الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

تربية: ولـــدي دائماً يقول: لا

تحقيق: زهراء عودي شكر



تنتاب الحيرة السيدة نسرين في كيفية التعاطي مع وحيدها نادر الذي يشوب هدوءه النسبيّ وخفّة دمه عناد يتزايد يوماً بعد يوم، ويجلب لها تصرفه الذي يقوده إلى الخطأ والأذى القلق والخوف الدائم عليه، خصوصاً وأنها رزقت به بعد طول سنين. وتتساءل: "ماذا أفعل مع طفلي الحبيب العنيد، الذي لا يعجبه العجب، والذي يحبُّ أن يكون مختلفاً ومخالفاً لمن حوله؟".

شكوى السيدة نسرين تتقاطع معها شكاوى العديد من الأمهات والآباء، الذين يرددون على مسامع أبنائهم "عنيد، عنيدة"، في أكثر من مناسبة، ويتبادلون في لقاءاتهم أطراف الحديث عن المواقف العنادية التي يتعرضون لها مع أطفالهم، الذين يخلقون بإصرارهم على آرائهم، وبرفضهم الانصياع لمطالب وتربية آبائهم جوّاً من التوتّر والنكد داخل المنزل وأحياناً خارجه.


• لا تفعل إلا ما تريد
تبدأ الطفلة زينب مشوار عنادها لوالدتها منذ الصباح الباكر، فلا يروقها أن تشرب الحليب قبل ذهابها إلى المدرسة، كما أنها ترفض وبإلحاح أن ترتدي معطفها رغم شدة برودة الطقس خارجاً. وتحكي والدتها قصصاً تبدأ ولا تنتهي عن عنادها: "لا أدري من أين ورثت هذا العناد كلّه، فهي لا تفعل إلا ما تريد ولا تنفّذ ما أطلبه منها ولا بأي شكل، لا الّلين نفع معها ولا الشدة". وتعتبر السيدة أميرة عناد ولدها لا مثيل له، إذ يعكسه عن طريق الارتماء والتمرغ على الأرض، وتقول إنه يفعل ذلك بشكل خاص في السوق، أمام محلات الحلوى والألعاب، "لإجباري على تلبية طلباته، مسبباً لي الإحراج، وربما يشفق عليه بعض من يراه معتقداً أنه محرومٌ من الألعاب أو الحلوى".

هذا وتقابل الحاجة أم نادر عناد ابنتها مريم بالتهديد والضرب أحياناً، وبالحرمان من المصروف أحياناً أخرى، وتعتبر أن هذا هو علاج عناد ابنتها. فيما تتنفَّس الحاجة خديجة الصعداء عندما تتحدّث عن ابنتها، التي أصبحت "وبقدرة قادر فتاة هادئة وعاقلة عندما بلغت الثالثة عشرة من عمرها، لقد كانت تنفذ ما تصمم عليه دون مبالاة بأحد وكنا نوبّخها تارة ونتراخى معها تارة أخرى، وشيئاً فشيئاً ومن دون أي ضغط تخلَّت عن عنادها وأنا أعتبرها اليوم ساعدي الأيمن فهي تعينني، وإذا لم يعجبها موضوع معيّن نتناقش فيه حتى تُقنِع أو تقتنع".

• ماهية العناد وبدايته
يعرّف المختصّ في علم النفس التربوي، الدكتور السيد محمد رضا فضل الله ظاهرة العناد بأنها "حالة انفعاليّة تُعكَس بسلوك لفظيّ أو حركيّ, وتعبّر عن رفض الطفل للإرشادات الموجهة إليه إما توكيداً للذات، أو تعبيراً عن ضيقٍ أو ثأر". وفيما لا تظهر على الطفل قبل عمر السنتين السّلوكيّات العنادية بشكل واضح، فيما عدا بعض الممانعة، لأنّه لا يملك الاستقلالية الكافية إذ يعتمد على والديه بشكل كبير جداً، يؤكّد الدكتور فضل الله أنها تبدأ مع الطفل من بعد عمر الثانية فـ"العلماء يعتبرونها أمراً طبيعياً في مرحلة الطفولة المبكرة (ما بين الثانية والرابعة)، فالطفل يريد أن يؤكد تمايزه عن الآخرين فيلجأ إلى رفض ما يطلب منه، ليقول لهم ضمناً أنا غير أنتم، ورأيي يختلف عن رأيكم".

والجدير بالذكر أن درجة العناد تختلف من طفل لآخر تبعاً لشخصيّة الطفل، وحسب ظروف ومواقف معيّنة، فقد يبدو في البيت أكثر عناداً منه في المدرسة والعكس صحيح، وأحياناً يكون الطفل واعياً ومدركاً لسلوكه العنادي ولكنه يفعل ذلك لتحقيق رغبة أو هدف ما، وحالما يحقق ما يريد يتخلّى عن عناده.

• أسباب العناد
يقول علماء التربية: "كثيراً ما يكون الآباء والأمهات هم السبب في تأصيل العناد لدى الأطفال، فالطفل يولد لا يعرف شيئاً عن العناد، والأم تعامل أطفالها بحب وتتصور أن من التربية عدم تحقيق كل طلبات الطفل، في حين أن الطفل يصرّ عليها، فيتربى حينها على العناد".
ويعتبر الدكتور محمد رضا فضل الله أن "الإحاطة بالأسباب التي تجعل الطفل مولعاً بالعناد أمر عسير، لأنه يختلف من طفل إلى آخر بفعل المؤثرات الوراثية والبيئية والمزاجية, التي تنطلق كلها من إرادة تأكيد الذّات بطريقة أو بأخرى"، إلا أنه وكما يقول الحكماء "معرفة الداء نصف الدواء"، وهكذا من الضروري أن يعرف الوالدان أسباب هذا السلوك عند أطفالهما، لكي يتمكنا من السيطرة عليه، بحلّ ٍيشبع حاجاتهم ويقوّم سلوكهم، وتتلخّص هذه الأسباب بالآتي، كما يقول د. فضل الله:
1ـ أوامر الكبار التي قد تكون في بعض الأحيان غير مناسبة للواقع، تدفع الطفل إلى العناد كردَّ فعل على القمع الأبوي الذي يرغمه على شيء, كأن تصرّ الأم على أن يرتدي الطفل معطفاً ثقيلاً يعرقل حركته في أثناء اللعب، وربما يسبّب عدم فوزه في السباق مع أصدقائه، أو أن يكون لونه مخالفاً للون الزيِّ المدرسي.
2ـ تشبّه الطفل بالكبار إذ قد يلجأ إلى التصميم والإصرار على رأيه متشبهاً بأبيه أو أمه، عندما يصممان على أن ينفذ الطفل أمراً ما، دون إقناعه بجدواه.
3ـ تدخّل الآباء في أمور أطفالهم بصفة مستمرة والتواصل معهم بلهجة جافة، تأخذ بيدهم نحو العناد، حتى ولو قيّدت حركتهم، ومنعوا من مزاولة ما يرغبون به.
4ـ قد يظهر العناد كردَّ فعل من الطفل ضد الاتكالية الزائدة على الأم، أو على المربية أو الخادمة.
5ـ الاستهزاء بالطفل من قبل أحد أفراد الأسرة أو الأصحاب، وتوجيه النصح له أمام الآخرين.
6ـ الحرمان كما العطف الزائد عن الحاجة وترك الأطفال دون رعاية بيد الخادمات، والمشاكل العائلية كالطلاق مثلاً، كلها أشياء تؤدي للعناد والتمرد.
7ـ تلبية مطالب ورغبات الطفل تدعم سلوك العناد لديه، فيصبح أحد الأساليب التي تمكِّنه من تحقيق أغراضه ورغباته.
إلى ذلك قد يكون سبب العناد مرتبطاً بنفسية الطفل، فالاضطرابات العصبية مثلاً قد تسبب ظهور هذه الصفة.

• أشكال العناد

يتخذ العناد والتمرد أشكالاً مختلفة، "تتنوع حسب أنماط التربية التي خضع لها الولد، فالطفل ما قبل الرابعة يعبّر باستجابات تمرّد حركية تظهر بالرفض، والبكاء والصراخ، والتخريب والعدوان. ومع تقدّمه في العمر يتّخذ العناد شكل احتجاجات كلامية بنسبة 40 % مع ما يرافق ذلك من حركات تتسم بالعنف والتمرّد والعصيان"، ويشرح الدكتور محمد رضا أن علماء النفس حصروا العناد بالأشكال التالية:

1ـ عناد التصميم والإرادة
هذا النوع من العناد يجب أن يُشجَّع ويُدعَّم، لأنه نوع من التصميم، فقد نرى الطفل، مثلاً، يُصرّ على محاولة إصلاح لعبة.

2ـ العناد المفتقد للوعي
وهو يكون بتصميم الطفل على تنفيذ رغبته من دون النظر إلى العواقب المترتبة على ذلك. وهذا عناد أرعن, كأن يصرّ الطفل على استكمال مشاهدة فيلم تلفازي بالرغم من محاولة إقناع أمه له بالنوم حتى يتمكن من الاستيقاظ صباحاً للذهاب إلى المدرسة.

3ـ عناد مع النفس
إذ يحاول الطفل أن يعاند نفسه ويعذبها، كأن يغتاظ من أمه، فيرفض الطعام وهو جائع، برغم محاولات أمه وطلبها إليه تناول الطعام.

4ـ عناد اضطراب السلوك
يرغب الطفل في المعاكسة والمشاكسة ومعارضة الآخرين، ويعتاد العناد وسيلةً وصفة ثابتة في الشخصية, وهنا يحتاج إلى استشارة من متخصص.

5ـ عناد فسيولوجي
في بعض الإصابات العضوية للدماغ مثل أنواع التخلف العقلي، يمكن أن يظهر الطفل بمظهر المعاند السلبي. ويلفت الدكتور محمد رضا إلى وجود فئة من الأطفال "لا يعبّرون ظاهرياً عن غضبهم وعنادهم، بل يكبتونه إمّا خجلاً أو خوفاً من العقاب، وهذا أمر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار لأن التعبير عن الانفعال بحدود مقبولة يخفّف من حالة الضيق والاحتقان الداخلي، ويضفي نوعاً من الهدوء والراحة".

• بالحبِّ والإقناع تقهر العناد
لا شك أن معاملة الطفل العنيد ليست بالأمر السهل، فهي تتطلب الحكمة والصبر، وعدم اليأس أو الاستسلام للأمر الواقع، من الوالدين اللذين لا بدَّ أن يدركا أن معالجة الأمر يجب أن تبدأ منذ الصغر حتى لا تكبر مع الطفل صفة العناد، فيصعب بذلك العلاج والتقويم النفسي. والمعالجة هي بيد الأهل والمربين، وتكمن في مراعاة عدّة نقاط عند التعامل مع الطفل العنيد، منها:
1ـ البعد عن إرغام الطفل على الطاعة العمياء، وتنمية تبادل الآراء بين الأطفال حتى يشعر الطفل بالقيادة حيناً والتبعية حيناً آخر.
2ـ عدم الإفراط في تدليل الطفل، فعلى الوالدين أن يتمتَعوا بالوسطيّة والتوازن في الاستجابة لطلباته.
3ـ عدم وصفه بالعنيد على مسمع منه أو مقارنته بآخرين، وعدم نقده أو جرح مشاعره أمام الآخرين.
4ـ مدح الطفل عندما يظهر بادرة حسنة، وإعطاؤه حافزاً في حالة نجاحه وتطوره.
5ـ التحدّث مع الطفل بصوت هادئ خال من التسلّط، ومشاركته ومصادقته، واللعب معه، والإجابة عن أسئلته، وقراءة القصص له. وتعتبر هذه أحسن وسيلة للتربية.
6ـ العقاب عند وقوع العناد مباشرة، بشرط معرفة نوع العقاب الذي يجدي مع هذا الطفل بالذات، لأن نوع العقاب يختلف في تأثيره من طفل إلى آخر, ولكن لا تستخدموا أسلوب الضرب والشتم؛ فإنه لن يجدي، وسيُشعره بالمهانة.
وأخيراً، "العناد ظاهرة إيجابية يجب أن نتعامل معها بحكمة وحذر".

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع