رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة

تحقيق: زينب صالح خشّاب

 



لا يزال صدى صوتهم يصدح من كلّ لوح، وطبشورةٍ، وصفّ. ولا تزال دروسهم ومواعظهم راسخةً في أذهان تلاميذهم وعقولهم. لم تكن البندقيّة سلاحهم فقط، وإنّما قلمٌ، وكلمةٌ، ومنبرٌ أيضاً عبَّد درب أجيالٍ ما عرفت للذلّ والخضوع أيّ طعمٍ ولون..

إنّهم المعلّمون الشهداء استجابوا للنداء في لحظة مصيريّة حاسمة، فقد حان وقت الاختبار لبلوغ الوصال.. فما قيمة كلّ الكلام إن لم يترجم ببطولاتٍ في أرض الميدان، فدروسٍ وعِبَرٍ ستبقى خالدةً على مرّ الزمن!! هم الذين عبّدوا الموقف بالدم، فاستحال الدم حقّاً، وانتصاراً، وقضيّة. وفيما يلي، حكايا بعض المعلّمين الذين التحقوا بساحات الجهاد، حتّى باتوا شهداء الكلمة، والقلم، والعلم.

* صانع التاريخ ومعلّمه
كانت المقاومة محور حياته واهتمامها، فتبرّع لها بأوّل راتب تقاضاه منذ أن عُيّن أستاذاً في سلك الدولة، بعد نجاحه في امتحانات الخدمة المدنيّة. كان شابّاً رياضيّاً ولاعب كرة قدم، ينظّم المباريات للشبّان والفتية، ولكن شاءت حرب تمّوز أن تمنعه من إقامة مبارياتٍ كان قد وعد اللاعبين بها.. هو الشهيد وجيه طحيني.

"إنّه التاريخ ومعلّمُه، هو الحبر الذي ظلّ ينزف فوق سبّورة الذاكرة، ليكتب كلماتٍ مقاومة، تقرأها الأجيال على امتداد جغرافيا الوطن". بهذه الكلمات يصف حسن صالح معلّمه الراحل، الشهيد وجيه طحيني، ذاك الذي ما ترك عيتا الشعب طيلة أيّام حرب تموز 2006م، فصمد في المواجهات الضارية، ثمّ جُرح، ونزف حتّى الشهادة. "لقد كان مبتسماً وهو ينزف، تماماً كما كان في صفّه طيلة أيّام عمله كأستاذٍ ثانويّ في ثانويّة البلدة. هو لم يكن معلّماً فقط، بل كان أباً حنوناً، وراعياً، ومحبّاً. كان يسخر من العدوّ الصهيونيّ ويستهزئ بقدراته العسكريّة، ولا يبدي خوفاً منه إطلاقاً كلّما حلّقت طائراته في سماء عيتا التي كانت لا تبرحها أبداً. كان يحدّثنا عن الحرب بأساليب جميلة ناعمة، تبثّ العزيمة في نفوسنا. وأثناء شرح درس التاريخ، كان يطلب منّا أن ننتقد بأنفسنا الأخطاء الحاصلة في تاريخ أمّتنا وبلدنا، ويقول إنّنا نحن من سيكتب التاريخ الجديد. أمّا عن تحرير الجنوب عام 2000م، فكان يعدّه أعظم تاريخ شهده العرب طيلة سنوات وجودهم".

* مجموعة في رجل
هو ذاك الشاب الذي رفض الانسحاب من أرض المعركة في بلدة البيّاضة، فصمد، وقاوم حتّى ظنّ الإسرائيليّون أنّهم في مواجهة مجموعة كبيرة من المقاومين، فأدّى له أحد ضبّاط العدوّ التحيّة لحظة استشهاده.. إنّه الشهيد بشير علويّة.

إنّه "صاحب الابتسامة الخجولة، والوجه البريء، العاشق للحياة والمتمرّد عليها في آنٍ واحد، الشاب الذي يطوي صفحات نهاراته ولياليه بالعمل الدؤوب، وهو يعرف أنه سوف يبيع الحياة هذه بثمن بخسٍ يوماً ما رآه قريباً، أقرب ممّا كنّا نظنّ"، كما تقول شقيقته ليال علوية. وتضيف: "كان بالنسبة إلى تلاميذه المعلّم، والأخ، والسند، والمعين. أحبّوه جميعاً، وعشقوا روحه. لقد كانت المقاومة نهجاً راسخاً له، لا يحيد عنه أبداً، فتطوّع في التعبئة التربويّة، وراح يمضي جلّ لياليه في إعداد البصريّات الحديثة لمجابهة ومقاومة الحرب الناعمة الموجّهة لاستنزاف عقول الشبّان، وما تزال أعماله حتّى الآن شاهدة على إبداعه ونشاطه".

* الشاب الأنيق
في عيتا الشعب، أطلّ على المجاهدين في بداية الحرب شاب مبتسم أنيق، مرتّب الهندام والمظهر، قال له أحدهم ممازحاً: "لوين جاي؟"، فضحك، تاركاً الميدان يشهد على جماليّة مواقفه.. إنّه "محمود قعيق" ناظر ثانويّة "ليسيه أميكال مودرن"، "الشاب المتحدّر من عائلة متعلّمة، فوالده هو صاحب الثانوية التي يعمل فيها، ومع هذا استطاع الجمع بين عشقه لمهنته ودوره الجهاديّ، إذ انتظم مبكراً في صفوف المقاومة الإسلاميّة، وتخصّص في قسم مواجهة الدروع، حتّى صار في صفوف النخبة"، كما يقول محمّد(1).

ما يزال عبق العطر الذي كان يستخدمه الشهيد يفوح بين زملاء الجهاد، "إذ كان كلّما فتح حقيبته، أو رتّب أغراضه شممنا رائحةً جميلة من عطوره المفضّلة. أثناء احتدام المواجهات في الجبهة، كان دائم الابتسام، جميل الروح، إيجابيّاً، لا يخاف، ودائم الاطمئنان، فما بالك بحاله في المدرسة بين التلاميذ؟"، كما يقول أحد زملاء الجهاد "عليّ". وفي أحد أيّام شهر آب، استيقظ محمود مبتسماً، وعندما سُئل عن السبب قال: "رأيت حلماً جميلاً، أظنّه سيتحقّق قريباً!". هكذا نعى نفسه بسرور وفرح، لتحمل مدرسة والده اسمه، وتصبح "ثانويّة الشهيد محمود قعيق"، لترسم للشهيد صفحات من نور وجهاد على امتداد سنين عطائها.

* درسٌ للأجيال
قبل تحرير عام 2000م، كان يمرّر لطلّابه بعض دروس الجهاد والتضحية، ويزرع فيهم بذور التمرّد والثورة، حتّى يصبحوا جمراً تحت الرماد. كان يتنقّل بين البيوت كالداعية، يحدّث الناس بالتعاليم الإسلاميّة الأصيلة، ويغرسها فيهم، كما كان يصلح سيّارات العملاء، بهدف الاستماع إلى ما يتناقلونه من أخبار، ثمّ ينقلها إلى قيادة المقاومة. هو الشهيد راني بزّي، الذي اعتقله العملاء في العام 1999م، وزجّوا به في معتقل الخيام، بتهمة وجود سلاح للمقاومـــة بالقرب من منزله، لينطلق إلى الحريّة من جديد في تحرير أيّار من العام 2000م. بعد ذلك، تفرّغ للتدريس في مهنيّة بنت جبيل، إلى جانب عمله الجهاديّ، حيث كان "مثال الأستاذ الخلوق الذي أحبّه تلاميذه كلّهم. لم يكن أستاذهم فقط، وإنّما كان لهم الأخ، والمساعد، والسند. لقد خطّ في نفوسهم كلمات من نور لن تمحوها السنون عبر مواقفه، وسلوكيّاته، وقيمه النيّرة التي كانوا يبصرونها جليّةً في روحه"، كما يصفه صديقه فؤاد (اسم مستعار). بعد استشهاده، خُلّد الشهيد راني في ذاكرة التلاميذ والوطن، فصار قصّة تُقرأ في أحد كتب مدارس المهديّ للصف السادس ابتدائيّ، تحت عنوان "فارس من بلادي". كما صار اسمه عنواناً للعلم، إذ حملت مهنيّة بنت جبيل اسمه: "ثانويّة الشهيد راني بزّي الرسميّة"، ليصنع بذلك ورفاقه الشهداء تاريخاً جديداً لبنت جبيل، سيظلّ محفوظاً في صفحات التاريخ.

* صانعو الأجيال
هؤلاء هم المعلّمون الشهداء، الذين لم يتوانَ أحدهم عن تقديم خدماته للوطن والشعب كافةً، عندما دقّ ناقوس الخطر. فالبندقيّة هنا أصدق إنباءً من الكتب.
هم صانعو الإنجازات، ومسطّرو البطولات، ومربّو الأجيال.. أجيال أسّسوا لها دعائم منهجٍ وبرنامجٍ دراسيّ من نوعٍ آخر، مستمدّ من وصاياهم، ومواقفهم، وكلماتهم.


1- موقع المنار: http://archive.almanar.com.lb/article.php?id=775124
https://alwelayah.net/post/16079 موقع الولاية.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع