الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

مجتمع: سنة أولى صيام

تحقيق: نانسي عمر

من منّا لا يذكر تجربته الأولى في الصيام؟ ومَن منّا يمكنه أن ينسى الأيّام الماضية التي كنّا ننتظر فيها قدوم الشهر الفضيل، كي نستيقظ للسحور، ونصلّي الفجر مع الأهل، ثمّ ننام ونحن نفكّر في يوم صيام آخر نعدّ فيه الساعات ونتعلّم منه أعظم دروس الصبر؟!

•الصوم ودور الأهل
يتدرّب معظم الأولاد -فتية وفتيات- على الصيام قبل بلوغهم سنّ التكليف، وعادةً ما يتولّى الأهل مهمّة تشجيعهم ومساندتهم في ذلك. وأولى المهمّات التي يتولّاها الأهل هي شرح معنى الصيام، وطريقته، وأجره عند الله، ولكن قد يُغفل عن بعض الخطوات التي تمرّن الطفل مسبقاً على هذه الخطوة، من خلال تشجيعه على صيام نصف يوم، أو الصيام عن الطعام فقط دون الشراب، في السنة التي تسبق سنة تكليفه بالصوم، مضافاً إلى تهيئة الظروف المناسبة والمريحة للطفل خلال صيامه، والاهتمام بنوعيّة الطعام المقدَّمة له على السحور والإفطار، وإبعاد المشتهيات عن عينيه بالقدر المستطاع حتّى لا يتأثّر بها. ولكن توجد أيضاً مؤثّرات معنويّة تؤثّر في نفس الطفل وعقله، وهو ما يجدر بالأهل الالتفات إليه.

•تحضير مسبق
يُعدّ التمهيد للصيام الأوّل للطفل مرحلة هامّة، مثلاً، لفاطمة المكلّفة حديثاً، قصّة مميَّزة مع الصيام، فاحتفال التكليف الذي أقامته مدرستها ترك أثراً كبيراً في نفسها. تقول والدتها: "خلال الاحتفال، توجّه سماحة الشيخ نعيم قاسم للفتيات المكرّمات ببعض الأسئلة والنصائح التي بقيت في بال فاطمة، وأشعرتها بالأهميّة الإلهيّة المعنويّة التي تحظى بها الفتاة المحجّبة، مضافاً إلى الهديّة التي كُرّمت بها (مصحفٍ، ثوب صلاةٍ، كتاب أدعية) والتي أخذت اهتماماً كبيراً منها في المنزل، حتّى إنّها قرأت كتاب "قصّتي مع الحجاب" فأعجبها كثيراً وتأثّرت به"، وتتابع: "قبل الصيام كانت المرحلة الأولى للتدريب مع الصلاة، وحين أتمّت في الصلاة شهراً، أقمتُ لها احتفال تكليفٍ بسيطاً فرحت به كثيراً، وشعرتْ بأنّ لديها مسؤوليّاتٍ شرعيّةً ستُسأل عنها. بعد ذلك بدأنا التحضير لمرحلة الصيام، حاولت توفير جهاز تكييفٍ حتّى يخفّف عنها حرارة الصيف. كانت متحمسّة جدّاً، وصامَت دون تذمّر، وصارت تساعدني في تحضير الإفطار وتقطيع الخضار، حتّى يمضي نهارها دون تفكير في التعب أو العطش، حتّى إنّها فاجأتني مرّةً، بتحضيرها عصير الليمون قبل الإفطار".

•فاطمة.. والصوم المريح
أمّا فاطمة المتحمّسة جدّاً لشهر الصيام هذا العام، فقد بدأت بتعويد نفسها على الصيام قبل شهر رمضان، من خلال صيام يومين من كلّ أسبوع، مضافاً إلى صيام الأيّام التي يستحبّ فيها الصوم من شهرَي رجب وشعبان. تقول فاطمة: "أمي تساعدني على الصيام دون تعب، حيث تحضّر لي وجبة السحور كلّ يوم، وتحضّر على الإفطار وجبات متنوّعة ولذيذة، كما أنّها تصنع الحلويات التي أحبّها، كمكافأة لي بعد الإفطار".

•"الصيام المستحبّ يساعدني"
يختلف الأمر نسبيّاً عند الفتيان كونهم يبلغون سنّ التكليف الشرعيّ في الرابعة عشرة تقريباً؛ أي بعد سنّ تكليف الفتيات بنحو خمس سنوات، ما قد يجعل المهمّة أسهل والتجربة مشجّعة أكثر. فقد خاض حسين (11 عاماً) تجربة الصيام للمرّة الأولى العام الماضي، حيث صام أيّاماً قليلةً من الشهر الفضيل، وصام بعدها أيّاماً مستحبّة من أشهر أخرى. "أحبُّ أن أصوم صياماً مستحبّاً حتّى أتهيّأ لشهر رمضان المبارك"، يقول حسين، ويضيف: "حتّى لو كانت أيّام الصيام طويلة، وخلال أيّام الدراسة، سأصوم هذا العام إن شاء الله، وأنا أنتظر بداية الشهر الفضيل بفارغ الصبر".

•تمهيد قبل التكليف
بدأت حوراء (10 أعوام) الصيام قبل سنّ التكليف، لتعتاد الفكرة والقدرة، حيث كانت تصوم حتّى الظهر، تقول: "عندما بلغتُ سنّ التكليف الشرعيّ، بدأتُ الصيام في آخر يوم من شهر شعبان، ووصلته بشهر رمضان المبارك، والحمد لله لم أشعر بالجوع أو بالعطش، ولكن كنت أتعب قليلاً".

•صيامٌ في الاغتراب
يختلف ظرف الصيام في بعض بلاد الاغتراب، فأمّ حسن التي تعيش في ألمانيا منذ زواجها، حيث تبلغ ساعات النهار أكثر من 19 ساعة أحياناً، تحدّثت عن تجربة صيام ابنتها في أوّل سنة تدريب: "لم تصمْ زينب سنتها الأولى كما يجب، فأوّل يوم صيام لها كان يوم عطلة، وكان سهلاً نسبيّاً، أمّا اليوم التالي فكان يوماً دراسيّاً، فاضطرّتْ إلى الاستيقاظ مبكراً، وقضاء ساعات عدّة في المدرسة، لتعود إلى المنزل مرهقةً ولكنّها تحمّلت ذلك، وقد حاولتُ تشجيعها بتذكيرها بالثواب الذي ستحظى به لقاء صبرها وصيامها على الرغم من التعب والعطش والجوع".

وتتابع أمّ حسن: "في بعض الأيام الدراسيّة لاحظت أنّ زينب مرضت لطول ساعات الصيام، وليس على المريض حرج، فاضطرّت إلى أن تفطر خلالها".

•صيام الأطفال والدين
صحيح أنَّ الله لم يفرض الصوم على الأطفال قبل بلوغهم سنّ التكليف الشرعيّ، لكن في الوصايا الإسلاميّة ثمّة حثّ على تمرينهم على الصيام وعلى سائر العبادات؛ ليستأنسوا بها ويتهيّؤوا لها من جهة وحتّى لا يشعروا بعد تكليفهم بعبء التكليف أو ثقله من جهة أخرى، منها: ما ورد في عن الإمام الصادق عليه السلام: "نحن نأمر صبياننا بالصوم إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم إن كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقلّ فإذا غلبهم العطش والغرث (الجوع) أفطروا حتّى يتعوّدوا الصوم ويطيقوه، فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما استطاعوا من صيام اليوم فإذا غلبهم العطش أفطروا"(1).

يشرح الشيخ محمّد الحمود (مرشد تربويّ في مدارس المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف) أهميّة هذا التمرين على الصيام قبل بلوغه سنّ التكليف الشرعيّ: "ينبغي أن يتّسم بقدرٍ كبير من المرونة والتدرّج كي يتهيّأ الجسم لاستقبال التغيّرات الفسيولوجيّة التي تحدث نتيجة الصيام، بحيث لا يُرهق الطفل بصوم اليوم كاملاً بل جزئيّاً، مع مراعاة عمره وطاقته وقدرته على التحمّل، مع الالتفات إلى ضرورة إيقاظه على السحور". ويتابع: "لكن لو افترضنا أنّ الفتاة الصغيرة (عند إكمال تسع سنوات قمريّة) لم تستطع صيام شهر رمضان؛ بسبب ضعف بنيتها الجسديّة، بحيث أضرَّ بها الصوم أثناء النهار، جاز لها الإفطار، ووجب عليها قضاء ما فاتها من صيامه كما ذكر الفقهاء ذلك في رسائلهم العمليّة".

كما ينبغي -بحسب الحمود- السعي إلى توجيه الأطفال نحو التكرار الظاهريّ للعبادات، من أجل تهيئة أرضيّة الأُنس بالعبادات، وصولاً إلى تثبيت العبادة كعادة مستحكمة، وهناك دور رئيس للوالدين والمعلّمين عند تعليم الأفكار والمفاهيم التعليميّة والدينيّة بما يتناسب ومستوى إدراك الناشئة، وبما ينسجم وقواهم الذهنيّة والروحيّة.

•نصائح غذائيّة
في هذا المجال تقدّم أخصائيّة التغذية آلاء إسماعيل بعض النصائح للأهل لمساعدة أطفالهم على الصيام، منها:

1- تناول الطعام على مراحل عدّة، لتهيئة المعدة لهضم الطعام، وعدم الشعور بالشبع سريعاً.

2- البدء بكوب من الماء لتنظيف الجسم، مع حبّة إلى ثلاث حبّات من التمر، والانتظار قليلاً قبل البدء بالطعام.

3- تناول الحساء الدافئ وسلطة الخضار (المتنوّعة بالألوان، ما يعني تنوّع الفيتامينات والمعادن).

4- يجب تنوّع الإفطار بالمواد الغذائيّة: (النشويّات، البروتينات، الدهون المفيدة...).

5- تناول النشويّات الغنيّة بالألياف؛ كخبز الشوفان، والبروتينات قليلة الدسم؛ كالسمك، والدهون المفيدة الغنيّة بالـomega-3.

6- إعداد حلويات خالية من السكّر، كالمهلبّية مع العسل والفستق الحلبي (استبدال السكر بالعسل).

•الماء والسحور
تؤكّد الأخصائيّة إسماعيل على أهميّة أن يتناول الطفل معدّل ٤-٦ أكواب من الماء بين الإفطار والسحور. كذلك أكّدت أهميّة وجبة السحور التي تحافظ على السوائل، وتمدّ الجسم بالطاقة والعناصر الغذائيّة الضرورية. ولذا، يُنصح بتأخيرها إلى ما قبل الإمساك، على أن لا تتضمّن المخلّلات، والأطعمة المعلّبة لاحتوائها على نسبة عالية من الملح، المسبّب للعطش. كما ويُنصح بتناول كوب من اللبن عند السحور لتسهيل عملية الهضم ومقاومة الجوع، بدلاً من مشروبات الكافيين.

لكلّ أمّ وأب، الأهمّ التشجيع المعنويّ بالمدد الروحيّ للصوم، إلى جانب التدرّج، سيساعدان أطفالنا على الالتزام بهذه الفريضة الربّانيّة.


1.الكافي، الكليني، ج3، ص409.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع