مع الإمام الخامنئي: الشباب وصناعة الثقافة أخلاقنا: عقبات في طريق الزواج(*) مناسبة: نحن وعدك الصادق تسابيح جراح: كجراح العبّاس عليه السلام احذر عدوك: احذروا الابتزاز الإلكترونيّ! نظّارات ذكيّة لالتقاط الصور والترجمة الفوريّة طبيب روسيّ يدعو إلى منع الوشم تطبيق لبنانيّ لكبح انتشار كورونا استخدام خلايا الحبل السرّيّ لمعالجة كورونا مع الإمام الخامنئي: قواعد القرآن.. سعادة الدنيا والآخرة

ذكريات من الجبهة: عندما اشتعل نهر كارون

غلام علي رجائي

كان ذلك قبل عملية ثامن الأئمة، وكان الجيش والحرس مستعدين لخوض المعركة الكبرى مع أعداء الله في الجبهات.


لقد مرّ أكثر من سنة على الهجوم الوحشي للعدو على أرض الوطن الإسلامية المباركة، حيث قام ـ بجهلة بالقدرة والدافع الإلهي للشعب المسلم الذي يعتبر الدفاع عن الإسلام والجمهورية الإسلامية واجب إلهي ـ بالحصول على بعض المواقع وثبّت نفسه فيها. وفي هذه الفترة لم يكن يتخيّل أن تحصل معركة جديدة.

على أثر المقاومة البطولية لأبناء الإسلام العزيز الذين سدّوا الطريق على العدو في التقدم على كل المحاور، كان أبناء الإسلام قد خططوا بعد أشهر من الجهد المتواصل لضرب القوى البعثية لأجل فك الحصار عن مدينة عبادان المقاومة، على أساس أن يتم الهجوم على ثلاثة محاور: دار خوين، الفياضية، والموقف السابع. كان الجميع بانتظار ساعة الصفر بفارغ الصبر، وقد استعد طالبو الشهادة وتهيأوا في أمكنتهم.

لقد كان حال الجبهة والطقس أثناء التدريبات عجيباً، وكانت مراسم صلوات الجماعة وأدعية كميل والتوسل وزيارة عاشوراء تقام بشكل عجيب. فما أن ينتهي دعاء التوسل حتى ترى الأخوة وقد تعانقوا والدموع تنهمر من أعينهم بغزارة.
لا مجال للتظاهر. فصوت بكاء الأخوة كان يفتت الصخر. لقد كان حجم المعنويات والبعد العرفاني قبل البدء بهذه العملية متميزاً جداً عن سابقاتها. وكأن النصر كلما اقترب كان لا بد من زيادة مراتب العرفان والطهارة. ومن جانب آخر كان لاتساع نطاق العملية سبب في إيجاد نوع من الاضطراب والرهبة مما سيحدث. ومع كل هذا كان الأمل الأكبر هو الله والتوكل عليه والاستعداد لأجله.

كانت مقرات القيادة القريبة من نهر كراون في محور دار خوين تتابع عن كثب مجريات العملية. مقرات بسيطة، بدون فخامة أو زينة دنيوية أو وسائل ترفيهية، مقرات مليئة بالمصاحف ومفاتيح الجنان وزيارة عاشوراء وأقراص السجود ورايات "يا أبو الفضل" الخضراء، و"يا حسين مظلوم" الحمراء. لقد تحولت تلك المقرات إلى معابد قدسية للمناجاة، اجتمع فيها إلى جانب القادة الشجعان، مبلّغون علماء جاؤوا لنصرة إخوانهم في الجبهات.
لقد كان من ضمن الخطة المقررة كمقدمة للبدء في هذه العمليات المصيرية فصل ارتباط قوات العدو ما بين شرق النهر وغربه، وتدمير جسور المواصلات والمواقع الاستراتيجية له على جانبي النهر، وذلك بصب كميات من النفط على سطح النهر ثم إشعاله. وبهذه الخطة يتحول النهر إلى بحر من النار فيجعل حركة البعثيين غير ممكنة ويمنعهم من الاتصال عند بدء الهجوم وبالتالي يجعل القسم الأعظم منهم في أحد جانبي النهر محاصرين لتلقّي الضربة القاضية من قبل جنود الإسلام. ولأجل تحقيق هذا الأمر أعدت قناة ضخمة جداً لأجل إيصال النفط إلى سطح النهر ليصب النفط فيه مباشرة.

هذه الليلة هي ليلة البدء بتنفيذ العملية، لم يبق سوى ساعات قليلة لبدء الهجوم. التردد والانتقال على الجبهات وفي الخطوط الأمامية انعدم تقريباً وكأن عجلة الحركة توقفت تماماً. الجميع ينتظر. ومع هبوب نسيم ساكن بدأ النفط يتسرب شيئاً فشيئاً إلى مياه النهر.. كان الوقت يمر بطيئاً مع انسياب كميات أكبر من النفط. لقد استعد النهر المظلوم الذي عانى لشهور عديدة من وجوه الظلمة والمغتصبين للانتقام الذريع. لقد قبل النهر أن يتحول إلى جحيم من النيران التي ستلتهم أجساد البعثيين.
وفجأة، وقبل أن يملأ النفط سطح النهر بأكمله، سقطت رصاصة حارقة من طرف العدو على القناة التي أعدت لتسريب النفط، فاشتعلت دفعة واحدة وعلا الدخان الغليظ في الأجواء، ثم بدأ الدخان يزداد غلظة.
لقد تحولت سماء دار خوين الصافية إلى ظلام دامس مرة واحدة. وغطَّى الغاز الناشئ عن الاحتراق تمام المنطقة. ثم سرعان ما وصل الدخان إلى مقر عمليات جيش الجمهورية الإسلامية. وفي وقت قصير كان الوضع يهدد باختناق جميع الموجودين في مقر القيادة. وكان لا بد من ترك المقر بسرعة قصوى إلى مكان آمن. فتركوا المكان فوراً إلى مقر قيادة الحرس حيث كان الأخ الشهيد حسن باقري موجوداً مع مجموعة من الأخوة.
لم يبق سوى وقت قليل للبدء في العملية لكن عمل المتابعة والقيادة في خطر، إذ سرعان ما تحرك الدخان المتراكم إلى مقر قيادة الحرس. اضطربت القلوب، وكان يظهر ذلك على الوجوه. لم تكن القضية قضية استشهاد عدَّة من القادة الذين أتوا إلى الجبهة، بل أن القضية كانت الخوف من فشل نفس العملية.

في هذه اللحظات كان يظهر جوهر الإيمان الحقيقي للأفراد ويتجدد ميزان الاعتماد والاتكال على الذات المقدسة الإلهية وحسن الظن بها والاعتقاد بالنصر والإمدادات الغيبية: ﴿عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم.
في هذا الضيق يعرف المؤمنون. أولئك الذين يعتقدون أن كل ما يحدث هو خير، ولو لم يكن مطابقاً لطبعهم وميلهم، فهم من المتوكلين على الله ولا ينتظرون الخير إلاَّ منه.
كان الجميع يبحث عن مكان آمن لأنه بعد لحظات سوف يملأ الدخان كل الأجواء. أي حكمة أخفى الله في هذا الأمر؟! هؤلاء المجاهدون الذين هم نور الإمام والأمة كانوا ينتظرون العملية وقد تعبوا وجهدوا لأشهر حتى تنفذ هذه الخطة. والآن هذا الدخان خرّب كل شيء. لقد بدأ الجميع بلسان العجز والمذلة يطلبون النصر من الله.

قرر البعض ترك المقر للنجاة من شر الدخان ـ لكن مصير العملية أين يصبح؟ ـ وكان البعض الآخر ينتظر شيئاً وكأنهم سلموا أمرهم للحق بشكل مطلق، فهو الذي يرى ماذا يحدث بنا، وهو المطّلع على نياتنا ونيات المجاهدين المخلصين. فلم يعد المكان لديهم مكان خوف، بل تحتّم عندهم أن الله سوف ينزل نصره.
وفي خضم هذا الاضطراب جاء النصر: "الحمد لله الذي نشر الرياح برحمته".
فجأة، هبت ريح شديدة، ونقلت كل الدخان الغليظ.. وصفت السماء. بعضهم بدأ يبكي بدون إرادة، والبعض الآخر لم يكن قد أدرك ماذا جرى. وعلا صراخ الشهيد حسن باقري وملأ الأسماع وهو يدعو الجميع إلى رؤية هذه المعجزة وكيف أن الله أنزل نصره علينا، حتى لا ينكر أحد نزول هذه الإمدادات والمعجزات الإلهية.

كان الجميع ينظر إلى الدخان وهو يبتعد بسرعة عدة كيلومترات عن مقرات القيادة. كانت الريح تهب وهي تحمل معها الدخان إلى أعلى وكأن ملائكة الريح كانت مسرورة بأداء مهمتها وهي تبشر المجاهدين بأولى بشائر الفتح والنصر. إذ لم تمضِ أكثر من 48 ساعة حتى كان جند الإسلام قد هزموا البعثيين وحرروا كافة الأراضي التي سيطر عليها الأعداء لمدة سنة كاملة (شرق كارون وشمال عبادان).
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع