قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

قصة: سرّ ذلك المال(*)


أمّ كلثوم السبلاني


البرد اللّاسع يتسلّل من تحت الأبواب، والمطرُ النيساني الغزير يطرق زجاج النوافذ وأسقف "الزينك"، ويتزايد كلّما اشتدّ هبوب الريح التي اخترقت الممرّات والأزقّة وارتطمت بالجدران ولوت الأشجار حدّ التكسّر.


لم تكن الطَرَقات على باب منزلي تشبه تلك التي كان يصدرها المطر. إنّها توحي بأنّ أحدهم يقصدنا لأمرٍ مستعجلٍ.
الساعة تشير إلى السادسة والعشرين دقيقة. ما الذي يدفع بشخصٍ للمجيء في ظروف كهذه لولا أنّه يحمل خبراً لا يحتمل التأجيل؟
هُرعت لأفتح الباب فإذا به هو، وكأنّ كلّ مطر السماء قد تساقط على رأسه ووجهه. شعره ملتصقٌ بناصيته والماء يقطر من ذقنه كغيمة سخيّةٍ أفرغت غيثها فوق كتفيه فاستحال بركتين آخذتين بالتمدّد إلى وسط صدره.
هالني ذلك المشهد، وقبل أن أنبسَ ببنت شفَة قطع دهشتي وأخرج يده التي تكوّرت على شيء ما داخل سترته ودسّ في يدي رزمةً خضراء. لقد كان المبلغ الذي طلبت استدانته منه قبل مدّة. تمنّى لا بل ألحّ عليّ أن أعيده إليه في الشهر التالي.
"إذاً أنتَ بحاجة ماسّة إلى هذا المال. خذه، ما حاجتي إلى مالٍ صاحبه يريد استرجاعه بعد أقلّ من شهر؟"، قلت بنبرة المعاتِبة الساخطة على حالها.
"لا بدّ أنّكَ غيرُ قادرٍ على إقراضي هذا المبلغ وقد سبّبتُ لكَ حرجاً كبيراً حين طلبته منك"، أردفت.
"ليس الأمر كذلك يا عزيزتي"، قال بصوته الحاني، كما عهدته، "لا تستعجلي الحكم. لولا الظرف الذي استجدّ مؤخّراً لما كنت سأستردّه منكِ أصلاً".
وعند لومي إيّاه عن السبب وراء مجيئه باكراً راجلاً في ذلك الطقس العاصف، أجابني بأنّه استغلّ هذه الفترة من الصباح لأنّ الكلّ نيام وأنّ صوت محرك السيّارة قد يوقظ أحدهم فيعلم بأمر مجيئه إليّ. لم أستغرب ذلك وهو الذي لم أعهده يوماً يخبر يده اليسرى بما تقدّمه يده اليمنى.

أنهينا حديثنا على الباب، ولم يشأ الدخول رغم إلحاحي عليه حتّى أنّه أبى أن أعيره مظلّتي؛ لأنّها ستعيق حركته، فهو سيعود أدراجه راكضاً وطمأنني أنّه سيكون في المنزل خلال خمس دقائق. ليس الأمر جديداً عليه. لقد كان معروفاً بسرعة عَدْوِه حتّى أنّه كان يسابق الريح.
ولكن ما الأمر المستجدّ يا ترى؟
لماذا كلّ هذا الإصرار على الإسراع بإعادة المال؟
يبدو أنّ مشروع السفر إلى تلك الدولة التي وجد فيها فرصة عملٍ سيتقاضى مقابله أجراً عالياً بات وشيكاً وهو يحتاج إليه لاستكمال المعاملات ودفع تكاليف السفر!
هل أمر استكمال بناء المنزل بات ملحاً لهذه الدرجة،
أمّ أن الفتاة التي ينوي التقدّم لخطبتها قد طلبت مهراً عالياً؟
عبثاً وجدت أجوبةً ترضي فضولي.
وما لي أنا؟ ماله وسأعيده إليه وهو حرّ التصرف به!

وفي الأسبوع الأوّل من شهر أيّار أعدت إليه ماله. لا أنسى كيف امتلأت عيناه بالدموع حين سلّمته المبلغ. كرّر اعتذاره منّي مرّاتٍ ومرّات طالباً المسامحة، فازداد فضولي لأعرف ما يخفيه عنّي.
وما أسرع ما عرفت السّرّ وراء ذلك المال.
إنّه يوم التّاسع عشر من شهر أيّار، يوم تجمّعنا في منزل محمّد ورأينا والدته تُخرج مالاً من خزانته وتقول:
"إنّ ولدي كتب في وصيّته قبل أن يذهب إلى معركة القصير أنّه ادّخر مبلغاً من المال ليوم استشهاده لنقيم به مراسم العزاء والشهادة".


(*) القصّة التي فازت بأعلى نسبة مشاهدة للعام 2017م (11,768 مشاهدة) على موقع "العابرون" الإلكتروني.
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع