نور روح الله: آداب القيام في الصلاة(1)(*) مناسبة: من ذاكرة انتصار التنمّر: ضعفٌ وليس قوّة احذر عدوك: فتبيَّنوا (1) أول مدينة دوائيّة في الشرق الأوسط في إيران الدراسة الجامعيّة تطيل العمر بريطانيا تمنع "الرأسيّات" في المدارس الابتدائيّة فايسبوك تطرد موظّفاً اعترض على منشورات لترامب أوّل الكلام: صدقةٌ يحبّها الله مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة

شهيد الوعد الصادق علي نمر اليتامى (ولاء)

نسرين إدريس قازان


اسم الأم: نعمات اليتامى
محل الولادة وتاريخها: الهرمل 19/01/1987
الوضع العائلي:عازب
رقم السجل : 324
محل الاستشهاد وتاريخه: حاريص 25/07/2006


فاجأها الانتظارُ على حين غرّة... وصارت أسيرة النافذة تنظر من خلالها إلى الطريق عساها تحملُ إليها ظلاً يعيد إليها الحياة التي فارقتها، فصدى قلبها وكأنه قرعُ طبول في فراغ مقيت... تذكرته طفلاً يجلسُ على المقعد الحجري وعيناهُ معلّقتان على البوابة الكبيرة، التي ما إن تطلُّ منها حتى يصرخ راكضاً إليها "ماما"، فتضمه والدموع تبلّل الوجنتين...

*ذكراه وشوق للسيدة خولة عليها السلام

والآن؛ إذا ما رجع، ستركض إليه، لتجثو أمام قدميه باكية، ولتشمّ منه رائحة البطولة المنبعثة من ثيابه... لكن تلك الطريق حملت إليها عشرات الظلال، إلا ظلّ صغيرها المدلّل عليّ... بل صارت تعبرها نحو قبره، على ترانيم من شوقٍ غريب، شوق يذكّرها بشوقها لزيارة مقام السيدة خولة عليها السلام في بعلبك لمّا حملت به في أحشائها، وذكرى حلم جميل كانت فيه السيدة خولة طفلة في السرير تنظر إليها وتضحك، وعندما تهمّ بالاقتراب منها تغمض عينيها وتنام. حينها، فتحت الأمّ عينيها وقلبها مفعم بالسعادة، وسرعان ما أحست بألم المخاض، وأنجبت طفلها في اليوم ذاته، وأسمياه علياً ليباركا البيت بهذا الاسم.

تبدّلت أحوال العائلة بعد ولادة عليّ، فزاد الخيرُ وتنعمت الأسرة، وعاش عليّ صغير العائلة مدلّلاً بين أفرادها، ولكنّ هدوءه الشديد ساء والدته التي أحبّت أن ترى ابنها يلعب أو يقوم بأيّ فعل، فأتت إليه تقنعه بمشاركة إخوته وأولاد عمه بلعب الكرة، فرفض واكتفى بالوقوف جانباً متفرجاً عليهم.


*فراق والدمع سلوى

عند بلوغه الرابعة من عمره، صفع الزمن قلبه الصغير، وارتحل والده عن دار الدنيا، ليعكس اسم العائلة الذي حمله واقع حاله. وتكفّل أخوه الكبير برعايته ومتابعته إلى جانب أمه. وارتأى الأخ بعد مدة من الزمن، وعَقِب تأمّل بوضع العائلة والظروف المحيطة بها، أن يسجل علياً في مبرة السيّد الخوئي قدس سره ليتلقّى تعليمه. كانت لحظات قاسية على فؤاد ذلك الصغير الذي وجد نفسه فجأة بين جدران الوحدة عوض ذراعي أمه، وصار الدمع سلواه، والانتظار قوته، حتى إذا ما انقضى الأسبوع وحان وقت الزيارة رُدّت الروح إليه، ولجأ إلى أمه ملتصقاً بنبض فؤادها، ما كان يجعل من الفراق أصعب، فصار أخوه يذهب أحياناً وحده لزيارته رحمةً بقلبيهما ولشدّة ما كان فراقهما، بعد اللقاء، مؤلماً وحزيناً.

عشرُ سنوات عجاف مرّت، وعاد علي إلى البيت حاملاً بيده شهادة تخرجه من معهد علي الأكبر. كان شعوراً لا يوصف بأنه سينام هذه الليلة وليس عليه تحضير حقيبته التي كانت تخبئ فيها أمّه بين طيات ثيابه حباتٍ من اللؤلؤ المالح...
خلقت عودة عليّ حياةً جديدة في المنزل، وكأن الأم التي تجلببت برداء الحزن أزاحت الستائر عن النوافذ لتدخل شمس الأمل، وعادت الضحكة إلى القلب الذابل. ولكن العودة التي أنجبتْ تعلّقاً فريداً من نوعه بين الأم والابن، خبّأت تخوّفاً وترقّباً من الآتي... شيء كانت الأم تحاول أن تتجاهله كي لا تفسد سعادتها بولدها.


*شغف بالعبادة والدين
كان عليّ شاباً مؤمناً هادئاً، يقوم بالواجبات ويسهر على المستحبات، وكان يلفت من حوله بتقاسيم وجهه حينما يكون في محراب صلاته، فهدوؤه تجلّى نوراً يسلبُ الأنظار، وأنِست أمّه بصوته في صلاة الليل، ولفتتها مبادرته إلى الخروج مع الفجر إلى المسجد لأداء صلاة الصبح، محافظاً على علاقته الوطيدة ببيت الله، ونذر نفسه خادماً لأهل البيت عليهم السلام، فرافق بعض الحملات إلى الأماكن المقدسة ليحمل بصوته الشجي الذي تهزُّ فيه نبرة الحزن أرواح من حوله إلى عالم من الأنس بالله عزَّ وجلّ. ولأنّه شُغف بالمعرفة انتسبَ إلى الحوزة الدينية ليرتشف من نبع العلوم الأصيلة، وصار علي شيخاً بين معارفه ولكن بلا عِمّة.

*الجهاد لخاصّة الأولياء
هذه الروح النقية السريرة، كانت تدرك أن الله تعالى يؤتى من أبواب عدة، ولكن باب الجهاد جعله لخاصة أوليائه، فطرق هذا الباب متمنياً أن يكون من أولئك الخاصة الذين اجتباهم الله، فخضع لدورات عسكرية وشارك في بعض المهمات الجهادية، وكان مجاهداً كتوم السرّ، يشتاق إلى الرحيل، وكلما ذكر الشهادة على لسانه تذكّر المصاب العظيم الذي أصاب قلبه حين استشهد السيد عباس الموسوي قدس سره، متمنياً اللحاق به سريعاً.
ولكن الحرب التي كانت جمراً تحت الرماد بعد تحرير العام 2000، دفعت بالناس إلى استبعاد عودة "إسرائيل" مرة ثانية، وخاف عليّ من زمن السلم الذي يحرم المرء فيه من الشهادة، فكان أثناء طوافه بين المقامات يدعو الله أن يمنّ عليه بشهادة قريبة عاجلة.

*مجاهدون ثبتوا وشهداء ارتفعوا
وحانت لحظة تحضير الحقيبة من جديد في تموز من العام 2006. وجِل قلب الأم وهي تنظر إلى ابنها يقوم بوضع أغراضه فيها من دون أن تمدّ يد المساعدة له، بل حاولت ثنْيه عن الرحيل، غير أن اللحظة التي انتظرها بفراغ الصبر قد جاءت، فقبّل يدها ومضى ليكون في الخطوط الأمامية، في مارون الراس، هناك حيث شمخت المقاومة وأذلّت العدو الإسرائيلي... هناك، حيث ثبت المجاهدون وخاضوا مواجهات بطولية قلّ نظيرها. وكان عليّ مع كل طلقة رصاص يُطلق نبضة من فؤاده. فإذا ما نفد الرصاص، صار قلبه السلاح...

وحان وقت الخروج من مارون بناءً لطلب القيادة، فانتقل عليّ إلى قرية حاريص ليكمل ورفاقه المواجهات من هناك. وكانت الصلاة استراحة المحارب، فصلّى عليّ جماعة برفاقه وقرأ لهم الدعاء والطائرات تحجب السماء، لكن أبواب الجنان المفتوحة لهم فاح عبَقها بين أنفاسهم. وذات يوم، أثناء تنقّلهم من مكان إلى آخر، كشفتهم طائرة الاستطلاع ولم يكن ثمّة مكان يلتجئون إليه، فمشى عليّ ورفاقه وهو يقرأ سورة الدخان عن ظهر قلب، حتّى وصلوا إلى المكان المقصود، ذلك المكان الذي سرعان ما تحوّل إلى نقطة ختام. والأم المنتظرة والمتلهّفة لعودة ابنها، عادت لتلبس ثوب الانتظار من جديد واللقاء إن شاء الله في الجنّة...

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع