تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

مجتمع: العـرفـان: بين الأصيل والدخيل

تحقيق: نقاء شيت


العرفان، كلمةٌ لطالما تردّدت على مسامعنا في مجتمعنا الإسلاميّ، لكن التبست على كثير من الناس حقيقة تفسيرها لسببٍ أو لآخر. لهذا، كان لا بدَّ من معرفة معنى هذا المصطلح ومقارنته مع ما يشاع في المجتمع عنه، ومن ثمّ التوجّه إلى جهة مختصّة تجيب عن أسئلتنا..

•مفهوم الناس لكلمة "العرفان"
خلال جولة بين الناس، أفصح أغلبهم أنّه سمع بكلمة "العرفان"، ولكن تحديدهم لمعناها يختلف من شخص إلى آخر. فـ"أبو محمّد" (50 سنة) قال: "إنّ العرفان هو علم معرفة الله، والخلق، وأسرار الكون الذي يكون عبر اتّباع التعاليم الإسلاميّة الصحيحة والغوص في خبايا الدين"، مستشهداً بمن أُطلق عليهم اسم "عرفانيّون" كالإمام الخميني قدس سره والشيخ بهجت قدس سره .

أمّا مريم (20 سنة)، فقد ذكرت أنّها تسمع بهذا المصطلح، لكنّها لا تعرف عنه شيئاً، وتحبّ أن تفهمه بشكل صحيح. فيما بتول (24 سنة) تعتبر أنّه لكي يصل الفرد إلى هذه المرحلة، يجب أن تكون كلّ تصرّفاته خالصة لوجه الله تعالى، ونابعة من حبّ الله حتّى في ما يتعلّق بحاجات الفرد اليوميّة ورغباته؛ من أكل، وشرب، وعمل، ودراسة، وغير ذلك من الأمور. وتضيف: "إنّ الله يكشف الغيب للعارف، ولكن على درجات، بحسب تقدّمه وتطوّره في هذا السلوك".

في ما يخصّ علاقة العرفان بالتصوّف، يذكر حسين (30 سنة)، أنّ التصوّف، والذي يدلّ على الزهد في الدنيا، هو أحد صفات العرفاء، بينما يرفض آخرون هذه الفكرة باعتبار أنّ لكلّ مصطلح مساراً يختلف عن الآخر.

ولحوراء (طالبة في الحوزة العلميّة) تعريف آخر، فقد قالت: "إنّ العرفان هو (معرفة الله تعالى) عبر: معرفة العقيدة الإسلاميّة أوّلاً، ونهج أهل البيت عليهم السلام العمليّ ثانياً، ويجب أن تقترن هذه المعرفة بتطبيق عمليّ وسلوكيّ".

•ما هو العرفان؟
يوضّح فضيلة الشيخ أحمد جابر (أستاذ حوزويّ) أنّ العرفان هو معرفة الله بصفاته، وأسمائه، وأفعاله، لكن بطريقة خاصّة تعتمد السير والسلوك بتهذيب النفس وترويضها، وهذا ما يوصل "العارف" بالتالي إلى ما يُسمّى بالمعرفة "الشهوديّة".

•سلوك ظاهريّ وباطنيّ
إنّ علم العرفان ينقسم بطبيعته إلى قسمين: نظريّ وعمليّ. أمّا عن القواعد والضوابط التي على الشخص أن يتّبعها في سيره وسلوكه ليصل إلى مرحلة العرفان، فهي وجوب التزامه بأحكام الشريعة والدين، ظاهريّاً ومعنويّاً أيضاً، ويتحلّى بمعاني هذه الأحكام. وهذا ما يعبّر عنه بأعمال "الجوانح والجوارح" بحسب فضيلته. فمثلاً في الصلاة، يسمّى الخشوع، والحضور والالتفات إلى معاني الصلاة بأعمال الجوانح؛ بينما يسمّى القيام، والركوع، والسجود بأعمال الجوارح.

•كشف البصيرة لدى العارف
وعمّا يتمّ تداوله بين الناس من أنّ العارف يعلم الغيب أو ما شابه، يقول فضيلة الشيخ أحمد: "كلّما اتّبع المؤمن بسيره وسلوكه طريق الحقّ واقترب من الله تعالى، كلّما زاده الله درجات وكرامات، فتبدأ الحقائق بالانكشاف له، وهو ما يعبّر عنه بكشف البصيرة، ويتمّ ذلك على درجات". ولكن، ماذا عن كشف باطن الأشخاص للعرفانيّ؟ يقول فضيلته: "إنّ العارف قبلته وتوجّهه إلى الله تعالى. وعليه، ليس دوره كشف باطن الآخرين، وليس من شروط العرفان معرفة نوايا الآخرين، بل إنّ كلّ من يمشي في هذا الطريق وخلال مسيره نحو الله تعالى، يحصل على درجات وكرامات، قد يكون منها كشف البصيرة الذي قد يصل إلى حدّ اطّلاعه على شيء من أسرار الناس وليس كلّ شيء، ومن الممكن أن يتخطّاها لدرجات أعلى أو مختلفة. وإذا ما كُشِفَ له الباطن، لن يضرّ بذلك الشخص المقابل له؛ لأنّ العارف ليس غرضه التشهير بأحد، أو كشف عيوب الناس، بل سيكتفي بتجنّب شرّه أو محاولة مساعدته".

•هل يعتبر العرفان تصوُّفاً؟
حول هذه الإشكاليّة، يجيب فضيلة الشيخ أحمد جابر بالقول: "إنّ العرفان والتصوّف هما في الأصل الفكرة نفسها والمنحى الدينيّ نفسه. ولكن مع مرور الوقت، حدث بعض الانحراف في السلوك لدى بعض المتصوّفين، وبالتالي صار مفهوم التصوّف الآن عند كثير من الناس مغايراً كليّاً لما هو في حقيقته ومعناه الأصليّ. كما أنّه في بعض توجيهاته اتّخذ منحى مخالفاً للشريعة الإسلاميّة. وعليه؛ لا يمكن القول إنّ العرفان هو التصوّف الحاليّ، لكنّه بالطبع يشترك معه بمجاهدة النفس والعمل على القرب من الله تعالى بالفعل، والقلب، والمشاعر. وقد اختير للعرفان هذا المصطلح فيما بعد عندما أراد العلماء التحدّث عنه بشكل تفصيليّ أكثر، وجاء الاسم من كلمة (المعرفة) بصيغة المبالغة (عرفان)، أنّه ورد ذمّ (التصوّف) في بعض روايات أهل البيت عليهم السلام ".

•بين الحقيقيّ والمزيّف
يقول فضيلة الشيخ أحمد جابر: "إنّه من السهل التمييز بين العارف الحقّ والمخادع. فمن هو عرفانيّ حقّاً لا يُخبر الناس بذلك؛ لأنّ هدفه ليس الشهرة بين الناس، وإذا ما ساعد أحدهم لا يطلب بدلاً ماديّاً، بل كلّ أعماله خالصة لوجه الله تعالى، ولن يطلب من الشخص المقابل ما يغضب الله بحجّة المساعدة، كطلب معرفة بعض الأسرار الخاصّة عنه، خصوصاً في ما يتعلق بالزوجين ومشاكلهما، أو طلبات تبعث على الريبة والشكّ". ويحذّر فضيلته، في هذا السياق، من المستغلّين لبساطة الناس، وطيبتهم، ورغبتهم في الوصول إلى الله تعالى عبر اتّباع هؤلاء، واصفاً إيّاهم بـ"قُطّاع الطرق". فهم يحاولون تشويه صورة الدين، ويقطعون على الناس الطريق إلى الله. وبالتالي، العارف الحقّ يمكن تمييزه من تصرّفاته البعيدة عن هوى النفس، أو إبراز الأنا، أو محاولة لفت الانتباه بالحديث عمّا يواجهه أو يراه.

•أهل العرفان
ويتطرّق فضيلته للحديث عن نماذج في مسيرة العرفان من المتفقّهين والعلماء الذين يجمعون بين الفقه والسير والسلوك باصطلاح أهل العرفان، مثل الإمام روح الله الخميني قدس سره ، والشيخ بهجت قدس سره ، والسيّد علي القاضي قدس سره ، والسيّد أحمد الكربلائي قدس سره ، والشيخ شاه آبادي وغيرهم الكثيرين... وهم من يحدثوننا عن المعصومين عليهم السلام ، ويقرّبوننا منهم ومن رضى الله. بالتالي يجب دائماً مقارنة سلوك العارف بسيرة وسلوك المعصوم ومدى قربه أو بُعده. ويضيف الشيخ أسماء بعض العرفاء الحاليين، كالشيخ حسن زاده الآملي، والشيخ جوادي الآملي وغيرهما، وإنْ كان هؤلاء، كما يلفت، لا يدّعون أنّهم من العرفاء.

•العرفان: جناح علم وجناح عمل
يضيف الشيخ أحمد جابر أنّ علم العرفان له جناح نظريّ يعتمد على لغة العقل والاستدلال؛ أي ما يصل إليه العارف من الكشف والمشاهدة بالاعتماد على الأدلّة والبراهين، بينما علم العرفان العمليّ يتحدّث عن قواعد السير والسلوك، والمراحل التي يطويها الفرد في مسيرته نحو معرفة الله تعالى، ومجاهدة نفسه على قدر طاقته.

•طريق الجهاد
وفي الختام، يؤكّد فضيلته على أن ليس كلّ من تخصَّصَ في علم العرفان وعرف قواعده يُشترط أن يكون عارفاً، فهناك الكثير من المتخصّصين فيه نظريّاً لكنّهم لم يحوزوا نصيباً من العرفان العمليّ. ويضيف: "إنّ من يسلك مسلك العارف يتعرّض دائماً لفتن واختبارات يجب أن يتخطّاها ليرتقي أكثر، فإذا أخفق، فإنّه يقع ويتعثّر، وسيهوي ليعود إلى ما كان عليه وربّما أدنى. ومن هنا، على الفرد السالك في طريق معرفة الله، أن يتنبَّه على الدوام لنفسه ومجاهدتها، ولا يغفل عنها. فطريق العرفان ليس طريق راحةٍ، بل هو جهادٌ مضاعفٌ، كما أنّه لا يجب أن يَسمح للغرور في أن يتملّكه، وليفتخر دائماً بعبوديّته وذلّه لله تعالى، فرسول الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المثل الأعلى في العرفان يفتخر بأنّه عبد لله تعالى".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع