رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد

تحقيق: نانسي عمر

 

 


"كنتُ أشعر بوجودها إلى جانبي في غرفة الولادة. لقد كانت هناك، تمسك بيدي، وتطلب منّي تحمّل الألم، والصمود. استمددتُ قوّتي من صوتها الحنون، الباعث على السكينة والهدوء. كنتُ بأمسّ الحاجة لأشعر بوجودها إلى جانبي في تلك اللحظة الصعبة والدقيقة، خلال أوّل إنجابٍ لي. افتقدتها في كثيرٍ من المواقف والأيّام. في زفافي، لحظة علمتُ بأمر حملي، وأيّام مرضي.. وفي كلّ لحظةٍ من لحظات حياتي!".

* أمٌّ مثالية
بهذه الكلمات تصف رولا، وهي أمّ لأربعة أولاد، حاجتها لوالدتها التي خطفها الموت منها، في فترة طفولتها، بعد معاناةٍ مع المرض.. وتتابع قائلةً: "لم أعرف قيمة أمّي إلّا بعد أن فقدتها.. لم أشعر بتعبها يوماً؛ لأنّها ما كانت لتُظهر ذلك.. بل كانت تؤدّي واجباتها تجاه أبنائها بكلّ حبّ وسرور.. لقد كانت أمّاً مثالية.. فلم أقدّر قيمة الدور الذي مارسته إلّا بعد أن أصبحتُ زوجةً، فأمّاً". فهي الأمّ -إذاً- نهرٌ لا ينضب من العطاء والتضحية، وسيلٌ متدفق من الحبّ والحنان، لا يعرف الحدود، ومدرسةٌ في التربية، والإرشاد، والتوجيه.

فما هي قيمة الأم في حياة الأسرة بشكلٍ عامّ، والأبناء بشكلٍ خاصّ؟ وهل تقتصر العلاقة بها على المناسبات فقط، كما هي الحال مع عيد الأمّ، أم يجب أن يكون هناك علاقة خاصّة بها، غير مقيّدة بوقتٍ ومكانٍ محدّدين؟ وكيف يوصي الإسلام بها؟

* المضحّية الأولى
كما هي الحال مع "رولا"، تؤكّد "آلاء"، والتي انتقلت حديثاً إلى بيت الزوجيّة، على أهميّة وجود الأمّ في حياة أولادها، فتقول: "قبل زواجي، كنتُ أعود إلى المنزل، بعد يومٍ دراسيّ طويل، لأجد الطعام جاهزاً، والغرفة مرتّبة، والثياب نظيفة. أمّا اليوم، فقد تغيّر كلّ شيء. لقد انفصلتُ عن أسرتي، وأصبح لي بيت مستقلّ، وحياة مستقلّة، وبتُّ أمارس تلك الأعمال والمهام كلّها بمفردي. فقد شعرتُ بكلّ التعب والجهد الذي تكبّدته أمّي دون منّةٍ أو تذمُّر، واختبرتُ مشقّة الحمل وصعوباته، واكتشفتُ أنّ الأمّ تقدّم تضحياتٍ عظيمة لا يقدّمها أحد سواها ونحن لا يمكن أن نوفّيها جزءاً بسيطاً من حقّها، مهما حاولنا".

* لماذا عيد الأمّ؟
تقديراً لجهودها وعطاءاتها اللامحدودة، وصبرها على الآلام والمصاعب في سبيل راحة أبنائها. تمّ تكريس يومٍ واحدٍ في السنة كعيدٍ للاحتفاء بالأمّ، وتضحياتها العِظام، فوقع الاختيار على يوم 21 من شهر آذار، وهو أوّل أيّام فصل الربيع، ليكون رمزاً للعطاء، والصفاء، والخير. ولكن، ما هي القيمة الحقيقيّة لهذا العيد؟ وكيف يتعامل الناس معه وينظرون إليه، سواء الأبناء أو الأمهات؟

* يومٌ للمنافسة
تحوّل الاحتفال بعيد الأمّ إلى يومٍ أشبه بمنافسة أو تحدٍّ، سواء في كيفية التحضير له والاحتفال به، أو حتّى في نوعيّة الهدايا التي تقدّم وقيمتها.ففي الوقت الذي نجد فيه بعض الأمّهات يحرصن على الحصول على أثمن الهدايا وأبهظها ثمناً، لنشر صورها عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ، والتباهي بها أمام الأصدقاء والمعارف، نجد، في المقابل، شريحةً كبيرةً من الأمّهات ممّن لا يكترثن بهذه المسائل، إذ كلّ ما يهمّهنّ هو أن يحظين باجتماع كلّ أبنائهنّ في تلك المناسبة، ولو مع قالب حلوى صغير!

* أجمل هدية
وفي هذا الصدد، تقول "أمّ محمّد": "إنّ أجمل هديّة لي في هذا اليوم هي أن أرى أولادي يداً واحدة، وقلباً واحداً، مجتمعين حولي، يضحكون ويتمازحون.. وبذلك تكون مكافأتي بأنّني ربّيتهم تربيةً صالحة". أمّا من وجهة نظر الأبناء، فللبعض منهم وجهة نظر خاصّة، فيقول عليّ (18 عاماً): "عيد الأمّ هو كلّ يوم تكون فيه الأم راضيةً عن أولادها، لذلك يجب أن نسعى دائماً إلى أن لا نغضبها، أو نقوم بما يحزنها.. فمهما فعلنا، لا يمكن أن نردّ لها أيّ جميل، أو نعوّض عن تعبها وسهرها علينا".

* مناسبة سنويّة
وهكذا، تحوّلت الأمّ إلى عيدٍ سنوي، يُحتفى به مرّةً واحدةً، بحيث يتذكّر بعضهم في ذلك اليوم أنّ عليهم أن يرفعوا سمّاعة الهاتف ليطمئنّوا إلى صحّتها، أو يقدّمون لها باقة وردٍ أو هديّة، أو يأخذونها في نزهةٍ خاصّة.

ولكن، هل تحتاج هذه الأمّ إلى مناسبةٍ رسميّةٍ أو عيدٍ خاصّ حتّى يقف أبناؤها عند عطاءاتها وتضحياتها، ويتذكّروا جهودها وتفانيها؟! وما هي واجبات أبنائها الفعليّة تجاهها؟

* وبالأمّ إحساناً
كثيرةٌ هي الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة التي تدعو إلى البرّ بالوالدين، والرأفة بهما، والإحسان إليهما، كما في الآية الكريمة: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23). وفي هذا المجال، يقول سماحة الشيخ أكرم بركات: "إنّ الدين الإسلاميّ أوصى بأن لا ينطق الأبناء بكلمة (أفٍّ) لوالديهما، حتّى لو كانا مشركَين، و"أفّ" هي الأقصر باعتبارها كلمة، وإلّا فالحرمة تكون بالتعبير الجسديّ بدون نطق، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "من نظر إلى والديه نظر ماقت، وهما ظالمان له، لم تُقبل له صلاة"(1). فإذا كان هذا الكلام ينطبق على كلا الوالدين، فما بالك بالأمّ وحدها، التي حملت، وأرضعت، وسهرت، حتّى خصّها الإسلام باهتمامٍ خاصّ، وأولاها عنايةً فريدةً، فيقول الله في محكم كتابه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (لقمان:14).

يتابع سماحة الشيخ أكرم قائلاً: "إنّ بعض الأحاديث تدلّ على أنّ أَوْلى الناس بالرجل أمّه"، وهذا يعني أنّها أَوْلى ببرّه وإحسانه من غيرها.

* القدوة الأولى
وفيما يلي بعض التوصيات التي يقدّمها سماحته لكلّ رجلٍ هو أب، من شأنها أن ترسّخ مكانة الأمّ بين أبنائها كما أوصى به الإسلام، وتحظى باهتمامهم ورعايتهم:
1 - تربية أبنائه على طاعة أمّهم واحترامها، فإن أخطأت الأمّ مع أولادها، فعلى الأب أنْ لا يتدخّل بما يؤدِّي إلى النظرة السلبيّة من قبل الأولاد لأمّهم، بل يعالج الأمر بطريقة حكيمة يُحافظ فيها على مكانة الأمّ واحترامها بينهم.
2 - احترامه لزوجته أمام الأبناء؛ لأنّ ذلك يشكّل أساساً في نظم العلاقة المستقبليّة بينهم وبين والدتهم، بل إنّ شعور الأولاد بالعلاقة العاطفيّة بين الوالدين يعزّز قرب الأولاد فيما بينهم، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "مودّة الآباء قرابة بين الأبناء".
3 - عدم السماح لأولاده بالتطاول على والدتهم، مهما حصل، حتّى يبقى الاحترام السمة الأساس لهذه العلاقة.

ويتوجّه سماحة الشيخ أكرم بالحديث إلى زوجة الابن قائلاً: "عليكِ أن تعتبري أن أمّه أمّك، وأن تعتني بها عاطفيّاً، لتشعر أنّ زواج ولدها منكِ، زاده عاطفة عليها، بدل أن تنقص".

وفي الختام، يدعو سماحة الشيخ أكرم بركات الأبناء كلّهم إلى أن يبرّوا بوالدتهم ويحترموها، كلّ يومٍ، وفي كلّ الأوقات، وليس في عيد الأمّ فقط، فلا يؤذوها بكلمةٍ أو بنظرة، وعندها، سيحصلون على رضاها ورضى الله.. فكل يوم فيه برّ للأمّ إنّما هو عيد في حدّ ذاته.


1- مستدرك الوسائل، النوري، ج15، ص195.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع