نور روح الله: الوضوء طهارة القلب(*) فقه الولي: من أحكام صلاة الجماعة(1) إضاءات فكريّة: القيم الإنسانيّة في الإسلام(*) مناسبة: البقيع: قبابٌ من نور حِيَل التطبيع الفنّيّ والرياضيّ "Valve" تطلق خوذة متطوّرة للواقع الافتراضيّ إيرانيّون يصنعون ثلّاجة خاصّة لحفظ اللّقاحات حقيقة "العادة الغريبة" للاعبي كرة القدم أخلاقنا: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (*) تسابيح جراح: رحلة العودة إلى الحياة

العدو من خلف القناع

د. حسن الزين



أن تكون في مواجهة علنيّة مقابل عدوّ لا يملك قيماً ولا مبادئ، فتلك علاقة حرب واضحة، لكن إذا كان هذا العدو يستخدم بعض أذياله ليرغمك على تحويل المواجهة إلى علاقة طبيعيّة، يدخل من خلالها إلى مجتمعك، فيعيث في قيمك فساداً وخراباً... فهذا هو التطبيع.
عن التطبيع نتحدّث، وعن هذه الأذيال التي تمثّل وسائل ناعمة للعدوّ، يظنّ أنّه قد يخدعنا بها.


•ما هو التطبيع؟
في اللغة: طبّع يطبّع تطبيعاً، وتُحمل على معانٍ عدّة: الطبع والتطبيع؛ أي تطويع ميول وطبائع النفس، أو على معنى طباعة الشيء على الورق أو ما شاكل.
ويرى بعضهم أنّ الكلمة جاءت من اللغة الإنكليزيّة (Normalization أو Naturalization)، وهي تشير إلى "جعل العلاقات طبيعيّة" بعد فترة من التوتّر أو القطيعة، وتُستخدم في مجال العلاقات الدوليّة والدبلوماسيّة.
وفي الاصطلاح الشائع، المُطبّع هو مَن دعا الى تطبيع العلاقات مع العدوّ.

•المفهوم والأهداف
التطبيع آليّة سياسيّة، وثقافيّة، واقتصاديّة تستهدف القفز فوق الجذور والأسباب التاريخيّة للصراع مع الكيان الصهيونيّ، والتعامل مع نتائج الاحتلال واغتصاب الأرض كأمر واقع باعتبارها معطيات طبيعيّة؛ بمعنى تكريس نتائج الحروب العدوانيّة على الشعب الفلسطينيّ والأمّة العربيّة، والقَبول بتلك النتائج باعتبارها حقوقاً إسرائيليّة مكتسبة. وهي محاولة لإضفاء الاعتراف والشرعيّة على دولة الكيان الصهيونيّ ومنحها الصفة الطبيعيّة.

•مواجهة التطبيع
نشأ مصطلح مواجهة التطبيع بعد زيارة الرئيس المصريّ السابق أنور السادات إلى القدس ولقائه القادة الصهاينة عام 1977م. وراج أكثر وبقوّة بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد عام 1979م، وعاد إلى البروز بقوّة بعد توقيع منظّمة التحرير الفلسطينيّة اتفاقيّة أوسلو عام 1993م.

وقد عرَّفت وثائق فلسطينيّة التطبيع "إنّه المشاركة في أيّ مشروعٍ... مصمَّمٍ خصّيصاً للجمع... بين فلسطينيّين (و/أو عرب) وإسرائيليّين (أفراداً كانوا أو مؤسّسات)، ولا يهدف صراحةً إلى مقاومة أو فضحِ الاحتلال وكلِّ أشكالِ التمييز والاضطهاد الممارَس على الشعب الفلسطينيّ"(1).

•المقاطعة بديلاً
يتحفّظ بعضهم على مصطلح مواجهة التطبيع، فهو يفترض اعترافاً ولو نفسيّاً وضمنيّاً بوجود العدوّ وبكيانه؛ لذلك يُقترح مصطلح "المقاطعة" بديلاً. وقد بدأت المقاطعة على المستوى العربيّ، حتّى ما قبل قيام كيان "إسرائيل" عام 1948م، ضدّ المستوطنات الصهيونيّة التي بدأت بالظهور أيّام الانتداب البريطانيّ. وأخذت جامعة الدول العربيّة بهذا المصطلح منذ العام 1951م، عندما أنشأت "مكتب مقاطعة إسرائيل"، وأناطت به مهمّة وضع لائحة بالشركات الإسرائيليّة لأجل مقاطعتها (مقاطعة درجة أولى)، وامتدّت المقاطعة إلى الشركات غير الإسرائيليّة التي تتعامل مع الكيان (درجة ثانية)، وإلى الشركات التي تصدّر أو تستورد عبر المنافذ الصهيونيّة، وعموماً الجهات والشركات كافّة المتعاملة مع الكيان بأيّ شكل كان (درجة ثالثة). لكنّ هذه المقاطعة بدأت تضعف، خاصّة في شقّيها من الدرجة الثانية والثالثة.

•حركة "BDS"
ولهذا الغرض، نشطت المجموعات الأهليّة والشعبيّة في تنظيم وإحياء حركة المقاطعة مجدّداً، فتأسّست حركة "BDS" عام 2005م، وهي اختصار للكلمات الثلاثة: المقاطعة (Boycott)، وسحب الاستثمارات (Divestment)، وفرض العقوبات (Sanctions). وقد شكّلت الحركة تحدّياً دوليّاً أثار حفيظة قادة الكيان، خاصّة لنشاطها في الغرب وأوروبا.

•التطبيع والحرب الناعمة
الحرب الناعمة هي مصطلح أطلقه الإمام الخامنئيّ دام ظله عام 2009م، وجاء حديثه في سياق المواجهة مع أميركا والغرب في سعيهما لإسقاط النظام الإسلاميّ ومحور المقاومة، وحرف اتّجاهاتهما بأدوات ناعمة غير صلبة؛ أي غير عسكريّة(2).
وقد عرَّف السيّد القائد دام ظله الحرب الناعمة بأنّها "غزو ثقافيّ، بل هي إغارة وإبادة ثقافيّة عامّة، وهي حرب تحصل بواسطة الأدوات الثقافيّة والمتطوّرة والمعاصرة"(3). وعلى هذا الأساس دمج دام ظله بين مفهوم الغزو الثقافيّ ومفهوم الحرب الناعمة؛ لأنّهما يخدمان الغرض نفسه مع تقارب في الأدوات.

وعلى الرغم من أنّ مصطلح مناهضة التطبيع مختصّ برفض ومناهضة الغزو الثقافيّ من أجهزة الكيان الصهيونيّ لبلادنا وشعوبنا العربيّة والإسلاميّة، لكن يلاحظ في سياق تحليل المفاهيم أنّها جميعها تشترك بوصفها أدوات تأثير ونفوذ غير عسكريّة، يتمّ اللجوء إليها لتحقيق الأهداف بأقلّ كلفة ممكنة وبطرق غير مباشرة، وهي تحصل عندما تعجز الوسائل والحروب العسكريّة عن تحقيق الأهداف السياسيّة.

•ثانياً: أنماط التطبيع
1- التطبيع الرسميّ: يكون التطبيع رسميّاً إذا حصل على مستوى الحكومات، كما هو حاصل في بعض الأنظمة والدول العربيّة دون المستوى الشعبيّ.

2- التطبيع الشعبيّ: وهو انخراط الشعوب في التطبيع إلى جانب تطبيع الدولة الرسميّ. وهذا النمط غير موجود على نطاق واسع، ولم ينجح عمليّاً إلّا مع استثناءات شاذّة (لا يعتبر الشعب الفلسطينيّ الواقع تحت الاحتلال شعباً مُطبّعاً بالضرورة؛ لأنّه واقع تحت ضغط وإكراه الاحتلال).

3- التطبيع النخبويّ: وهو انخراط فئات ونخب ثقافيّة، وأكاديميّة، وفنيّة في عملية التطبيع تحت ذرائع واهية تغطّي حالة العمالة والتواطؤ؛ (كأحد المخرجين اللبنانيّين الذي زار الأراضي المحتلّة مؤخّراً، وأقام لأشهر طويلة في ظلّ رعاية الاحتلال الصهيونيّ لنشاطه).

4- تطبيع تقاطع المصالح: وهو تطبيع أصحاب نظريّة (عدوّ عدوّي صديقي)، وهو مبنيّ على الاعتقاد بحالة تقاطع مصالح مع العدوّ الصهيونيّ، باعتبار أنّه يوجد عدوّ أخطر مثل: إيران، وسوريا، وحزب الله، ومحور المقاومة. وهو أيضاً تطبيع بعض الحالات الطائفيّة والانعزاليّة في لبنان والعالم العربيّ (بدليل ما أظهره علناً بعض الإعلاميّين اللبنانيّين(4).

5- التطبيع ثمناً للحماية الأمريكيّة: هو تطبيع الأنظمة، والملكيّات، والعروش الخليجيّة -ما عدا الكويت حتّى الآن-، المضطرّة إلى سلوكه في إطار دفع فاتورة الولاء السياسيّ لواشنطن، حفاظاً على بقائها في الحكم، وقد عبّر عن ذلك صراحة حَمَد بن جاسم وزير خارجيّة قطر سابقاً(5).

وقد بدأ التطبيع سرّيّاً استخباريّاً، ومن ثمّ انتقل إلى مستويات دبلوماسيّة وقنصليّة، وتبادل وفود، ولقاءات، وعلاقات تجاريّة وثقافيّة مع شخصيّات ومنظّمات يهوديّة، والمشاركة في منتديات حوار الأديان، والمؤتمرات الأمنيّة الدوليّة، ومراكز الدراسات (مؤتمر ميونخ نموذج للقاء تركي الفيصل وزير الاستخبارات السعوديّ مع القادة الصهاينة).

6- التطبيع الذرائعي: وهو النمط البراغماتيّ الانهزاميّ الذي تتبنّاه التيّارات الليبراليّة والعلمانيّة، وبعض نخب اليسار الذي لا يمانع من التعايش مع الصهاينة بذريعة "الواقعيّة السياسيّة"، لكنّ دافعها الحقيقيّ هو عدم إيمانها بمبدأ مقاومة الاحتلال أساساً.

7- التطبيع الثقافيّ: أشار إليه الكاتب المتخصّص سماح إدريس، وعرّفه بأنّه: "السعيُ إلى ترويض عقولنا على تقبّل الفكرة الآتية: لا إمكانيّةَ لعيشنا إلّا بقبول القامع وشروطِه. وهذا التقبّل ناجمٌ عن قناعتنا بأنّ القامع أقوى منّا الآن، وربّما إلى الأبد؛ أو هو ناجمٌ عن جهلِنا بلحظاتِ قوةٍ وفَخارٍ وانتصارٍ في تاريخنا القديم أو الحديث"(6).

8- التطبيع غير المباشر: تطبيع يحصل على مستوى الوعي، أو النفس، أو الشعور، إذا وصل الفرد أو الجماعة إلى قناعة بأنّ الكيان الصهيونيّ دولة عدوّة، لكنّها متفوّقة علميّاً، وعسكريّاً، وسياسيّاً، واقتصاديّاً، وحتّى أخلاقيّاً، أو قانونيّاً، وتسويغ الكلام العلنيّ في ذلك، مع إغفال ذكر الجرائم الصهيونيّة التي لا توصف ولا تحصى.

9- التطبيع الأكاديميّ: كاعتماد الدراسات والأبحاث المنشورة من قبل جامعات صهيونيّة في الأبحاث الأكاديميّة، وهي حالة تروّج لها الجامعة الأميركيّة في بيروت (AUB)، وقد رفض الطلّاب التطبيع الأكاديميّ بعد انكشاف هذه الأهداف.

10- التطبيع الإعلامي: القبول باستضافة شخصيّات صهيونيّة على الشاشات العربيّة، كتطبيع بعض القنوات الخليجيّة أو القبول بتحرّك وتواصل مراسلي القنوات التلفزيونيّة مع المؤسّسات والأجهزة الصهيونيّة داخل الأراضي المحتلّة، والبثّ من داخل المنشآت الصهيونيّة، كما يحصل من قِبَل مراسلي بعض القنوات اللبنانيّة، أو القبول بالتفاعل والمشاركة عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ وشبكة الإنترنت -ولو بشكل سلبيّ ونقديّ- مع ممثّلين للكيان الصهيونيّ؛ لأنّ مجرّد الاتّصال هو اعتراف.


1.التطبيع الثقافي (التعريف، المخاطر، القانون، المعايير، الذرائع، المسؤوليّة)، نشر مجلة الآداب، سماح إدريس، بتاريخ 12/10/2017م.
2.معرفة الحرب الناعمة من وجهة نظر قائد الثورة الإسلاميّة، عليّ محمد نائيني، دار المعارف الحكميّة، 2016م، ط1، ص24.
3.(م.ن).
4.مقابلة مع هشام حداد على برنامج (لهون وبس) قناة LBC بتاريخ 10/1/2019م، وسبق لنديم قطيش أن غرّد وأطلق المواقف نفسها على قناة العربيّة.
5.مقابلة مع روسيا اليوم بتاريخ 13/1/2019م.
6.(م.س).

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع