نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

الحرب الناعمة: التطبيع مـــع العدوّ: الذراع الناعمة


مركز الحرب الناعمة للدراسات


شكّل التفوّق العسكريّ للدول الكبرى سابقاً الركيزة الأساسيّة لتحقيق الانتصارات في أرض المعارك. أمّا اليوم، فلم تعد الحرب العسكريّة وحدها تكفي لتحقيق الانتصار؛ وذلك بسبب تكاليفها المرتفعة من جهة، وعدم فعاليّتها من جهة أخرى، ما دفع الدول الكبرى إلى البحث عن طرق وأساليب جديدة تعمل على خرق صفوف العدوّ، دون تكبّد أثمان باهظة.


* الحرب الناعمة: التأثير بالجاذبيّة لا الإرغام

ابتكرت هذه الدول الحرب الناعمة التي عرّفها "جوزيف ناي" بأنّها: "القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبيّة، بدلاً من الإرغام. وهي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين؛ للحصول على النتائج والأهداف المتوخّاة دون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للعوامل والوسائل العسكريّة الصلبة"(1).
لذا، لجأ العدوّ الإسرائيليّ إلى استخدام القوّة الناعمة لفكّ الحصار عنه والمقاطعة التي فُرِضَت عليه، ولتشويه صورة المقاومة وتفكيكها من الداخل، عبر استعماله وسائل عدّة، منها: وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعيّ، واستغلال الصراع القائم بين دول المنطقة.

* الأنشطة الثقافيّة: تطبيعٌ ناعم
عرّفت "الحملة الفلسطينيّة للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل"(2) التطبيع على أنّه المشاركة في أيّ مشروع أو مبادرة أو نشاط، محليّ أو دوليّ، مصمَّم خصيصاً للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيّين وإسرائيليّين (أفراداً كانوا أم مؤسّسات) ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكلّ أشكال التمييز والاضطهاد الممارَس على الشعب الفلسطينيّ.
وأهمّ أشكال التطبيع هي تلك النشاطات التي تهدف إلى التعاون العلميّ أو الفنيّ أو المهنيّ أو النسويّ أو الشبابيّ، أو إلى إزالة الحواجز النفسيّة. ويُستثنى من ذلك المنتديات والمحافل الدوليّة التي تُعقد خارج الوطن العربيّ، كالمؤتمرات أو المهرجانات أو المعارض التي يشترك فيها صهاينة إلى جانب مشاركين دوليّين، ولا تهدف إلى جمع الفلسطينيّين أو العرب بالصهاينة، مضافاً إلى المناظرات العامّة.

* لإلغاء المقاومة من الوعي
تهدف الحرب الناعمة التي يشنّها العدوّ إلى كسر المقاومة وإلغائها من وعي بيئتها الحاضنة والشعوب العربيّة والغربيّة. وقد صرَّح الباحث في مركز دراسات الأمن القوميّ الصهيونيّ "ميخائيل ميلشتاين" "أنّ تفوّق إسرائيل يحتاج إلى معركة صبورة استنزافيّة مديدة السنين، لا ترتكز فقط على كسر القوّة العسكريّة لقوى المقاومة، وإنّما تسعى أيضاً إلى تقويض المراكز التي تتبلور فيها الأفكار، ومنها تنغرس في وعي الجمهور. وفي هذا الإطار يبرز على وجه الخصوص دور أجهزة الإعلام والتعليم والمراكز الدينيّة في بيئة المقاومة ويبدو أنّه فقط بعد أن نُحدث التغيير الجوهريّ والطويل الأمد في أنمـاط عمل هذه المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والمساجد والمؤسسات الدينيّة يمكن أنْ نلغي فكرة المقاومة من الوعي أو نهزمها"(3). وعليه، يسعى العدوّ إلى تشويه مفهوم المقاومة وتظهير الصراع العسكريّ على أنّه انتهى منذ زمن، وأن لا طريق آخر غير السلام الآتي لا محالة بين العدوّ الإسرائيليّ والدول العربيّة.

* قنوات عربيّة تستضيف صهاينة!
لا يخفى أنّ الإعلام من أهمّ وسائل الحرب الناعمة التي يشنّها العدوّ؛ لأنّه يصل إلى ملايين المتابعين بلحظات. هنا يؤكّد السيّد القائد عليّ الخامنئيّ دام ظله خطورة وسائل الإعلام بقوله: "إنّ وسائل الإعلام في هذا العصر لها قدرة تدميريّة تعادل القنبلة الذريّة"(4). ولذا، قام العدوّ الإسرائيليّ باستغلالها لأقصى الدرجات عبر التطبيع الإعلاميّ، فأصبحت بعض وسائل الإعلام العربيّة تقوم باستضافة ضيوف ومحلّلين سياسيّين من الكيان الصهيونيّ بشكل فاضح وصريح.

* خدعة "نحارب الإرهاب"
في إحدى مقابلاتها الإعلاميّة لقناة العربيّة، تحدّثت "أفيتال ليبوفيتش Avital leibovich" التي شغلت حينها منصب الناطقة باسم جيش الاحتلال باللّغة الإنجليزيّة، قائلة: "الشعب الفلسطينيّ ليس عدوّ إسرائيل، بل الإرهاب هو العدوّ". وفي مقابلة أخرى لقناة الجزيرة تحدّث "أفيخاي أدرعي" الناطق بالعربيّة باسم الجيش قائلاً: "عندما نوجّه صواريخنا إلى غزّة، فإنّنا نقصد الإرهاب، ولم نوجّه قذائفنا نحو المدنيّين"! "ليبوفيتش" في مقابلة أخرى قالت: "الجيش الإسرائيليّ هو جيش أخلاقيّ، ويتعامل مع غزّة بموجب القانون الدوليّ، ولم يستخدم أيّة أسلحة محرّمة دوليّاً"(5).
وعليه، يهدف العدوّ الإسرائيليّ من خلال مشاركته بمقابلات تلفزيونيّة على القنوات العربيّة إلى إقناع العرب والفلسطينيّين بأكاذيبه، واستعمال التحايل والخداع الإعلاميّ لغزو العقول واستعمارها.

* مواقع التواصل: خداع ورسائل موجّهة
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد موجة استخدام مواقع التواصل الاجتماعيّ، قام العدوّ بإنشاء صفحات له على هذه المواقع، ومنها الفايسبوك، تحمل شعارات الحريّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان، حيث إنّها تقوم بتصوير المقاوم على أنّه شخص همجيّ وبربريّ، يقوم بقتل المدنيّين. ومن هذه الصفحات صفحة "أفيخاي أدرعي"، الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيليّ للإعلام العربيّ، وصفحة "إسرائيل تتكلّم العربية" وغيرهما.
تتحدّث هذه الصفحات في منشوراتها عن العيش المشترك بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين وتروِّج للفنون العربيّة وانسجام الإسرائيليّين فيها، حتّى وصل الأمر إلى ترويج لبعض المأكولات العربيّة على أنّها إسرائيليّة. وعليه، فإنّه لا يمرّ أيّ حدث على الصعيد السياسيّ أو الثقافيّ إلّا وتقوم هذه الصفحات بكتابة منشورات عنه، بطريقة ذكيّة وخادعة؛ لتوجيه الرأي العامّ العربيّ نحو السلام والتطبيع مع العدوّ الإسرائيليّ.

* فرعون زماننا
لم يكتفِ العدوّ الإسرائيليّ بهذا الحدّ من التغلغل الناعم، بل ذهب بعيداً مستغلّاً استقلال إيران عن التبعيّة الأميركيّة لتصويرها على أنّها العدوّ الذي يريد أن يسيطر على دول المنطقة، وذلك بعد دعمها حزب الله ودول الممانعة في المنطقة. وهذا ما ذكره الإمام القائد الخامنئيّ دام ظله بقوله: "لقد اصطفَّ الأعداء أمام الأمّة الإسلاميّة ورسولها الكريم، وهؤلاء الأعداء هم أمريكا والاستكبار العالميّ والكيان الصهيونيّ والرجعيّة وطلاب الشهوات في العالم الإسلاميّ"(6)، موضحاً أنّ "فرعون زماننا هو أمريكا وإسرائيل وكلّ من يتبعهما، والذين يريدون أن يشعلوا الحروب في المنطقة، وهذه هي خطة أمريكيّة"(7). كما قال: "مع الأسف، هناك اليوم حكّام ونخب في هذه المنطقة ممّن يعزفون على أوتار أمريكا، ينفّذون كلّ ما تطلبه أمريكا، ضدّ الإسلام"(8).
في المقابل نشرت مجلة "التايم"(9) الأمريكيّة مقابلة مع وليّ العهد السعوديّ محمّد بن سلمان أكّد خلالها أنّ المصالح المشتركة مع تل أبيب مبنيّة على أساس العدوّ المشترك، وهو إيران، مضافاً إلى المصالح الاقتصاديّة التي قد تدعم اقتصاد البلدين.

* مسؤوليّة الحفاظ على نبض المقاومة
ختاماً، في ظلّ التطبيع العلنيّ والمباشر من قبل الدول العربيّة وعلى رأسها السعوديّة، وتجسيد الكيان الصهيونيّ على أنّه أمر واقع، وتوجيه البوصلة نحو إيران على أنّها العدوّ المشترك، يجب الحفاظ على نبض المقاومة، وحمايتها من الطرق الناعمة والذكيّة التي تهدف إلى ضرب أركانها وتغييب الوعي عند بيئتها الحاضنة، وأن تبقى البصيرة هي المحرّك الأساس لشعوب المقاومة.


1- القوة الناعمة، جوزيف ناي، ترجمة د. محمد توفيق البجيرمي، دار العبيكان، 2007م، ص20.
2- عنوان موقع "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل": http://www.pacbi.org
3- "صعود تحدي المقاومة وأثرها على نظرية الأمن القومي الإسرائيلي"، جريدة السفير اللبنانية، العدد 11495، الصادرة بتاريخ 18/1/2010م.
4- رؤية الإمام الخامنئي دام ظله في مواجهة الحرب الناعمة، مركز الحرب الناعمة للدراسات، ص70.
5- التطبيع في الإعلام: إسرائيل في صالون بيتنا، خليل غزّة، باب الواد، في 26/9/2016م.
6- كلمة الإمام القائد الخامنئي دام ظله في ذكرى ميلاد النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الأربعاء 6/12/2017م.
7- (م.ن).
8- (م.ن).
9- 29/3/2018م.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع