ولاية الفقيه نصرٌ من الله نور روح الله: الاستقامة لله سبيل الانتصار(*) مع الإمام الخامنئي: الشهادة تجـارةٌ رابحة(*) من القلب إلى كلّ القلوب: القادة الشهداء: أشخاصٌ استثنائيّون نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة

مقابلة: أمّ عماد: قصّتي مع الشـهـداء


هيئة التحرير

هي أمّ، ككلّ الأمّهات، عملت على حماية أبنائها من الانحراف في زمن تكاثرت فيه الأحداث والحركات السياسيّة، فضلاً عن غياب النشأة الدينيّة حينها. هي أمّ صنعت قادة عبر زرع الإيمان والالتزام وحسّ المسؤولية فيهم، وعاصرت قادة، أخذت منهم الزاد والقضية.

في مقابلة حصريّة أجرتها مؤسسة الشهيد(1)، مع "أمّ الشهداء"، تُنشر للمرة الأولى على صفحات مجلّة بقيّة الله، تبوح أمّ عماد بعلاقتها بالشهداء الأبناء، والشهداء القادة، وتروي لنا بعضاً من تلك الحكاية.


أولاً: الشهداء الأبناء
* أمّ عماد، هي أم فؤاد وجهاد أيضاً، كيف تعرفيننا على شهدائك الثلاثة؟
نبدأ بالبكر، الحاج عماد (1962م-2008م). كان عماد هادئاً في صغره، مخلصاً لمن حوله، يعتبر نفسه مسؤولاً عن معارفه ورفاقه، ويدافع عنهم إذا ما أصابهم مكروه. الوقت ذو فائدة بالنسبة إليه، حتى اللعب كان يفضّل الألعاب الحسابية. وفي الثامنة من عمره كان يدرس ويعمل في آن واحد في مطعم الوالد الحاج "فايز مغنيّة". أمّا الشهيد فؤاد (1963م-1994م)، فكان كثير الحركة، خفيف الظلّ، يحبّه كلّ من في الحيّ لنشاطه وخفّة دمه. كان يجيد التحدّث مع الآخرين. أذكر أنّ جارةً لنا كانت تسأله: ماذا تعلّمت اليوم يا فؤاد؟ فيبدأ بتعداد ما تعلّمه بشكل منظم، من واحد إلى عشرة، فلم يكن يختصر الكلام.

أمّا أصغرهم سنّاً "جهاد" (1966م-1984م)، فكانت طفولته صعبة، بحيث تزامنت مع بدء أحداث الحرب الأهليّة سنة 1975م، إضافة إلى بداية النّشأة الإسلاميّة. في هذه الفترة، أقفلت المدارس أبوابها، فقال لي، وكان لم يتجاوز التاسعة من عمره: "دخلك أنا هيك بدّي ضل قاعد؟ لازم اشتغل شي شغلة". فأحضر صندوقاً خشبياً وعدّل في شكله ليبيع السّكاكر التي أحضرها من المعمل خلف منزلنا في الغبيري. كان تفكيره إنتاجيّاً مثل "عماد"، إذ كان مصروف مدرسة الأخير يبقى كما هو، وعند سؤاله عن السّبب يقول: "شو بدي إشتري علكة وبون بون متل الأولاد؟"، فكنت أجيبه: "ألستَ مثلهم ولداً؟"، فكان يعترض: "لا، أنا مش ولد".

* عندما تستحضرين صورهم، ما هو أول شيء تتذكرينه عن طفولتهم؟
أتذكر علاقتي بهم. لقد كانت مبنيّة على الشّفافيّة المطلقة، فهم كانوا يحدّثونني عن تفاصيل يومياتهم. تجول الآن قصص كثيرة في خاطري، حول مشاكلهم الصّغيرة مع الأصدقاء الّتي كنّا نتدخل لحلّها في بعض الأحيان. في المدرسة، عماد كان هادئاً، لا ملاحظات كثيرة عليه. في المقابل، فؤاد كان كثير الحركة، لعلّها كانت الملاحظة الأبرز بين المعلّمات على الرّغم من محبّتهنّ له.

كثيراً ما تحضرني شخصية الشهيد عماد، بوعيه الباكر وتديُّنه، فقد روت لي مؤخراً ابنة جارتنا أنّ عماداً كان يشارك أبناء الجيران (صبياناً وبناتٍ) اللعب في ساحة البناية، ولأنّه يحمل نزعة عدم الاختلاط كان يفصل بينهم، فبات للصبيان مساحة، وللفتيات مساحة أخرى للعب دون اختلاط. هذا وعماد كان في التاسعة من عمره فقط.

* من أين بدأت مع الشهداء بالتربية الإسلامية والتثقيف الديني والالتزام؟ وهل هناك ظروف خاصّة قد ساهمت بذلك؟
كان كلّ همّي مُنصبّاً على عدم انحراف أيٍّ من أبنائي دينيّاً، والمحافظة على دينهم وأخلاقهم. كنت أقول عن أحدهم: "يروح وين ما بدو يروح، بدو يموت يموت! بدو يستشهد يستشهد، مش فارقة معي"، المهم أن لا ينحرف دينياً. كان همّي أن يحافظ كلّ منهم على حركته الدينية، إسلامه، صلاته، صومه، تكليفه.

كما ساهمت في النشأة الدينيّة أحداث 1975م، وانطلاقة السيّد موسى الصدر 1976م، إلى فترة أول اجتياح إسرائيلي (1978م)، وتأسيس اتحاد الطلبة، وبدايات شرارات ثورة الإمام الخميني قدس سره في إيران الإسلام، كل ذلك ساهم في وعي ذلك الجيل إسلامياً، حيث بدأ العمل في المساجد على تثقيف الشباب ودفعهم للعمل الإسلامي. وبطبيعة الحال، كان عماد الأكبر، فكنت أطلب منه الاهتمام بإخوته ليحضروا الصلاة في المسجد، والاستفادة من تلك الرّوحية المتوفرة حينها.

* المسجد، إلى أيّ حد كان عاملاً جاذباً لهم وهم شباب في مقتبل العمر؟
للمسجد معهم قصص، مثلاً عندما انتقلنا من بيروت إلى طيردبا عام (1976م)، لم تكن أرض منزلنا (مصبوبة)، إذ كانت أرضاً ترابية كـ (الحاكورة) تماماً، وقبل أن ندخل طلبت من كلّ منهم: عماد (13 سنة)، وفؤاد (12 سنة)، وجهاد (9 سنوات) أن نصلي جميعنا ركعتين شكراً لله الذي أنعم علينا بمنزل، فيما ثمّة أناس لا سقف لهم. ذهبوا إلى المسجد وأحبّوه، ومن حينها إلى ما يقارب العشرة أشهر في القرية كان الشغل الشاغل لدى عماد خاصّةً الاهتمام بشباب القرية في ظلّ الارتداد عن الدين وعن الصلاة، فأصبح عمله المسجد. وقد تعاظم هذا الاهتمام كثيراً؛ ففي أحد أيام شهر رمضان قال لي: "إنّ المسجد غير نظيف، ويحتاج إلى طلاء". بعدها، طلب مني إيقاظه وقت السحور، ليعود ظهراً وهو ملطّخٌ بالتراب، وفي يده "ضمة فرفحين"، قال لي: "للفتوش"، من عمله في بستان خضار، وأعطاني خمس ليرات لأدّخرها له، حتّى اكتمل المبلغ المطلوب لطلاء المسجد، وقام بذلك بمساعدة مجموعة، منهم الشيخ حسين غبريس، والشيخ وهيب مغنية. هذه القصة حصلت والشهيد عماد لم يمكن يتجاوز الرابعة عشرة عاماً.

أمّا قصة المسجد وجهاد (المميز دينياً)، فقد كان يلتقي ورفاقه للذهاب إلى المسجد من الصباح الباكر، وقد ساهم تقريباً في انطلاقة الحالة الدينيّة في القرية. وفي هذه الفترة قمنا بتخصيص أربعة أيام في الأسبوع (يومين للفتيان، يومين للفتيات) لتعليم الصلاة وإعطاء الدروس الدينية في المسجد.

ثانياً: الشهداء القادة
* تلك الفترة الذهبية، فترة الشيخ الشهيد راغب حرب والسيد الشهيد عباس الموسوي (رضوان الله عليهما)، وباكورة المقاومة بحلْوها ومرّها. ماذا تحدثيننا عن الشيخ راغب ورحلة الحج؟
كان الشيخ راغب بطبيعته متواضعاً ترابياً، جمع بين الجانب المعنويّ الدينيّ وبين بُعد المقاومة. وفي بُعد المقاومة جمع بين بُعدين أيضاً، الإنسان العسكريّ، والإنسان صاحب الفكر والنظر في كيفية تعاطيه مع هذه المقاومة. أما في رحلة الحج إلى بيت الله الحرام، فقد رافقنا الشيخ أنا والحاج عماد في عام (1980م)، وكانت الحرب العراقية الإيرانية في بدايتها. حينها عمل الشيخ راغب والحاج عماد على إيصال الفكر الخمينيّ ومفهوم الثورة الإسلامية عبر لقائهما مع بعثات الحجّاج. لذا، لم تكن مجرّد رحلة حجّ، بل كانت رحلة عمل وتبليغ أيضاً. هذا ما قبل مرحلة المقاومة.

أمّا خلال مرحلة المقاومة، وخلال فترة الاجتياح، فقد كان الشيخ راغب يعمل للمقاومة، فقام الصهاينة بملاحقته واعتقاله لفترة، وما إن أُطلق سراحه حتى نزل إلى بيروت؛ ليلقي محاضرة ويحث على ضرورة المقاومة وينبّه من خطر الصهاينة، حينها قلت له: أتمنى أن تبقى في بيروت ولا تعود إلى الجنوب، فقال: "ولمن أترك الجنوب؟ مكاني هناك فقط". واستشهد بسبب صلابته تلك، وكان لشهادته بصمة كبيرة في تاريخ المقاومة.

* أي ذكرى مميّزة تستحضرك عند الحديث عن السيد عباس الموسوي (رضوان الله عليه)؟
تواضعه، فإنّ السيد عباس من القادة الذين يحملون عشقاً للمقاومة، والقدرة على الصبر والتحمّل. وقد توطدت أواصر العلاقة بين عائلتنا وعائلته خلال سكنهم في "طيردبا". أذكر حادثة لطيفة، توقفت سيارة أمام منزلنا في "طيردبا"، وترجّل منها السيد عباس والشيخ حسين غبريس، وقالا لي: نود أن نمكث عندك قليلاً خارج الدار في الباحة، فأحضرت (الطرّاحة) والوسائد. سألني بعدها: ماذا يوجد لديك من الطعام؟ قلت له: الآن وصلت من بيروت، وسارعت لتحضير (برغل على بندورة)، وقدمتها مع الزيتون والشاي. "هذه نعمة، نشكر الله ونحمده عليها"، قال السيد عباس. في ذلك الوقت، كان يقوم بإدارة عملية ما عبر الأجهزة، فسمعته يقول: "الله أكبر، نجحت العملية"، فاعتقدت أنّ ثمّة أحداً في المستشفى، ليتبيّن لي أنّ المجاهدين قد قاموا بعملية كبيرة ونجحت. قلت: إذاً نحن من المساهمين في هذه العملية. قال: "إن شاء الله من المساهمين". بهذا التّواضع كان السّيّد يتعاطى مع المقاومة والمجاهدين. كان بإمكانه المكوث في أيّ بيت فاخر، لديه سيارته ومعه فريق حمايته، لديه كل شيء وبإمكانه أن يرسل أحدهم لشراء أفضل طعام من صور، إلّا أنّه كان ينتمي إلى مدرسة أمير المؤمنين عليه السلام.

* أخيراً، "دم الشهيد إذا سقط، فبيد الله يسقط" هي مقولة الشيخ راغب، و"الوصية الأساس حفظ المقاومة" مقولة السيد عباس، أين مقولة الحاج عماد؟
كان همّ الحاج عماد أن تستمر المقاومة حتى ظهور الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف. كنت ألاطفه بالقول: "متى سننتهي ونرتاح؟"، فيقول: "لا توجد راحة الآن، هذه المقاومة مستمرة إلى حين ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف". جملة كان يردّدها كثيراً. وإن شاء الله سنبقى مستمرّين.


1- أجريت المقابلة في شهر أيلول، 2016م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع