شابٌّ اتّبع الوصيّة نور روح الله: طهِّر من الأرجاس قلبي(*) مناسبة: 33 يوماً خلف العدسة(2) باحثون إيرانيّون يصنعون ضمّادات تشبه بشرة الإنسان الحل السحري لنسيان المفاتيح "غوغل" وأطفال "التوحّد" نور روح الله: الوضوء طهارة القلب(*) فقه الولي: من أحكام صلاة الجماعة(1) إضاءات فكريّة: القيم الإنسانيّة في الإسلام(*) مناسبة: البقيع: قبابٌ من نور

في رحاب بقية الله: الانتظار طريق الكمال (2/2)

آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

 



إذا كان انتظار حكومة الإمام عجل الله فرجه عميقاً متجذراً فينا فإنه يؤدي إلى وجود نوعين من الأعمال: أحدهما ترك أيِّ تعاون مع عوامل الظلم والفساد لا بل والعمل على مواجهتها، والآخر بناء الذات والاستعداد الجسمي والروحي والمادي والمعنوي من أجل قيام تلك الحكومة العالمية الواحدة. من هنا نفهم أهمية الانتظار الذي تحدثت عنه الروايات واعتبرته من جملة درجات الجهاد في طريق الحق والعدل. ونفهم أيضاً أن الانتظار يختلف من شخص لآخر، أيّ أنّ بناء الذات والاستعداد المطلوب يختلف من شخص لآخر أيضاً. أمّا إذا كنتُ ظالماً فكيف سأتمكن من انتظار شخص يأتي للقضاء على أساس الظلم؟

* لكل انتظار استعداد
أما كيف يكون الانتظار متناسباً مع الهدف الذي أنتظره، هل أنتظره كما أنتظر وصول مسافر أو صديق؟ أم هو كانتظار موسم الحصاد؟... لكل انتظار استعداد. إن قيام المصلح العالمي الكبير هو في الحقيقة انتظار الثورة والتحول والتغيير الذي يحصل في أوسع حالاته في تاريخ البشرية. هو انقلاب يطال كافة شؤون وجوانب الحياة البشرية، انقلاب يطال الجوانب السياسية والثقافية والاقتصادية والأخلاقية. يتألف الانتظار من عنصرين (كما تقدّم في القسم الأول)، عنصر "نفي" وعنصر "إثبات"، وهما عدم الرضا عن الوضع الموجود، وطلب الأفضل. وهنا نضيف إنّ لكل ثورة وتحوّل جانبين، جانب سلبي وجانب إيجابي. أما الجانب السلبي فعبارة عن إزالة مسببات الفساد والانحطاط وتطهير المجتمع من الأمور القبيحة. فيما الجانب الإيجابي هو عبارة عن إيجاد أسباب الإصلاح والبناء. والواضح أن "الانتظار" و"الثورة العالمية" يتألفان من المفهومين المتقدمين.

* المنتظرون
أما الصادقون في ادعائهم الانتظار، فينبغي أن تظهر فيهم الآثار التالية:
1- بناء الذات: إ
ن حكومة الإمام المهدي عجل الله فرجه تحتاج وقبل أي شي آخر لأشخاص مستعدّين، أصحاب قيمة إنسانية عالية ويُمكنهم حمل أعباء الإصلاحات الواسعة على عاتقهم. ويتطلب هذا الأمر رفع مستوى المعرفة والاستعداد الروحي والفكري لإيجاد ذاك النظام العظيم.  فكيف يمكنني أن أكون من المنتظرين؟ لأن تلك الثورة العالمية ستقضي عَليَّ قبل أي شخص آخر. وهكذا الأمر إذا كنت ظالماً فاسداً منحرفاً حيث لن أكون من المنتظرين. إن انتظار المصلح العالمي يعني الاستعداد الفكري والأخلاقي والمادي والمعنوي الكامل لإصلاح العالم. طبعاً إصلاح العالم وإنهاء الظلم ليس بالأمر السهل، وعليه فالاستعداد لهذا الهدف الكبير يجب أن يتناسب مع هذا الهدف الكبير.

2- الإصلاح الاجتماعي: يقع على عاتق المنتظر الحقيقي وبالإضافة إلى إصلاح ذاته، إصلاح الآخرين؛ لأن البرنامج الذي ينتظره ليس برنامجاً فردياً، بل هو برنامج واسع ينبغي أن تشترك فيه كافة العناصر وينبغي أن يحصل بشكل جماعي. وينبغي أن تتكامل الجهود لتصل إلى عظمة ذاك التحول العالمي الكبير. وهنا يقع على الشخص مسؤوليات عديدة من أبرزها رفع نقاط الضعف أينما كانت والعمل على تقويتها، لأن هذا التحول لا يحصل إلا بتظافر كافة الجهود وتكاملها.

3- عدم التماهي مع البيئة الفاسدة
عندما يتسع الفساد ويميل إليه الكثيرون، قد نجد بعض الأفراد المؤمنين يصلون إلى أزمات نفسية حيث تسيطر عليهم حالة اليأس من الإصلاح. قد يتصور بعضهم أن الإصلاح أمر بعيد المنال، وأن العمل لإيجاده ما هو إلا عبث، والواقع إن هذا اليأس قد يجعلهم ينجرون شيئاً فشيئاً للانغماس في الفساد والتماهي في البيئة المحيطة. والعلاج في هذه الحالة مع الحفاظ على حالة الأمل بالإصلاح النهائي ووسيلته العمل الدؤوب للحفاظ على طهارتهم الداخلية حتى لو لم يعملوا على إصلاح الآخرين. ومن هنا نفهم لماذا أكدت التعاليم الدينية على أن اليأس من رحمة الله هو أحد الذنوب الكبيرة. إن فلسفة ذلك ترجع إلى أن اليأس عامل مثبط للإنسان عن تغيير واقعه وعن التوقف عن ارتكاب الذنب والسعي للتوبة، وأما عندما يعيش الأمل فإنه سوف يسعى للتغيير ويكون هذا الأمل نقطة تحول في حياته وعودة له إلى الحياة السليمة. وعلى هذا الأساس فالأمل عامل تربوي مؤثر وهو وسيلة بأيدي الصالحين الذين يعيشون في محيط فاسد حيث يمكنهم بواسطته الحفاظ على أنفسهم. يتضح مما تقدم، أن الانتظار يتحول إلى مفهوم مخدِّر إذا تمّ تحريفه كما عمل على ذلك بعض المنكرين وبعض المؤيدين، ولكن إذا فهمناه بمعناه الواقعي فسيكون عاملاً تربوياً هاماً ومؤثراً. ويؤيد هذا الأمر ما جاء في الآية الشريفة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ (النور: 55). وقد نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله حول الآية الشريفة: "هو القائم وأصحابه"(1). وجاء في حديث آخر: "نزلت في المهدي" (2). إذاً، إنّ قيام الثورة العالمية لن يكون ممكناً إلا برفع مستوى الإيمان في نفوس الناس وبالعمل على الإصلاح الفردي والاجتماعي، وهؤلاء، عندئذٍ، هم الذين سيتمكنون من حمل راية دولة الحق دون غيرهم.


(1) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 51، ص 56.
(2) الغيبة، الشيخ الطوسي، ص 177.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع