الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

أخلاقنا: لا مُعين سواه(*)

العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي قدس سره



يا إخواني! ما الحياة الدنيا إلّا لعب ولهو، وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان، ولا وظيفة للإنسان في حياته -إن كان إنساناً- إلّا التجهّز للأخرى، وسلوك سبيل القربى، فليس عليه إلّا سمة العبوديّة، ورسم الرقيّة والمذلّة، ولا حجاب بينه وبين ربّه، ولا مناص من المثول بين يديه.

•ساحة الكبرياء والعظمة
على الإنسان أن يقف موقف المسكنة، وينصب من نفسه شاخص العبوديّة، ويقيم وجهه لربّ العزّة، ويستقبل ساحة الكبرياء والعظمة، ويتقرّب إليه بأسمائه الحسنى، وصفاته، ووسائل الدعاء، ويتوسّل إليه بالمراقبة في مختلف الليالي والأيّام، والشهور والأعوام، ويتعرّض لنفحات أنسه، ونسائم قدسه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها، ولا تعرضوا عنها"(1). فهذه -لعمري- هي سيرة السابقين المقرّبين، من رفقة هذا الطريق، طريق العبوديّة، أعني محمّداً وآله الطاهرين، وسائر الأنبياء والصدّيقين، والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقاً(2).

•اعرفوا الله
إنّ البلاغ المعنويّ للشيعة الموجّه إلى الناس كافّة، لا يزيد على جملة وهي: "اعرفوا الله"، وبتعبير آخر: "اسلكوا طريق معرفة الله كي تسعدوا وتفلحوا". وهذه هي العبارة التي قالها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في بداية دعوته: "قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا"(3). وكي يتّضح هذا البلاغ، نقول مجملاً: نحن البشر -بحسب الطبع- نهوى الكثير من مناحي الحياة، ولذائذها الماديّة، كالأكل، والشرب، والألبسة الفاخرة، والقصور والمناظر الخلّابة، والزوجات الحسناوات، والأصدقاء المخلصين، والثروات الطائلة، إمّا عن طريق القدرة، والسياسة، والمقام، واتّساع السلطة والحكومة، أو القضاء على كلّ ما يخالف مأربنا الذي نطمح إلى الوصول إليه. ولكنّنا ندرك جيّداً، مع ما أوتينا من فطرة إلهيّة، أنّ هذه الأمور واللذائذ كلّها خُلقت لأجل الإنسان، لا الإنسان خُلق لها، ويجب أن تكون هذه في طلب الإنسان، لا الإنسان يسعى في طلبها، وإذا ما كان الهدف الغائيّ هو الغريزة والشهوات، فهذا هو منطق الحيوانات والأنعام، وما القتل، والفتك، والإطاحة بسعادة الآخرين إلّا منطق الذئاب، وأمّا منطق الإنسان فيبتني على العقل والعلم فحسب.

•منطق العقل
إنّ منطق العقل، والالتفات إلى واقعنا، يدعوانا إلى اتّباع الحقّ، لا اتّباع هوى النفس. وإنّ أنواع الشهوات، وحبّ الذات، والأنانيّة، تعتبر حسب منطق العقل الإنسانيّ جزءاً من عالم الطبيعة، وليس لها أيّ استقلال، وعلى خلاف ما يتصوّره الإنسان من أنّه هو الحاكم للطبيعة والكون، ويظنّ أنّ الطبيعة الطاغية يجب أن تكون أداة طيّعة له. إنّ منطق العقل يدعو الإنسان إلى التفكّر والتعمّق في هذه الحياة الغابرة، كي يتّضح أنّ الوجود وما فيه لم يكن ليوجد من تلقاء نفسه، بل إنّ الكون وما فيه يستلهم وجوده من منبع ومصدر غير متناه.

•معرفة الله بصيرة للإنسان
إنّ الله جلَّ وعلا هو الواقعيّة التي لا تزول، وكلّ ما في الوجود يستمدّ وجوده منه، ولولا وجود الله لما ظهرت هي إلى الوجود.

وعندما يتسلّح الإنسان بهذه المعرفة، عندئذٍ لا يشاهد وجوده أكثر من فُقاعة، فيرى ببصيرته أنّ العالم والعالمين، يرتكزون على وجود غير محدود، وغير متناه من حيث الحياة، والقدرة، والعلم، والكمال المطلق، وما ظهور الإنسان وسائر ظواهر العالم إلّا نوافذ شتّى، وكلّ حسب إمكاناته يدلّ على العالم الأخرويّ وما وراء الطبيعة. وعندها، يفقد الإنسان كلّ أصالة واستقلال لنفسه، وكذا كلّ كائن، ويردّها إلى صاحبها الأصليّ والأصيل، ويتصل القلب بالله الأحد، ولا يستسلم لشيء سوى لعظمة الله تعالى وكبريائه. عندئذٍ، يستقرّ الإنسان تحت قدرة الله الخالق وهيمنته، ويتّصف بالأخلاق الفاضلة والأعمال الحسنة (الإسلام، والتسليم للحقّ الذي هو الفطرة) برعاية الله وعنايته(4).

•الاستعانة بالله في الأحوال كلّها
في عدّة الداعي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر: "يا أبا ذرّ، ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله عزّ وجلّ بهنّ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال لي صلى الله عليه وآله وسلم: احفظ الله يحفظك الله، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله.."(5).

أقول: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة"، يعني: ادع الله في الرخاء، ولا تنسه، حتّى يستجيب دعاءك في الشدّة ولا ينساك، وذلك أنّ من نسي ربّه في الرخاء فقد أذعن باستقلال الأسباب في الرخاء، ثمّ إذا دعا ربّه في الشدّة، كان معنى عمله أنّه يذعن بالربوبيّة في حال الشدّة وعلى تقديرها، وليس تعالى على هذه الصفة، بل هو ربّ في كلّ حال وعلى جميع التقادير. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"، إرشاد إلى التعلّق بالله في السؤال والاستعانة بحسب الحقيقة. إنّ هذه الأسباب العاديّة التي بين أيدينا، إنّما سببيّتها محدودة على ما قدّر الله لها من الحدّ، لا على ما يتراءى من استقلالها في التأثير، بل ليس لها إلّا الطريقيّة والوساطة في الإيصال، والأمر بيد الله تعالى.

•لا ملجأ إلّا الله
إذاً، الواجب على العبد أن يتوجّه في حوائجه إلى جناب العزّة وباب الكبرياء، ولا يركن إلى سبب بعد سبب، وإن كان أبى الله أن يجري الأمور إلّا بأسبابها. وهذه دعوة إلى عدم الاعتماد على الأسباب إلّا بالله. والداعي يريد ما يسأله بالقلب، ويسأل ما يريده باللسان، ويستعين على ذلك بأركان وجوده، وكلّ ذلك أسباب. واعتبر ذلك بالإنسان حيث يفعل ما يفعل بأدواته البدنيّة، فيعطي ما يعطي بيده، ويرى ما يرى ببصره، ويسمع ما يسمع بأذنه، فمن يسأل ربّه بإلغاء الأسباب كان كمن سأل الإنسان أن يناوله شيئاً من غير يد، أو ينظر إليه من غير عين، أو يستمع من غير أذن. ومن ركن إلى سبب من دون الله سبحانه وتعالى كان كمن تعلّق قلبه بيد الإنسان في إعطائه، أو بعينه في نظرها، أو بأذنه في سمعها، وهو غافل معرض عن الإنسان الفاعل بذلك في الحقيقة، فهو غافل مغفل، وليس ذلك تقييداً للقدرة الإلهيّة غير المتناهية، ولا سلباً للاختيار الواجبيّ، كما أنّ الانحصار الذي ذكرناه في الإنسان لا يوجب سلب القدرة والاختيار عنه، لكون التحديد راجعاً بالحقيقة إلى الفعل لا إلى الفاعل، إذ من الضروريّ أنّ الإنسان قادر على المناولة والرؤية والسمع، لكنّ المناولة لا تكون إلّا باليد، والرؤية والسمع هما اللذان يكونان بالعين والأذن لا مطلقاً، كذلك الواجب تعالى قادر على الإطلاق غير أنّ خصوصيّة الفعل تتوقف على توسُّط الأسباب، فزيد مثلاً، وهو فعل لله، هو الإنسان الذي ولده فلان وفلانة في زمان كذا ومكان كذا، وعند وجود شرائط كذا وارتفاع موانع كذا، فلو تخلّف واحد من هذه العلل والشرائط لم يكن هو هو، فهو في إيجاده يتوقّف على تحقُّق جميعها، والمتوقِّف هو الفعل دون الفاعل، فافهم ذلك(6).


1.نقله العلّامة المجلسي في بحار الأنوار، ج68، ص221، بدون قوله: "ولا تعرضوا عنها".
2.من مقدمة للعلّامة قدس سره على كتاب المراقبات للتبريزي قدس سره .
3.بحار الأنوار، المجلسي، ج16، ص202.
4.الشيعة في الإسلام، الطباطبائي، ص201-202.
5.عدّة الداعي، الحلّي، ص121.
6.الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، ج2، ص39-41.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع