رجب: شهر الله الأصبّ مناسبة: هي ربيعٌ يتجلّى في عيد مجتمع: معلّمون شهداء.. بالقلم والبندقيّة الشيخ راغب حرب: كافل الأيتام خدمة الناس: ثقافة ومسؤوليّة ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان

من القلب إلى كلّ القلوب: أمّ عماد أمُّ الشهداء


سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله)


بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك: 1-2). صدق الله العليّ العظيم.

نحن فيما نفهمه من القرآن الكريم ورسالات الأنبياء وكلماتهم، أنّ هذه الحياة الدنيا هي حياة امتحان واختبار وابتلاء. والدور الحقيقيّ لهذه الدنيا في منظومة الحياة ككلّ، كدنيا وآخرة، هي أنّها الدار التي يُعطى فيها للإنسان كامل الحرية والاختيار، ويسخّر له كلّ الوجود من أجل أن يثبت لياقته واستحقاقه للحياة الحقيقيّة في العالم الآخر. لذلك، هي دار الممرّ والمعبر، وهي باب العمل، وساحة الفعل والاختيار، والحياة الحقيقيّة والخالدة هناك.

* منذ الصبا: حسّ المسؤولية
الحاجة أمّ عماد، عبرت هذا الامتحان، عاشته عمراً طويلاً ومديداً، من البداية، منذ الصبا، منذ أن كانت فتاة صغيرة وشابّة يافعة، أنعم الله سبحانه وتعالى عليها بنعمة الإيمان والهداية والالتزام الدينيّ بكلّ ما يعنيه من عبادة وسلوك وعفّة وحجاب، وأعطاها سبحانه وتعالى أيضاً إلى جانب الإيمان والعبادة، الحسّ بالمسؤوليّة تجاه العائلة والناس والرسالة والقضايا التي تعني الأمّة.

أعطاها الله تعالى حسّ المسؤولية لتشارك أباها وعائلتها في تحمّل أعباء العيش الصعب في ذلك الزمن الصعب، والذي ما زال صعباً على أكثرية العائلات في لبنان، فعملت في مهنة الخياطة، ومن ثمّ مهنة التمريض، وهي شابّة لم تبلغ العشرين، وكانت تحمل همّ إيصال هذه الرسالة الإيمانيّة إلى الآخرين من أبناء جيلها، تعلّمهم الصلاة وتلاوة القرآن، وتحثّهم على فعل الخيرات والعمل الصالح.

* الإيمان بالعمل الجماعي المنظّم
تلك كانت البدايات مع الشابّة آمنة، البدايات في التبليغ الدينيّ والإيمانيّ، إلى العمل الاجتماعيّ والاهتمام بالفقراء والأيتام والمحتاجين، إلى العمل الثقافيّ وإقامة الندوات الثقافيّة، إلى المساهمة في التأسيس، عبر إيجاد الجمعيات أو المؤسّسات التي تُعنى بالشأن الثقافيّ أو التبليغيّ والاجتماعيّ أو الطلّابيّ أو الكشفيّ. وهذا يبيّن إيمانها المبكر بالعمل الجماعيّ المؤسّساتيّ المنظّم الذي هو بالتأكيد أشدّ تأثيراً وأفضل نتيجةً وإنتاجاً، مضافاً إلى أنّ بيتها، منذ البداية، كان داراً لكلّ هذا النشاط وهذه الفعاليّات إلى أن أصبح بيتاً من بيوت المقاومة.

* الإنجاز الأهمّ: صنع الإنسان
يقول الإمام الخمينيّ قدس سره: "أُوكل إلى المرأة ما أُوكل إلى القرآن، صنع الإنسان". وما يسجّل لأمّ عماد، مضافاً إلى نجاحاتها، نجاحها في صنع الإنسان المؤمن، المجاهد، المضحّي والمقاوم، والثابت القَدَم حتى آخر نفس وآخر قطرة دم. لذلك، كانت أمّ عماد نموذج المرأة المؤمنة والصابرة، والأمّ التي قدّمت كلّ أولادها: فؤاد، جهاد وعماد، شهداء، وفي حياتها، وشيّعتهم الواحد تلو الآخر، وزادت الأبناء حفيداً الشهيد جهاد عماد مغنيّة، بل والمفتخرة بما اختاره الله سبحانه لأبنائها من مصير، وهو خاتمة الشهادة.

* الناس تخافه وهو يخاف أمّه
الحاجّة أمّ عماد، قدّمت لحزب الله ولمقاومتنا قائداً استثنائيّاً، هو الشهيد القائد الحاج عماد مغنيّة. لقد كان استثنائيّاً، بفعل التربية، وبفعل تنشئة هذه الشخصيّة، حيث كان لأم عماد تأثير كبير جدّاً في بناء شخصيّته، وكان ( رضوان الله عليه) يَحسب لها حساباً. ومن باب النكتة يقول بعضهم: "الناس تخاف من عماد، وعماد يخاف من أمّه"، وهذا الخوف بمعنى الحرص على رضاها، وعلى عدم إزعاج خاطرها بشيء. أمّ عماد واكبت شخصية عماد، واهتمّت بتربيته، وخصوصاً في البعد الدينيّ والإيمانيّ والعباديّ والجهاديّ، والحثّ الدائم على تحّمل المسؤوليّات، فكانت له أمّاً حقيقيّة، وحاضناً كبيراً في خياراته الصعبة كلّها.

* معركة التثبيت مقابل التثبيط
الحاجة أمّ عماد حضرت بقوة وفي مرحلة حسّاسة جدّاً من تاريخ مقاومتنا، حضرت في كلّ مناسباتنا، وفي بيوت شهدائنا، ولم تتوانَ أبداً، كانت تعتبر أنّها تكمل رسالة دم أبنائها الشهداء.

استقبلت أعداداً كبيرة من الوفود التي تركت فيهم تأثيراً بالغاً؛ إذ إنّ المضمون الذي كانت تقدّمه الحاجة أمّ عماد من خلال حديثها الطيّب والعفويّ، كان يمثّل معركة الحرب المعنويّة، والنفسيّة والإعلاميّة، وما نسمّيه معركة التثبيت. فهي كانت في كلّ مناسبة، وفي كلّ بيت، تشدّ العزائم، وتقوّي الهمم، وتشحذ الإرادات، وتتحدّث عن الصبر، وعن الثبات، وعن الانتصارات، وعن الفلاح، وعن النجاح، وعن العزّة، وعن الكرامة، وعن السؤدد في الدنيا والآخرة، الذي يقدّمه طريق المقاومة والجهاد والتضحيات، في مقابل معركة التثبيط، تثبيط العزائم.

* دور مميّز من قلب الحدث
كان دور أمّ عماد مميّزاً، كدور السيّدة زينب عليها السلام، التي استطاعت بفعل كلامها أن ترسم خطّاً ثابتاً طوال التاريخ، وأن تبعث أنّاتها وكلماتها هذا الشعور القويّ، وهذا الصبر الجميل في قلوب النساء والأمّهات طوال التاريخ. هذا الذي جعل زينب عليها السلام سيّدة مختلفة في فعلها وتأثيرها، في كلامها، في موقفها، هذا الذي جعلها مضافاً إلى صفاتها الذاتيّة، قائداً استثنائيّاً، وامرأة استثنائيّة في التاريخ. ومن هذا الموقع كانت أمّ عماد مؤثّرة في مسيرتنا، وحركتنا، ومقاومتنا، وفي عوائل شهدائنا، وفي هذا الصبر الجميل والعظيم كلّه.

* مدرسة انتصار الدم على السيف
أقول للسيدات؛ من أمّهات وزوجات وبنات الشهداء: مسؤوليّاتكنّ كبيرة جدّاً، وهي مسؤوليّة زينبيّة؛ مواصلة الطريق، وتبيين طريق الشهداء وخطّهم وأهدافهم، وأحقّيّة هذا النهج الذي يواجه اليوم ويعمل على تحدّيه وعلى محاصرته في الساحات كلّها، وفي الميادين كلّها، وهو أقوى من الحصار، وهو أقوى من الحديد؛ لأنّه ينتسب إلى مدرسة انتصار الدم على السيف.

في الختام، أمّ عماد اليوم بعد رحيلها كما كانت في حياتها، هي رمزٌ من رموز مقاومتنا وجهادنا ومعركتنا وصمودنا وانتصاراتنا، وستبقى كذلك، وسيبقى لها هذا الأثر الخالد إن شاء الله.


(*) كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) في حفل تأبين أم الشهداء الحاجة أم عماد مغنية في تاريخ 12-10-2018.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع