مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

قصة العدد: الطلقة الحاسمة

ايفا علوية

 



(عن قصة حقيقية حصلت خلال حرب تموز 2006)

ـ "هيا يا إخوان علينا إخلاء المنزل على الفور".

أطلق الحاج رضا رشق كلماته بنبرة خاطفة هيجت الحماسة في نفوس أفراد مجموعته الذين استنفرت ملامحهم لمعرفة آخر المستجدات، وتسارعت حركتهم لتنفيذ الأمر:
ـ "استعدوا لتنفيذ خطّة الانتقال إلى نقاط المكمن في التلال المقابلة، فالظاهر أنَّهم قد اتخذوا قرارهم بالتوغّل في أحياء البلدة ومنازلها، وعلينا أن نفسح لهم في المجال كما تعرفون".
ـ "طبعاً، سنستقبلهم".
ـ "وسنقوم معهم بالواجب"!
ـ "وسنكرمهم أيما إكرام"!
هبَّ الجميع في خطوات متسارعة، لم تمنعهم من مبادرة مسؤولهم بتعليقاتهم الممازحة، التي لطالما عزّزت في نفوسهم مشاعر الإلفة والمودة والأخوة، وأضفت على جلساتهم روح الأنس والمرح والدعابة، مهوّنة عليهم شدّة الحرب وقساوتها المترافقة مع حرارة تموز وأجوائه الملتهبة.
ـ "وتقولها بالفم الملآن: اخرجوا من بيتي، احسب حساباً لمشاعرنا - على الأقل- يا رجل".
ـ "أهكذا تكون خاتمة الضيافة"؟
ـ "اعترف، جاءتك الفرصة لتطردنا بلباقة"!.
ـ "معه حق، لقد تحمَّلَنا منذ بداية العدوان، ولعله خاف من أن نقضي بطول مكوثنا هنا على مؤونة البيت بأكملها".
تعالت ضحكاتهم، وملأ صداها أرجاء المنزل، قبل أن يهمّوا بالخروج، ليتفرقوا متوارين عن عيون طائرة الاستطلاع، التي تحكم بقبضتها على صفحة السماء.

ـ "انتبهوا لأنفسكم. نلتقي قريباً إن شاء الله".
ردّد عبارته، موزعاً عليهم نظرات الاطمئنان، أطلق عينيه في نظرة تفقدية، طالت أرجاء الباحة الخارجية لمنزله. أدار المفتاح في قفل الباب، وأسرع بخطوات عنكبوتية، ليشق السير في طريق فرعية بين البيوت والمنازل، تصل به إلى أطراف البلدة، وتمكِّنه من التواري عن عدسات طائرات الاستطلاع.
صوتٌ يتصاعد من منزل أبي إبراهيم، وهو يمرّ بجانبه. تمتم باستغراب: "مَن هناك يا ترى؟ القرية خالية إلا من المجاهدين"!
انحنى تحت قبّة النافذة في حالة الجهوزية والتأهُّب لأيّ طارئ.
ـ "علينا أن نخرج بسرعة من المنزل، فالقصف يشتدّ ويقترب، وقد يصل إلينا"!
هذا صوت أمّ إبراهيم.
ـ "وحّدي الله، سنبقى ننتظر ما كتبه الله لنا".
هذا صوت أبي إبراهيم.
هز رأسه متمتماً: "لماذا بقيا هنا؟ لماذا لم يغادرا مع الأهالي"؟

ـ افتحي يا أم إبراهيم، أنا الحاج رضا. طرق الباب، وهو يفكر بصعوبة إخراجهما قبل أن تشتعل المواجهات. فأبو إبراهيم طريح الفراش، لا يستطيع أن يقوم من مكانه، وأم إبراهيم مقعدة على كرسيّها المتحرك.
أطلّت أم إبراهيم ببسمة من رُدّت إليه الروح: "أهلاً يا بنيّ، ادخل. لقد أصرّ أبو إبراهيم على عدم خروجنا، ولكنني خائفة. لقد أرسلك الله إلينا ونحن عالقون".
ـ "لا بأس، الله يهوّن، جهِّزا نفسيكما، سأنقلكما مداورة إلى القرية المجاورة. وهناك، ينقلكما الشباب بالسيارة إلى مكان بعيد وآمن".
ـ "نموت في بيتنا أشرف لنا ولك، سنسبب لك المشقة والعذاب، ونحن كلانا عاجزان"!
ـ "لا تقل ذلك يا أبا إبراهيم، فهذا واجبنا".

كان صدى دعاء أمّ إبراهيم طوال الطريق أنيس مشواره،وكان وقع كلماتها يثلج قلبه، ويغمره بالطمأنينة والإحساس باللطف الإلهي الذي أعمى عيون طائرات الاستطلاع، وهو ينقلهما مداورة. يقود أم إبراهيم بكرسيها المتحرك مئة متر، ثم يركنها في زاوية أو تحت شجرة، ليعود أدراجه، فيحمل أبا إبراهيم، ويصل به إلى مكان أم إبراهيم، ويعيد الكرّة مجدّداً.
ـ "فرّج الله عنك مثلما فرّجت عنا".
ـ "نصركم الله، وأذلّ عدوكم".

تهادت كلماتهما إلى مسامعه فشعر بقوة هائلة من الاستئناس والرضا، تستقر في أعماقه بالرغم من التعب والإرهاق اللذين فتكا بظهره وقدميه، وهو يصل إلى مشارف القرية المجاورة. الآن يمكنه أن يودعهما في أيد أمينة تعتني بهما. ألقى نظرة على القرية واتخذ قراره بسرعة: "لن أعود من الطريق نفسها فالالتفاف إلى خراج بلدتنا أكثر سهولة لي عبر الوادي الذي سيؤدي بي إلى نقطة قريبة من المكمن حيث ألتقي بالشباب". كان يمشي بخفة وسرعة حين بدأت حركة نشطة للطائرات المروحية والحربية، والقصف بدأت تتصاعد وتيرته على أطراف البلدة، وعند مدخلها. وقف مكانه مراقباً. لن يستطيع إكمال السير إلى حيث الرفاق.

فكر بسرعة: "يبدو أنهم يمهدون للإنزال المتوقع فقد تم تمشيط المنطقة بالقصف، والطائرات تحوم بلا توقف". ردّد في قرارة نفسه: "إنها مصادفة غريبة، بل هو توفيق من الله أن تصل بي قدماي إلى موقع الإنزال. من المؤكد أن الشباب خلفي في مواقعهم، وهم جاهزون للانقضاض، عندما تحين اللحظة المناسبة بعد أن أوحوا للعدو بأن الطريق سالكة لتقدّمه وتوغله، ولكنني أقرب منهم إلى العدو". ركز نظراته على مشهد جنود العدو، وهم ينفّذون الإنزال على بعد أمتار. ها هم يعمدون إلى دخول البيوت الواقعة على طرفي الطريق المؤدية إلى الساحة للتأكد من خلوها. إنهم يخلعون الأبواب الخارجية بوحشية وعنف ويطلقون رصاص رشاشاتهم بكل اتجاه. دخلوا منزله. وقف يعاينهم بفضول من ينتظر ماذا سيحدث. عنفت دقات قلبه: "لماذا لم يخرجوا بعد؟ ماذا يفعلون في الداخل يا ترى؟". رآهم يدخلون البيوت الأخرى، ويخرجون منها سريعاً. لكنهم أطالوا المكوث في منزله. هل طاب لهم الجلوس؟ هل هم يقصدون بيته أم أن موقعه أعجبهم فقرروا الاستقرار فيه؟ مرت نصف ساعة على دخولهم، وهو جاثم في مكانه. إنه يراهم جيداً، يصولون ويجولون في باحة المنزل. يبدو أنهم حوّلوه إلى غرفة عمليات: واحد، اثنان، ثلاثة، خمسة، عشرة بل خمسة عشر جندياً على الأقل. هذا ما استطاع أن يعدّه.

ـ "عليّ أن أفعل شيئا فالصيد وفير، والرزق زحف إليّ برجليه. سأعطي إشارة للشباب بتغيير خطة الرد، وعدم التعامل معهم، وترك المسألة لي، فأنا أحق منهم جميعاً. القوم في ضيافتي، وعليّ أن أحسن ضيافتهم، أليس كذلك؟ الاقتحام ليس وارداً، فأنا وحدي لن أستطيع أن أفتح معهم مواجهة مباشرة، لكن المدفع موجود وسأخرجه من المخبأ بدقائق".
صمت قليلاً ثم أردف مخاطباً نفسه: "إذن ليس أمامي إلا أن".
لحظات مرت وهو يدور في دوامة أفكاره:
ـ ماذا؟! أقصف بيتي وأدمره على رؤوسهم؟ أدمر منزلي بيدي؟!
ـ خمسة عشر جنديّاً في قبضتي. أقضي عليهم بضربة واحدة!
ـ لكن ماذا عن المنزل؟. يا إلهي، لست أسأل عن الماديات، بل عن المعنويات. البيت أثري، ويعني لي الكثير، فهو الشيء الوحيد الذي ورثته عن أبي.
ـ يجب أن أقوّي قلبي، وأقصف.
ـ لحظة.. ماذا عن الذكريات؟ ماذا عن القطع التي شرّفتني قيادة المقاومة بالاحتفاظ بها بعدما غنمتها في العمليات؟ ماذا عن صور الأولاد؟
ـ سأقصف.
ـ ماذا عن اللوحات التي رسمَتها زوجتي هدى، وحضَّرَتها لمعرض المدرسة؟
ـ سأقصف.

ـ نعم سأقصف.. بالطبع سأقصف، منزلي ليس أغلى من منازل الآخرين. سأدمره على رؤوس جنود العدو، ويكفيني بذلك شرفاً وفخراً. سأقصف المنزل، وأدمره، وستكون هذه هي الذكرى التي سأحملها رصيداً وإرثاً لي. ستكون هذه هي الصورة التي سأحتفظ بها في ألبوم العائلة. وستكون هذه هي اللوحة التي سأعرضها في معرض هدى. سأقصف.. زحف إلى المخبأ، وما هي إلا دقائق حتى أخرج المدفع.. أداره بهدوء وتصميم باتجاه منزله، ذخّره بعناية، ثم أطلق قذيفته، وهو يشعر بدفء يجري في عروقه. وقف برهة يعاين أعمدة النار والدخان قبل أن يدير ظهره، ويجدّ السير باتجاه الرفاق تمهيداً للمواجهة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

بيروت

محمد رعد.

2019-02-19 20:31:08

أعجبتني جداً و أنا من متابعي الأخت إيفا. و لكن لم يعجبني إستبدال اللهجة الجنوبية بالفصحة. وفقكم الله.

بيروت الضاحية حي السلم

حسام

2019-02-19 21:11:16

قصة رائعة ومشوقة