سنة، لكن ذلك معلّق بارتفاع عقوقه لوالديه. من هنا، كانت أعمال البرّ كالصدقة، وصلة الأرحام والدعاء من الأمور التي تغيّر ما في لوح المحو والإثبات. وحيث إن الأدعية من أعمال البرّ تلك، والعوذ والرُقى هي في حقيقتها أدعية، فهي يمكن أن تبدّل أموراً فيما لو تعلّقت بما في لوح المحو والإثبات، وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عن هذا فقيل له: "رُقىً نستشفي بها، هل تردُّ قدراً من الله؟ فقال صلى الله عليه وآله: إنّها من قدر الله"(5).

• اليقين بتأثير الأحراز والأدعية
- من خلال ما تقدّم، هل يعني هذا أنّه يمكن لأي إنسان أن يعمل رقية أو عوذة معيّنة، مستهدياً بالشروط التي ذكرتها، ومستلهماً كلامها من القرآن الكريم والأدعية المأثورة؟ هذا صحيح، ولذلك نلاحظ أنّ الكفعمي في كتابه (مصباح المتهجّد) قد أورد قسماً من الأحراز لم ترد في مصادر الشيعة، ولكنّها عبارة عن جمع للآيات القرآنية الواردة في مختلف المواضيع، مثلاً في أحراز الشفاء، هناك تجميع لكل ما ورد في القرآن الكريم من لفظ الشفاء، وهكذا. وهنا تجدر الإشارة إلى مسألة مهمة، وهي أن الاستعانة بهذه الأحراز والأدعية يجب أن تكون مبنيّة على اليقين بها وبتأثيرها، وأن ذلك ليس ببعيد على قدرة الله سبحانه وتعالى. وعلمياً أيضاً لا يمكن الحسم بأن الشفاء مبني على أسباب ماديّة فحسب. وأيضاً علينا ألاّ ننسى الكرامات التي تُمثّل تدخّلاً إلهياً لإنقاذ العباد المؤمنين.

• لكلٍّ وجهةٌ هو موَلّيها
- برغم هذا، فإننا نلاحظ أن كثيراً من الطلاسم والعوذات ذات الأرقام والأشكال الهندسيّة والكلمات المبهمة، وردت منسوبة لأهل البيت عليهم السلام، وفي مصادر متنوّعة. بالرجوع إلى الضوابط المذكورة سابقاً، فكل ما ورد وخالفها فلا قيمة في نسبته لأهل البيت والعصمة عليهم السلام، أمّا إذا طابقها فلا داعي للبحث في سندها لإثبات صحّتها، حتى لو كان سندها مرسلاً على اعتبار أنّها أمر مستحب لا واجب. لكن، أود أن أغتنم الفرصة لأشير إلى أمر مهم وهو: إن التركيز على الأحراز والتمائم والرُقى ليس في محلّه، فيجب أن نوسّع نظرنا إلى أن المولى جلّ وعلا في دنيا المستحبّات، ذكر لنا من الصلوات والأدعية والأذكار ما يفوق قدرة المرء على الإتيان به، حتى لو تفرّغ لأدائها طوال ساعات الليل والنهار. وهذا يدلّل على أن المولى لا يريد هذه الأمور كلّها، بل جعلها لنا كبستان متنوّع الأشجار والثمار، يدخله المرء ويختار منه ما تتعلق به نفسه وتميل إليه، وفي ذلك يقول الباري تعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيهَا فاستَبِقُوا الخيراتِ (البقرة: 148). وكذلك الأمر في العوذ والأحراز والرُقى والحجب، ليس عليه قراءتها أو حملها كلّها. نعم، يقرأ ويحمل ما تميل إليه نفسه وتتعلّق به. أمّا الأمر المهم الثاني فهو أن النتائج التي نتوخاها من الأحراز يمكن تحصيلها عبر قراءة بعض سور القرآن الكريم وآياته، والتختّم ببعض الحجارة الكريمة، أو اتخاذ التربة الحسينيّة، أو التوسّل بالنبي الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، بل حتى الحج المندوب والصدقة وغيرها. لذا فالاقتصار على الرقى وتوابعها ليس في محلّه.

- نختم لقاءنا بالسؤال عمّا يُعرف بمجرّبات الإماميّة، ما مدى وضوح السند الشرعي لهذا الموضوع؟
مجرّبات الإماميّة هي في أغلبها أعمال وأدعية ومستحبّات وردت من خلال رؤى ومنامات ومقتبسات وآيات من القرآن الكريم، عمل بها من رَأَوها وحدّثوا عنها ودوّنوها، فليس لها مستند شرعي معتبر.


1.وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 6، ص 239.
2.م. ن، ج 4، ص 878.
3.كنز العمال، المتقي الهندي، ج 10، ص 58.
4.بحار الأنوار، المجلسي، ج 91، ص 192.
5.وسائل الشيعة، م. س، ج 2، ص 425.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع