نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

مجتمع: المُؤمن ليس بفحّاش


هيئة التحرير


إذا كنتَ لا تحبّ أن يؤاخذك الإمام الصادق عليه السلام، فلا تكن بذيء اللّسان؛ حتّى لا يشملك كلامه عليه السلام لسماعة حين دخل على الإمام عليه السلام، فقال عليه السلام له مبتدئاً: "يا سماعة، ما هذا الذي كان بينك وبين جمّالك؟ إيّاك أن تكون فحّاشاً أو صخّاباً أو لعّاناً، فقلت: والله لقد كان ذلك، إنّه ظلمني، فقال: إن كان ظلمك لقد أربيتَ (زدتَ) عليه. إنّ هذا ليس من فعالي ولا آمر به شيعتي، استغفر ربّك ولا تعد"، قلت: أستغفر الله، ولا أعود.

يبتدئ الإمامُ سماعةَ بالسؤال عمّا بدر منه من كلام فاحش، وينهاه عن ذلك، وإن كان الجمّال قد ظلمه، فإنّه بكلامه الفاحش قد زاد عليه؛ ثمّ يتبرّأ عليه السلام من الكلام الفاحش ومن اللّعن، بل حتّى من الكلام بصوت صاخب ومرتفع، ويدعوه إلى الاستغفار وعدم العود إلى مثل ذلك أبداً؛ إذ المؤمن يصون لسانه عن كلّ قبيح ودنيء.
عن تلك الخصلة ومساوئها، ندعُكم -قرّاءنا الأعزّاء- مع تلك الكلمات.

* ما هو فحش الكلام؟
الفُحْش والفَحْشاءُ والفاحِشةُ القبيحُ من القول والفعل، وجمعها الفَواحِشُ. وهو كلّ ما يَشتدّ قُبْحُه من الذنوب والمعاصي. وكلُّ خَصْلة قبيحةٍ فهي فاحشةٌ من الأَقوال والأَفعال(1). فالفحش -إذاً- هو كلّ قول أو فعل يستقبحه الناس، وإن لم يستقبحه قائله. "ولا ريب في كونه صادراً عن خباثة النفس"(2).

* حقّ اللسان
إنّ من حقّ اللّسان على صاحبه أن ينزّهه عن الكلام الفاحش والبذيء، وأن ينطق به بالخير، لا بل ويعوّده على قول كلّ ما فيه خير ومصلحة وغبطة ومحبّة ومسرّة للآخرين، بإدخال السرور عليهم ونصحهم وتعليمهم... كما ورد على لسان الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: "وحقّ اللّسان: إكرامُه عن الخنا (الفحش في الكلام)، وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة لها، والبرّ بالناس، وحسن القول فيهم"(3). وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ "أفضل الإيمان أنْ (...) تُعمل لسانك في ذكر الله عزّ وجلّ (...)، وأن تقول خيراً أو تصمت"(4).

* اخزُن لسانَك
كثيراً ما يسبق الكلام صاحبه، فيخرج منه ما يشينه ولا يرتضيه، بل ويزريه. لذا، ورد التشديد على حفظ اللسان، كما عن أمير المؤمنين عليه السلام: "احفظ لسانك، فإنّ الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإن أطلقها صار أسيراً في وثاقها"(5)، وعن الإمام الصادق عليه السلام: "اخزُن لسانك كما تخزن مالك"(6). وقد قال الشاعر:
واخزن لسانك واحترس من نطقه
واحذر بوادر غيِّه ثمّ احذر(7).

* احفظ اللسان تملك الإخوان
كم من صداقةٍ انتهت بكلمة! وكم من حبل مودّةٍ قطعه قولٌ! والشواهد أمامنا كثيرة. فاستمع -أيّها العزيز- لقول الإمام زين العابدين عليه السلام: "احفظ عليك لسانك، تملك به إخوانك"(8)، واتّعظ بما نقله عمرو بن نعمان الجعفي؛ إذ يقول: كان لأبي عبد الله عليه السلام صديق لا يكاد يفارقه إذا ذهب مكاناً، فبينما هو يمشي معه في الحذّائين (سوق صناعة الأحذية)، ومعه غلام له سِنديّ يمشي خلفهما، إذ التفت الرجل يريد غلامه ثلاث مرّات فلم يرَه، فلمّا نظر في الرابعة قال: يابن الفاعلة، أين كنت؟ قال: فرفع أبو عبد الله عليه السلام يده فصكّ بها جبهة نفسه، ثمّ قال: "سبحان الله، تقذف أمّه، قد كنت أرى أنّ لك ورعاً، فإذا ليس لك ورع"، فقال: جعلت فداك إنّ أمّه سِنديّة مشركة، فقال: "أما علمت أنّ لكلّ أمّةٍ نكاحاً، تنحَّ عنّي"، قال: فما رأيته يمشي معه حتّى فرّق الموت بينهما(9).

* لا تحرم نفسك الجنّة
قد يستهين بعضهم ويطلق كلاماً فاحشاً دون أن يلتفت إلى الأثر المترتّب عليه. لذا، يحسُن به أن يتعرّف إلى مورثات هذه الكلمة، والتي منها:
1- بغض الله له: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إيّاكم والفحش، فإنّ الله لا يحبّ الفحش والتفحّش"(10).
2- حرمان الجنّة: عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "الجنّة حرام على كلّ فاحش أن يدخلها"(11).
3- من شرار خلق الله: عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن من شرّ عباد الله من تُكره مجالسته لفحشه"(12).
4- معاقبة باقي الجوارح: عن علي بن الحسن عليهما السلام: "إنّ لسان ابن آدم ليشرف كلّ يوم على جوارحه فيقول كيف أصبحتم؟ فيقولون: بخير إنّ تركتنا، ويقولون: الله الله فينا، ويناشدونه ويقولون: إنّما نثاب بك ونعاقب بك" (13).
5- نزع البركة من رزقه: فقد ورد أنّ "مَن فحش على أخيه المسلم، نزع الله منه بركة رزقه ووكله إلى نفسه وأفسد عليه معيشته"(14).
6- يكون من اللّئام: عن الإمام الباقر عليه السلام: "سلاح اللّئام قُبح الكلام"(15).

* مَن شتَم أُجيب
اعلم، أنّ "من رمى الناس بما فيهم رموه بما ليس فيه"(16)، وأنّ "من أسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون"(17).

* صفحٌ كريم
عندما يشتمك شخصٌ، الزم الصبر، واكظم غيظك، واصفح الصفح الجميل، ولا تطفئ النار بالنار، وردّ الإساءة بالحسنة. وهذا ديدن أئمّتنا عليهم السلام، فإنّهم كانوا يحلمون بمن يسيء لهم؛ فهذا إمامنا الباقر يقول له نصرانيّ: أنت بقر؟ قال: أنا باقر، قال: أنت ابن الطباخة؟ قال: ذاك حرفتها، قال: أنت ابن السوداء الزنجيّة البذيّة، قال: إنْ كنتَ صدقتَ غفر الله لها، وإنْ كنت كذبتَ غفر الله لك". قال: فأسلم النصرانيّ(18)؛ لِما رأى من خُلُق الإمام الرفيع وعدم انفعاله، وحسن جوابه، على الرغم من استفزازه بالأسئلة المقزّزة، وجواب الإمام عليه السلام عنها بردٍّ جميل.
وقد ذكر الشيخ المفيد في أماليه أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد سمع رجلاً يشتم قنبراً، وقد رام قنبر أن يرد عليه، فناداه أمير المؤمنين علي عليه السلام: "مهلاً يا قنبر، دع شاتمك مُهاناً ترضِ الرحمن، وتُسخط الشيطان، وتُعاقب عدوّك. فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحلم، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت، ولا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه"(19).
وعلى هذا، إذا شتمك أحدهم -لا سمح الله-، فقل له: سامحك الله وغفر لك؛ فإنّ ذلك داعية له إلى أن يخجل ويعتذر عمّا بدر منه.
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34).


1- لسان العرب، ابن منظور، ج 6، ص 325.
2- جامع السعادات، النراقيّ، ج 1، ص 277.
3- الأمالي، الصدوق، ص 451.
4- كنز العمّال، المتّقي الهنديّ، ج 1، ص 37.
5- بحار الأنوار، المجلسيّ، ج 68، ص 293.
6- الخصال، الصدوق، ص 122.
7- يتيمة الدهر، النيسابوري، ج 2، ص 118.
8- بحار الأنوار، (م.س)، ج 68، ص 229.
9- الكافي، الكلينيّ، ج 2، ص 324.
10- المحجّة البيضاء، الكاشانيّ، ج 5، ص 216.
11- جامع السعادات، (م.س)، ج 1، ص 277.
12- الكافي، (م.س)، ج 2، ص 325.
13- الإرشاد، المفيد، ص 230.
14- جامع أحاديث الشيعة، البروجردي، ج 13، ص 433.
15- الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة، الإربلي، ج 2، ص 887.
16- مستدرك سفينة البحار، النمازيّ، ج 4، ص 202.
17- نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ عليه السلام )، ج 4، ص 10.
18- مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب، ج 3، ص337.
19- الأمالي، المفيد، ص 118.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع