تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك" آخر الكلام: هديّة الحسين عليه السلام مع إمام زماننا: السلام عليك يا خليفة الله(*) مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف

نور روح الله: الوضوء طهارة القلب(*)



عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال: "إنّما أُمر بالوضوء وبُدئ به لأن يكون العبد طاهراً إذا قام بين يديّ الجبّار عند مناجاته إيّاه، مطيعاً له فيما أمر، نقيّاً من الأدناس والنجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل، وطرد النعاس، وتزكية الفؤاد للقيام بين يديّ الجبّار"(1).

•تزكيةً للقلب
لقد بيَّن الإمام عليه السلام الغاية من أصل الوضوء، ونبّه أهل المعرفة وأصحاب السلوك إلى أنّ للوقوف في محضر الحقّ جلّ وعلا، وللمناجاة مع قاضي الحاجات، آداباً لا بدّ من أن تلاحظ، حتّى إنّه مع القذارات الصوريّة، والكثافات، وكسالة العين الظاهرة لا يحضر العبد في ذلك المحضر، فكيف إذا كان القلب مبتلىً بالقاذورات المعنويّة. ثمّة رواية تقول: "إنّ الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"(2).

وقد أشار الإمام الرضا عليه السلام في الحديث الشريف الأوّل إلى الباطن، ذاكراً أنّ من فوائد الوضوء تزكية الباطن، خاصةً أنّ ثمّة علاقة بين الظاهر والباطن، والشهادة والغيب. كما أنّ الطهور الظاهريّ والوضوء الصوريّ هما من العبادات، وشكل من أشكال طاعة الله؛ وعليه، فإنّ الطهور الظاهريّ موجب للطهور الباطنيّ، ومن الطهارة الصوريّة تحصل تزكية الفؤاد.

•طريقٌ إلى العبوديّة
لقد بيّن الإمام الرضا عليه السلام وجه اختصاص أعضاء الوضوء، فقال عليه السلام: "إنّما وجب على الوجه، واليدين، ومَسح الرأس، والرجلين؛ لأنّ العبد إذا قام بين يديّ الجبّار، فإنّما يكشف من جوارحه، ويظهر ما وجب به الوضوء، وذلك أنّه بوجهه يستقبل ويسجد ويخضع، وبيده يسأل، ويرغب، ويرهب، ويتبتّل، وبرأسه يستقبله في ركوعه وسجوده، وبرجليه يقوم ويقعد"(3).

ومقصد الإمام عليه السلام أنّ العبوديّة تظهر من هذه الأعضاء؛ فلهذا وجب تطهيرها... وبعد هذا، بيّن عليه السلام الأمور التي تظهر من هذه الأعضاء، وبهذا فتح باب الاعتبار والاستفادة لأهلهما، وأرشد أهل المعارف إلى أسرارها، بأنّ ما هو محلّ للعبوديّة في محضر الحقّ تبارك، لا بدّ من أن يكون طاهراً ومطهّراً، أمّا الأعضاء الظاهريّة التي يكون لها حظّ ناقص من تلك المعاني، فلا تليق بذلك المقام من دون طهارتها. ومع أنّ الخضوع ليس من صفات الوجه على الحقيقة، كما أنّ السؤال، والرغبة، والرهبة، والتبتّل، والاستقبال ليست من شؤون الأعضاء الحسيّة، ولكن بما أنّ هذه الأعضاء هي مظاهر تلك الأمور، فلزم تطهيرها. وعلى هذا، فإنّ تطهير القلب، الذي هو محلّ حقيقيّ للعبوديّة، يكون ألزم، وبدون تطهيره، لو غُسلت الأعضاء الصوريّة بسبعة أبحر ما تطهّرت، ولا حظيت بلياقة ذلك المقام، بل تكون بتصرّف الشيطان، فيُطرد المرء من حضرة العزّة.

•علّة الوضوء
عن الإمام الرضا عليه السلام أيضاً أنّه قال: "جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسألوه عن مسائل، وكان فيما سألوه: أخبرنا يا محمّد لأيّ شيء توضَّأ هذه الجوارح الأربع، وهي أنظف المواضع في الجسد؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (لمّا أن وسوس الشيطان إلى آدم عليه السلام، دنا من الشجرة، فنظر إليها، فذهب ماء وجهه، ثمّ قام ومشى إليها، وهي أوّل قدم مشت إلى الخطيئة، ثمّ تناول بيده منها ما عليها فأكل، فطار الحليّ والحلل من جسده، فوضع آدم يده على أمّ رأسه وبكى، فلمّا تاب الله عليه، فرض عليه وعلى ذريّته تطهير هذه الجوارح الأربع، فأمر الله عزّ وجلّ بغسل الوجه لِمَا نظر إلى الشجرة، وأمره بغسل اليدين إلى المرفقين لِمَا تناول بهما، وأمر بمسح الرأس لِمَا وضع يده على أمِّ رأسه، وأمره بمسح القدمين لِمَا مشى بهما إلى الخطيئة"(4).

فخطيئة آدم عليه السلام، مع أنّها ما كانت من قبيل خطايا غيره، بل لعلّها كانت خطيئة التوجّه إلى الكثرة(5)، التي هي شجرة الطبيعة، ولأنّ آدم عليه السلام صفيّ الله والمخصوص بالقرب منه، أعلن الذات المقدّسة، وأذاع -بمقتضى الغيرة الحبّيّة- عصيانه وغوايته، فقال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ (طه: 121)؛ لذلك، كان لا بدّ من التطهير له ولذرّيته التي كانت مستكنة في صلبه.

•سلوك الإنسانيّة الكماليّ
وقد عُلم من هذا البيان أنّ جميع أنواع المعاصي القالبيّة، والقلبيّة والروحيّة لابن آدم هي من شؤون أكل الشجرة وتطهيرها على نحو خاصّ، وما دام الإنسان في حجاب تعيّن الأعضاء وطهارتها، وواقف عند ذلك الحدّ، فليس من أهل السلوك، وهو باق في الخطيئة. فإذا جعلَ الطهارات الصوريّة القشريّة وسيلة للطهارات المعنويّة اللبِّيّة، ولاحظَ في جميع العبادات والمناسك حظوظها القلبيّة، واهتمّ بالجهات الباطنيّة أكثر من الظاهريّة، وعرف أنّها هي المقصد الأعلى، دخل باب سلوك الإنسانيّة، كما أشار الإمام الصادق عليه السلام: "وطهّر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء"(6).

وأن يعمل على تخلية النفس عن غير الحقّ، وتحليتها بالتجلّيات الأسمائيّة والصفاتيّة لله تعالى، فإذا حصل له هذا المقام، يحصد الغاية في السير الكماليّ، فينال أسرار النُسك، والعبادات، ولطائف السلوك.


(*) من كتاب الآداب المعنويّة للصلاة، فصل نبذة من آداب الوضوء الباطنيّة والقلبيّة.
1.وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج1، ص367.
2.الأمالي، الطوسي، ص536.
3.وسائل الشيعة، (م.س)، ج1، ص394.
4.من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج1، ص55.
5.الكثرة: اصطلاح يراد ما سوى الله سبحانه.
6.مستدرك الوسائل، الميرزا النوريّ، ج1، ص354.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع