نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

الجبهة ساحة العرفاء

(لقاء مع سماحة الشيخ إسماعيل سعادت(*))

حوار: السيّد محمد السيّد موسى


كشعلةِ النور هو، عايش المجاهدين ردحاً من الزمن وما زال، كانت الجبهة وأماكن التدريب بيته الأوّل، يتنقّل بين المجاهدين، ينثر بينهم العلم والمعنويّات، ويستلهم منهم دروس العزّة والإباء. إنّه سماحة الشيخ إسماعيل سعادت، أحد المبلّغين الذين عايشوا كثيراً من المجاهدين، سيفيض علينا بما يسقي غرسة الشباب، لتقوى على الثبات والمواجهة، متمثّلةً أخلاق أميرها أمير الجهاد عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

س: يُنقل عن الإمام الخميني قدس سره أنّه كان يقول: إنَّ المجاهدين هم العرفاء الحقيقيّون. كيف تكون الجبهة ساحة العرفاء؟
ج: يجب على المجاهد مراعاة كمال النيّة في الإخلاص لله. يقول الإمام السجّاد عليه السلام في دعاء أهل الثغور: "وأَنْسِه ذِكْرَ الأَهْلِ والوَلَدِ"؛ أي أَخرِجْ من قلبه كلّ ذكر لغيرك، "وَاجْعَلْ فِكْرَهُ وَذِكْرَهُ وَظَعْنَهُ فِيكَ ولَكَ"؛ أي اجعل حواسه وجوارحه كلّها مشدودة إليك.

من المعلوم لنا، أنّه حينما بدأ الأعداء الهجوم في اليوم التاسع من محرّم، أَمر الإمام الحسين عليه السلام أخاه العباس، وقال: بنفسي أنت يا أخي، اذهب إلى هؤلاء القوم، وقل لهم أن يؤخّروا المعركة للَيلة حتّى نصلّي لربّنا وندعو ونستغفر، إنّي أحبّ الصلاة والدعاء والاستغفار. ولكن لماذا أراد الإمام الحسين عليه السلام مهلةً لليلة؟ هل ليعيش ليلة أخرى؟ لا، إنّما أراد الاتصال بالله ومناجاته والاستغفار في حضرته. وكذلك أصحابُه، فقد كان لهم دويٌّ كدويّ النحل، بين راكع وساجد وقائم وقاعد، الجميع كان يبكي ويئِنّ في حضرة الله. كانوا متّصلين بالله.

وفي فترة الدفاع المقدّس، كانت لنا عمليّة باسم "كربلاء 5" في منطقة "شلمجة". بدأتْ هذه العمليّة بعبور جنودنا من الماء، وعبور الغواصين بزوارقهم للوصول إلى المناطق التي كان يتموضع فيها العدوّ. بعد العملية، التقيتُ بقائد فرقة الغوص، وسألته: كيف رأيتم ليلة العملية؟ قال: عندما ألقيتُ بالإخوة الغوّاصين في الماء، لم يكن قد حان منتصف الليل بَعْدُ، وبعدما غاصوا لمسافة قصيرة، انتصف الليل، التفتتُ إلى أنّ أحدهم يقول: "سبحان ربي العظيم وبحمده"، وآخر يقول: "سبحان ربّي الأعلى وبحمده"، وآخر يقول: "إيّاك نعبد وإيّاك نستعين"، ورابع يقول: "أشهد أن لا إله إلّا الله". دقّقتُ النظر، فرأيتُ الإخوة الغوّاصين يؤدّون صلاة الليل في الماء. لم يفوّتوا عليهم صلاة الليل الأخيرة. هذا هو الاتصال بالله، وهذا هو عرفان المجاهد. من هنا، نفهم ما قاله الإمام الخمينيّ قدس سره: "خنادق جبهاتنا هي محلّ المناجاة في محضر الله. إنّ مجاهدينا في الجبهات هم العرفاء في محضر الله، فإذا أردتم العرفان بمعناه الحقيقيّ فاذهبوا إلى الجبهة".

س: مضافاً إلى الإخلاص وذكر الله، ما هي الصفات الأخلاقية والمعنوية التي يجب أن يتحلّى بها كلّ إنسان مجاهد؟

ج: بعد ذكر الله والتوجّه إليه، ينبغي أن تسود الرحمة والرأفة والعطف بين مجاهدينا وتزداد وحدة الكلمة بينهم، فتزيد العناية الإلهيّة بهم. يقول الإمام في دعائه: "وألِّفْ جمعهم". في معركة أُحُد، كان الماء قليلاً، أحضَروا الماء إلى مجاهد مجروح، قال: أعطُوا الماء لهذا، فهو أشدّ حاجة منّي إليه، ذهبوا إليه: قال أعطُوا لهذا... وهكذا آثر كلُّ واحد من هؤلاء الثلاثة أو الأربعة غيرَه على كأس الماء. عادوا إلى الأول فوجدوه قد استُشهد، وكذا الثاني والثالث. هكذا كانت الرحمة والمودة بينهم.

الصفة الثانية هي أن يتواضع بعضهم لبعض، وأن يتكبّروا في وجه العدوّ. يقول تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29)، ويقول أمير المؤمنين عليه السلام في مدح مالك الأشتر: "إنّ الرجلَ الذي كنتُ ولّيتُه أمرَ مصر، كان لنا رجلاً ناصحاً، وعلى عدوّنا شديداً لامعاً"، وفي مكان آخر يمدحه قائلاً: "أشدُّ على الفجّار من حريق النار".

والصفة الثالثة هي البصيرة، والتي تفيد في تشخيص العدوّ من الصديق بشكل جيّد. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في واقعة الجمل: "ألا وإنّه لا يحمل هذا الألمَ إلّا أهلُ الصبر والبَصَر". إحدى العِبَر المستخلَصة من عاشوراء هي فقدان البصيرة عند أفراد جبهة العدوّ، وقد وصف الإمام السجّاد عليه السلام هذا الأمرَ حين قال: "لا يومَ كيوم الحسين عليه السلام، ازدَلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الأُمّة، كلُّ يتقرّب إلى الله عزّ وجلّ بدمه، وهو بالله يذكّرهم، ولا يتّعظون، حتّى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً". كان العدوّ يتصوّر -والعياذ بالله- أنّ الحسين عليه السلام عدوُّ الله، وَقَدِمَ إلى ساحة المواجهة على أساس معتقَد "اذهب وتقرّب إلى الله بقتل الحسين"؛ فَقْدُ البصيرة يؤدّي إلى هذا الانحراف.

يقول الإمام الصادق عليه السلام في حقّ أبي الفضل: "كان عمُّنا العباسُ بن علي بن أبي طالب نافذَ البصيرة، صلبَ الإيمان، جاهد مع أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً". فكان أبو الفضل عليه السلام على درجة عالية من الصلابة والبصيرة.

س: كيف نعدُّ جيلاً شابّاً ومجتمعاً ذا روحيّة وثقافة جهاديّة؟
ج: يجب أن نروّج للثقافة الجهادية عبر:
1- الدعوة والترويج للبصيرة عند الشباب.

2- تعريف الشباب على العدوّ بشكل جيّد، حتّى لا يلتبس عليهم الأمر إلى آخر عمرهم.

3- محاربة المفاسد الأخلاقيّة؛ لأنّ المجتمع المتلوّث بالمفاسد الأخلاقية لا يوفّق في ساحة الجهاد.

4- والمسألة الأهمّ هي أن نزرع في شبابنا قبول ولاية الفقيه. وإذا كانوا كذلك، فحتماً سينتظرون إشارةً من ولي أمرهم، ويتحركون على طبقها ويدعمونها.

س: في ظلّ الدفاع المقدَّس، وردت أسماء كثيرة عن عظماء ممّن استُشهدوا، أو ممّن جاهدوا ولم يُستشهَدوا. مَن تذكرون لنا ممّن يتبادرون إلى ذهنكم؟
ج: لديّ ذكريات عن الشهداء العظماء في فترة الدفاع المقدّس، ولا أعلم عن أيّهم أتحدث، وأيّ خاطرة أذكرها. ليرحم الله الشهيد السعيد الحاج أحمد أميني (قائدَ كتيبة الغوص، فرقة "ثار الله")، الذي كان عارفاً. قبل يوم أو يومين من عملية أبي الفضل 8، سأله الحاج قاسم سليماني عن وضعية كتيبته والاستعداد للعمليّة، وكانت كتيبته مكلَّفة بالعبور من نهر (آروند)، فقال: إنّ وضع الشباب في الكتيبة جيّد جدّاً، وهم مستعدّون، قال: كيف ذلك؟ قال: إنّهم يبكون كثيراً. وفي الواقع كان الأمر كذلك، فشباب كتيبته كانوا أهلَ صلاة الليل، وأهلَ توسّل. لا أنسى أنه في ليلة شهادة السيّدة الزهراء عليها السلام، ذهبتُ إلى منطقة العمليّات قبل عمليّة أبي الفضل 8، وبمجرّد قولي بسم الله الرحمن الرحيم، وذكري اسم السيّدة الزهراء، جرى بكاء الشباب، وكانوا يصرخون في الظلام على مصاب السيّدة الزهراء عليها السلام.

ليرحم الله الشهيد العظيم باسم حاج قوبان، الذي كان رجلاً كهلاً كبير السنّ. في ليلة عمليّة أبي الفضل 8، قال الحاج قاسم للحاج أحمد (قائد الكتيبة): إنّ الحاج قوبان كبيرٌ في السنّ، ولا يستطيع اللّحاق بالشباب، امنعْه من النزول إلى الماء في اللّيلة الأولى للعمليّة، واسمح له بمواصلة العمليّة فيما بعد. لم يذهب الحاج أحمد إلى الحاج قوبان مباشرةً ليخبره بالأمر، إنّما ذهب إلى نائبه في الكتيبة (الحاج علي محمدي)، وقال له: اذهب أنت إلى الحاج قوبان وأخبره. أخذ الحاجُّ عليٌّ الحاجَّ قوبان جانباً، وقال له: يا حاج قوبان، أقول إنّك اللّيلة..، قاطعه قائلاً: لا تقل شيئاً، يا حاج عليّ لا تكمل، ماذا تريد أن تقول؟ تريد إخباري ألّا آتي الليلة؟! لقد تلقّيتُ هنا تدريبات مدّة ثلاثة أشهر، لقد تركتُ كلَّ ما أملك؛ تركت خرافي، تركت أهلي وحياتي، وجئت لأجل هذه الليلة التي هي عشقي، وتريدني ألّا آتي! أنا سآتي... ونال الشهادة وقتَها.

س: كلمة أخيرة إلى هؤلاء الشباب المجاهدين.
اعلموا قَدْرَ أنفسكم، زكّوا أنفسكم، اقترِبوا من الله، وسيكون الله معكم إن شاء الله، وسينصركم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


(*) عالم ومبلّغ، وممثّل سابق للوليّ الفقيه في فيلق القدس.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع