قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

أخلاقنا: تجلّيات الرحمة الإلهيّة(*)


الشهيد السيد مصطفى الخميني قدس سره


اعلم: أنّ الرحمة والرأفة والعطف من جلوات الأسماء الجماليّة الإلهيّة، وقد بسطها الله تعالى وأعطاها الحيوان للمحافظة على الأنواع الحيوانيّة، وأعطاها الإنسان للمحافظة على النظام البشريّ الخاصّ. وهذه الرّحمة من جلوات الرحمة الرّحمانيّة، وتُسمّى بالرحمة الرحيميّة في وجه، ويشترك فيها سائر الخلائق...

* تجلّي الرحمة بالرأفة والعطف
وأنت تعلم: بأنّ هذه الرحمة لو لم تكن في الحيوان والإنسان، لما بقي الحيوان ولا الإنسان، ولكانت الحياة الفرديّة والاجتماعيّة فاشلة، ولاضمحلّت النظم الاجتماعيّة، وبالجملة، لا يبقى منها عين ولا أثر؛ فإنّ الحيوان لأجل تلك الرحمة الموجودة فيه يتمكّن من تربية أولاده، ويتحمّل المشقّات الكثيرة، فبتلك الرأفة والعطف تنجذب القلوب نحو الأولاد في الحيوان والإنسان، ولأجل هذه المحبّة والعشق الذي هو من تجلّيات تلك الرّحمة، يتهيّأ لدفع المزاحمات الوجوديّة والأعداء وغير ذلك.

* بارقة إلهيّة
وهذه الرحمة والرأفة هي التي تبعث الأنبياء والرّوحانيين والعلماء والزّعماء إلى تحمّل المشاقّ وتقبّل المصاعب في هداية البشر والإنسان إلى الحقائق، وفي إخراجهم من الظلمات إلى النور.
فهذه البارقة الإلهيّة -التي وُجدت في الحيوان عموماً وفي الإنسان خصوصاً- مدار المجتمعات الصغيرة والكبيرة؛ فإذا كان الإنسان يجد في نفسه تلك الرحمة بالنسبة إلى أفراد نوعه وعائلته، فكيف بربّ العالمين الذي هو حقيقة الرحمة نفسها؟! ومن تلك الرحمة خَلَقَ الخلائق، وهَيَّأَ لهم الأسباب للراحة والاستراحة، وأودع من تلك البارقة الملكوتيّة في النفوس الحيوانيّة والبشريّة، ممكناً أنْ يصرفها الناس في محالّها، وتكون في ظلّها الخلائق في فرح وعيش. فهل يجوز لك أنْ لا تكون رحماناً ورحيماً بالخلق، الذي هو إمّا نظير لك في الدين أو شبيه لك في المخلوقيّة(1)؟! وهل يجوز لك أن تبيت ببطنةٍ، وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ؟! كلّا وحاشا ما هكذا الظنّ بكم! فكونوا مماثلين للرسول الأعظم الإلهيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال الله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128)، ووصفه تعالى في الكتاب العزيز بأنّه ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).

* الغضب من تجلّيات الرحمة
غير خفيّ: أنّ من تجلّيات تلك الرحمة الإلهيّة ما هو في صورة الغضب والانتقام، وهو في الدنيا كجعل القوانين النظاميّة السياسيّة، ولذلك قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 179)، وفي الآخرة جعل النار والميزان لتخليص الأفراد الأراذل من الخبائث والأنجاس النفسانيّة، فإنّها من قبيل رفقاء السوء وجلساء الذموم في تنفّر الطباع منها والاشمئزاز منها.. وقد عُدَّ ذلك من الآلاء على احتمال في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 35- 36) ولعلّ هذا هو معنى قولهم: "سبقت رحمتُه غضبَه" فإنّ غضبه من تجلّيات الرحمة الإطلاقيّة الذاتيّة.
فعلى هذا يا عزيزي، ويا أيّها القارئ الكريم، عليك بالجدّ والاجتهاد في الاتّصاف بهذه الصّفة الربوبيّة بالنسبة إلى جميع الخلائق، ولا سيّما المؤمنين، والتدبّر في الحضرة الربوبيّة، وما يُصنع بالعباد من العطوفة والرّأفة، ومن اللّطف والمحبّة، مع تلك القدرة وذلك الغضب الذي لا تقوم له السماوات والأرض، فضلاً عنك أيّها الضعيف المسجون في الدنيا والمحبوس في الطبيعة، عليك أن تجتهد في اكتساب الأخلاق الفاضلة، والتخلّق بالفضائل النفسانية والتشبّه بالإنسان الكامل، فتكون رحمة لعالمك، إن لم تتمكّن من أن تكون رحمة للعالمين، فتدبّر في ما حكى القرآن عن حدود رأفة الرسول الإلهيّ الأعظم في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: 3)، وفي قوله سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف: 6).
سبحان الله ما أعظم شأنه صلى الله عليه وآله وسلم! فإنّه يتأسّف على حال الكفّار والجاحدين، ولقد بلغت مودّته ومحبّته في إيصال العباد إلى الدار الآخرة وإلى السعادة العظمى، إلى حدّ أخذ ربّ العالمين في تسليته وتسكينه عمّا يقع في قلبه الشريف، حذراً من هلاكه، وخوفاً من تقطّع قلبه وروحه.

* والذين معه: رحماء بينهم
فيا أيّها الأخ الكريم والعبد الأثيم، إن اتّصفت بالرحمة الإلهيّة وتصوّرت بصورة تلك البارقة الملكوتيّة، فمرحباً بك ونعيماً لك. وإنْ تمثّلت بمثال الرحمة المحمّديّة، وتنوّرت بنور وجوده الذي هو رحمة للعالمين، فبشرى لك، وإذا كنت عاجزاً عن ذاك وذا، فلا أقلّ من الاجتهاد في سبيل الشركة مع المؤمنين السابقين، المحشورين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأمير عليه السلام الذين وصفهم الله تعالى في الكتاب الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29).
وقد وردت في الآثار المرتضويّة والأخبار الجعفريّة الأحاديث الكثيرة المتضمّنة لهذه الصّفة. منها عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال لأصحابه: "اتّقوا الله وكونوا إخوة بررة، متحابّين في الله، متواصلين متراحمين، تزاوروا وتلاقوا، وتذاكروا أمرنا وأحيوه"(2). وفي "مجالس" الطوسي قدس سره عن عليّ عليه السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الله عزّ وجلّ رحيم يحبّ كلّ رحيم"(3).

* الرحيم من يرحم المسلمين
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "والذي نفس محمّد بيده، لا يضع الله الرحمة إلّا على رحيم". قالوا: يا رسول الله كلّنا رحيم؟ قال: "ليس الذي يرحم نفسه وأهله خاصّة، ولكن الذي يرحم المسلمين". وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "قال تعالى: إن كنتم تريدون رحمتي، فارحموا"(4). فالملاطفة من جنود الرحمن، ولا تختصّ بكون طرفها الإنسان أو الحيوان، بل تشمل كلّ شيء حتى النباتات.
فيا قرّة عيني المحترم، ويا رفيقي وصديقي، أفلا تتدبّر في الكتاب العزيز، حيث كرَّر البسملة فيها، واستدركها في سورة النمل، لِمَا فات في سورة التوبة؟ فهل تحتمل أن لا يكون في هذا التكرار غرض أعلى ومقصد أجلى وهو سَوْق البشر إلى اتّباع هذه الجلوات(5)، وبعث النّاس إلى جعل هذا البرنامج دستور عمل ووجهة فكر؟ فكن في دنياك باذلاً عمرك في نجاة عائلتك من تبعات أعمالهم، وجنّبهم عمّا يتوجّه إليهم من العقوبات الشديدة والعذاب الأليم في البرازخ والقيامة.
نرجو الله تعالى أن يوفّقنا لمرضاته، ويهدينا إلى السعادة الأبدية، فإنّه خير موفق ومعين(6).


(*) المواعظ الواردة في هذه الرسالة استخرجت من تفسير القرآن الكريم للعلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره، التي عنونها تحت عنوان الأخلاق والآداب والنصيحة.
1- نهج البلاغة، صبحي الصالح، الرسالة رقم 53.
2- الكافي، الكليني، ج2، ص140.
3- الأمالي، الطوسي، ص516.
4- مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج2، ص95.
5- الجلوات: الأمور الجليّة هي شديدة الظهور لغةً، والمقصود في كلامه قدس سره هو اتّباع الناس لظهور وتجلّي حقيقة صفة الرحمة الإلهيّة، في الإشارة إلى تكرّر البسملة في القرآن الكريم تامّةً على عدد السور (محلّ كلامه).
6- تفسير القرآن الكريم، الشهيد السيّد مصطفى الخميني، ج1، ص239- 246.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع