أخلاقنا: هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (*) تسابيح جراح: رحلة العودة إلى الحياة مجتمع: سنة أولى صيام الشيخ راغب.. المسجديّ الـثـائـر أفكار لاحتفال مهدويّ أجمل مقـابلـة: المقاومون أهل البصائر تسابيح جراح: بقدمٍ واحدة سأكمل الدرب رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة

‏التصابي مع الأطفال‏

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ كان عنده صبي فليتصابى له".

من خلال هذا الحديث الشريف تتبدَّى لنا الأهمية التي أولاها الإسلام لمسألة التصابي مع الأطفال. تلك التي تدعو الآباء إلى تعاطي سلوك مع أطفالهم مختلف عن ذاك الذي يتعاطاه معظم الآباء، من الجفاف والقسوة والجدية، ألا وهو النزول إلى مستوى الصغار والحلول بساحتهم، وتخصيص مقدار من الوقت لمشاركتهم في أعمالهم وألعابهم.

ولهذه المسألة فائدتها الكبرى على الصعيد التربوي والنفسي للطفل وللأبوين معاً. أما فائدتها بالنسبة للطفل فإنها تقوي لديه عامل الثقة بالنفس من خلال شعوره بأهمية عمله الذي لم يتوانى حتى والده ذلك الرجل الناضج عن مشاركته فيه، وبالتالي فإنها تلبي لديه حاجة طبيعية وهي الارتواء العاطفي والتي إذا ما لبّيت له فإنها ستنعكس إيجابياً على حياته وستجعل منه في المستقبل إنساناً سوياً خالياً من أي عقدة نفسية.
أما فائدتها بالنسبة للأب فنستطيع أن نعتبرها عاملاً مساعداً في إزالة الكبر والفخر عن نفسه، فتجعل منه ذلك الإنسان السهل المتواضع اللين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنها تخفّف عنه الكثير من المتاعب التي يلقاها في الخارج وتشعره بالتالي بقسطٍ كبير من الراحة النفسية ما كان ليحصل عليها لو لم يسلك هذا السلوك. هذا بالإضافة إلى الجو الجميل الذي يخلفه هذا التعامل مع الأطفال، والعلقة القوية التي يؤطرها بين الآباء والأبناء.

والجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عندما أمر الآباء بالتحلي بهذه الخصلة، فإنه لم يكن في مقام يأمر فيه غيره بعمل ولا يعمل فيما يأمر، بل إنه صلوات الله عليه وآله فيما يروى عنه كان السبَّاق إلى مثل هذه الأفعال، مع عظم شأنه وكبير خطره. فعن يعلى العامري "أنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى طعام دعي إليه، فإذا بحسين يلعب مع الصبيان، فاستقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمام القوم ثم بسط يديه، فطفر الصبي ها هنا مرة وها هنا مرة، وجعل يضاحكه حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى تحت قفاه ووضع فاه على فيه وقبَّله".

ليس هذا فحسب، بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رجع من سفر وتلقَّاه الصبيان يقف لهم ثم يأمر بهم فيرفعون إليه، فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم.
وجاء في رواية أخرى عنه، حيث روى جابر قال: "دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحسن والحسين على ظهره وهو يجثوا لهما ويقول: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما".
إن شخصية عظيمة صلبة كشخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هزت العالم وزلزلت الأعداء والجبابرة، نراها في جوانب أخرى شخصية مفعمة باللين ملؤها الرحمة والعطف للرعية وخصوصاً الأطفال. فها هو يأمر أصحابه ويشدد عليهم قائلاً في خطبة استقبال شهر رمضان المبارك - "وارحموا فيه صغاركم" وكثيراً ما كان يردد: "أحبوا الصبيان وارحموهم"، ويعمل على تطبيق ذلك ليكون درساً توجيهياً تربوياً لأصحابه ينطلقون به في حياتهم اليومية.

وورد في بعض الروايات أنه قال: "من قبَّل ولده كتب الله له حسنة ومن فرَّحه فرَّحه الله يوم القيامة، ومن علَّمه القرآن دعي بالأبوين فيكسيان حلتين يضي‏ء من نورهما وجوه أهل الجنة".
ليس هذا فحسب، بل روي عنه أيضاً: أنه جاءه رجل فقال: ما قبَّلت صبياً قط فلما ولَّى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "هذا رجل عندي من أهل النار".
وفي رواية مماثلة: "أنه صلى الله عليه وآله وسلم قبَّل الحسن والحسين عليهما السلام فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الأولاد ما قبَّلت واحداً منهم، فقال: ما عليَّ إن نزع الله الرحمة منك".

كل هذه الأحاديث تبيِّن أهمية هذه المسألة في الإسلام، واعتباره إياها ركناً من الأركان الأساسية التي تضفي جوّاً كبيراً من الطمأنينة داخل الحياة الأسرية.
وقد أثبتت الدراسات التربوية والنفسية أهمية هذه المسألة فحثت الآباء على اتباع هذا السلوك، محذرة إياهم من إرهاق الطفل عن طريق إرادتهم له التصرف كالبالغين في كل أفعاله، مشددة على ضرورة إفساح المجال أمامه ليعيش طفولته مرحلة مرحلة ويشبع روحه منها.
كما أنها بيَّنت الفائدة الكبرى للعب بالنسبة للصغار فهذا الدكتور فردريك أنفيلد خبير التربية بجامعة لندن يقول:
"إن الطفل يتعلم السيطرة على جسده من خلال اللعب، فحركاته التي يقوم بها بشكل تلقائي وعفوي مع ألعابه تقوي عضلاته وتجعلها أكثر مرونة، بل وتعلّمه التحكُّم والسيطرة عليها".
واللعب - على حد تعبيره - "هو أول درس في حياة الطفل يجب أن يتعلّمه وعلى الأم والأب أن يتعلما مبادئه
".

فالمطلوب منك إذاً، أيها الوالد العزيز أن تتخلى عن بعض من تلك الحواجز التي وضعتها بينك وبين طفلك، فتنزل إلى مستواه وتتعامل معه - طبعاً بشكل غير مستمر - كما لو كنت طفلاً.

انظر إلى الأطفال كيف يتعاطون مع بعضهم البعض وتعلَّم منهم واسلك نفس السلوك معه، وبذلك تستطيع النفوذ إلى عالمهم والإحاطة به، وبالتالي تتمكن من القضاء على المشاكل التي قد تعترضك في تعاملك معه، ومن ثم إيجاد الحلول الناجحة لها وبأسرع وقت ممكن.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع