رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

شهيد الوعد الصادق: حسن محسن (هادي الحر)

نسرين إدريس قازان



اسم الأم: وفاء منتش
رقم القيد: 47
الوضع العائلي: عازب
محل وتاريخ الولادة: الدوير، 16/2/1980
مكان وتاريخ الاستشهاد: عيتا الشعب 7-8-2006

وأخيراً هدأ الوجع الذي فتك به طوال سنوات، وبقيت علبة الدواء الأخيرة التي اشتراها قبل يوم واحد من استشهاده كما هي.. أغمض حسن عينيه الخضراوين كربيع نضر والمختزنتين لحزن عميق لم يعرف أحد سرّه، وبالقرب منه كتابُ القرآن الكريم مفتوحاً على سورة "يس"، والسبحة التي لم يخلعها يوماً من رقبته لوّنها دمه الساخن..

رحل حسن عن دنيا لم تمنحه ريشة وردية، فطالما أتعبته وغالبها، وعرف بصبره ووعيه كيف يبقي ظروفه الصعبة والقاسية طوع إرادته، فمنذ أن وجد نفسه مسؤولاً عن أمه وأخوته بعد انفصال والديه وهو لا يزالُ فتىً في مقتبل العمر، ترك دراسته قبيل أن يقدم الامتحانات الرسمية في البكالوريا الفنية في اختصاص العلوم التجارية، وخاض معترك العمل المختلف والذي لم يفلح به كثيراً بسبب انتسابه المبكر إلى صفوف المقاومة الإسلامية، التي أعطاها الأولوية في حياته منذ أن كان في الثالثة عشر من عمره، واختار التفرغ في صفوفها في نهاية الأمر.

تربى حسن في بيئة ملتزمة، ولكنه ترك فيها الأثر الكبير في الكثير من التفاصيل الإيمانية، والالتفاتات التي لا تخطر في بال أحد، فعند وفاة الإمام الخميني العظيم، ركض ابن التاسعة إلى غرفته واقفل الباب على نفسه تاركاً لأحزانه أن تبوح بما يسكن في قلبه من محبة وعشقٍ لهذا الإمام، ومنذ استشهاد السيد عباس الموسوي في 16 شباط وهو يوم ميلاده، رفض أن يعايده أحد بهذه المناسبة، معتبراً أن هذا اليوم يوم حزنٍ كبير. بدأ حسن يُعلّم نفسه الأحكام الشرعية من كتاب "الإسلام رسالتنا"، حتى إذا ما بلغ السن الّتي يُسمح له فيها بالمشاركة بالدورات الثقافية سارع للالتحاق بها، لينطلق في مسيرة تثقيف نفسه الثقافة الدينية الأصيلة التي انعكست جلية في شخصيته، فحسن لا يؤخر صلاته مهما كان الأمر وأينما كان، محافظاً أيضاً على المستحبات مع كل فريضة، أما في يوم ولادة أو وفاة أحد الأئمة عليهم السلام فإنه كان يذكّر من حوله بالمناسبة ويقرأ زيارته، ولطالما كان يؤنس من حوله بصوته الجميل والشجي وهو يقرأ الدعاء بروحانية عالية ونفس صافية.

* عطاءٌ من الإيثار
عاش حسن حياته معطاءً مؤثراً، ولم يعرف أحد قطُّ بما له وما عليه، فهو على الرغم من مروره بظروفٍ مادية صعبة وقاسية، لم يألُ جهداً في السعي لتأمين ما أمكن لسدّ حاجةِ أحد رفاقه، فإن عرف أن أحدهم استدان مبلغاً ولم يعد قادراً على تسديده، بادر إلى تأمين المبلغ من دون أن يعرف الشخص الجهة التي ساعدته، بعضهم عرف مساعدته له بعد استشهاده. ولم يقصده أحد في خدمة إلا وكان على قدر المسؤولية والخدمة. وعندما أراد حسن أن يحج إلى البيت الحرام، جمعَ له رفاقه تكاليف الرحلة وقدموها له هدية عرفاناً منهم له بإيثاره للآخرين دوماً. 

كان لحسن العديد من الرفاق والمعارف. عندما كان يلتقي بأحد منهم لم يكن يكتف برفع اليد من بعيد، بل يبادر إلى الوقوف مع من يعرفه، وهم كثر، ليسأله عن أحواله، وكان ذلك سبباً في تأخره عن مواعيده وارتباطاته. وعلى الرغم من بشاشة الوجه وابتسامته الدائمة، إلا أنه كان دقيقاً جداً في أسلوب تعامله مع الآخرين، فكان يتحفظُ على البسمة قبل الكلمة، ولم يستطع أحد أن يعرف عنه شيئاً لشدة تكتمه، فكثيرون كانوا يظنون أنه ميسور الحال، في وقتٍ قد لا تجد فيه في جيبه أجرة الطريق. كان حسن يحمل دائماً همّ أمه وأخوته، فكان يسعى ليلاً نهاراً ليؤمن لهم ما يحتاجون إليه، وكان معيناً لهم في شؤونهم، فيساعد أمه في أعمال المنزل، وإذا أرادت الخروج بزيارة، رافقها، وانتظرها لتنتهي من زيارتها ليعيدها إلى المنزل، وذلك حتى لا تركب في سيارة الأجرة أو تذهب مشياً. وعندما كانت أخته تهيئ بيتها الزوجي ساعدها في ترتيب وتنظيف كل شيء، كما أنه حافظ على علاقة طيبة بأبيه وأخوته منه، فكان دائم الزيارة لهم والسؤال عنهم.

* مجاهد رغم الجراح
منذ أن التحق حسن بصفوف المقاومة عُرف عنه أنه شاب جريء فكان يهتم لمعرفة أخبار أي مهمة جهادية جديدة حتى لا تفوته، كما خضع للعديد من الدورات العسكرية، حيث تعرّض للإصابة أكثر من مرة، ولكن أقسى ما تعرض له في إحدى الدورات هو اهتراءٌ أصاب أمعاءه ما اضطرّه للخضوع لعدة عمليات جراحية، وكان الألم قوياً لدرجة أنه اضطر إلى ترك عمله في المحاور المتقدمة، فكان يتناول دواءً دائماً ليخفف من الألم الذي لازمه طوال السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من أن ثمن الدواء كان باهظاً جداً إلا أنه لم يسمح لأحد بأن يعرف مدى صعوبة تأمين ثمنه. سنوات طويلة من الجهاد قضاها كانت فيها الشهادة قاب قوسين أو أدنى منه، فمرةً تعرض ورفاقه لقصف مباشر من الطيران الإسرائيلي أثناء قيامه بعملية عسكرية، فظن المجاهدون أن المجموعة قد استشهدت بأكملها، ولكن ما إن هدأ القصف حتى خرج الجميع سالمين من كوة صغيرة.  بعد خمس سنوات على ترك دراسته أراد حسن أن يقدم الامتحانات الرسمية، ولكن موعد الامتحانات تزامن مع التحرير، فترك كل شيء والتحق بمركز عمله في الجنوب ليعود بعد أيام معتلياً دبابة، وشارك يومها في عرض الغنائم الذي أقامته المقاومة الإسلامية آنذاك في أغلب المناطق اللبنانية.

* وغاب وجه حسن
شارك حسن في عملية أسر الجنديين الإسرائيليين في تموز من العام 2006، وبقي في قرية عيتا الشعب حيث شارك في قتل العشرات من الجنود الإسرائيليين وتدمير آلياتهم. ومع اشتداد الحرب، بقي حسن على ما هو عليه، صامداً على الرغم من اشتداد الألم في بطنه لدرجة ان الدواء المسكن لم يعد يجدي معه نفعاً. بعد حوالي ثمانية وعشرين يوماً من الصمود، قرر العدو الصهيوني تدمير القرية تدميراً كاملاً ليتسنى له دخولها، فلاقى مقاومةً عنيفة أخرته لأيام، واستشهد حسن ورفاقه في التصدي البطولي، وفيما كانت الدبابة تقترب من مكان وجود الجثامين الطاهرة وقبيل أن تصل بمسافة صغيرة جداً توقفت... غاب وجه حسن عن أحبائه، ولكنه مشرق دوماً، بتلك الابتسامة، بذكرياته التي لا تنسى، فوق شغاف القلب، فهو كان حراً في خياره، وهادياً بدمائه.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع