وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم التلوث الهوائي يدمّر "الذكاء المعرفي" أكثر من 500 مليون صيني يعانون من "قصر النظر" غلاف "ذكي" يخبرك بجودة المواد الغذائيّة سليماني خادمٌ لضريح الإمام الرضا عليه السلام بعض ذكرياتنا الأولى وَهمٌ ابتدعته أدمغتنا!

الحروب وعدوى القسوة


د. فضل شحيمي(*)


يُروى عن الطيار الأمريكي الذي ألقى القنبلة الذريّة على هيروشيما في اليابان أنّه قد أنهى حياته في مصحٍّ نفسيّ؛ لأنّه لم يتمكّن من الهروب من شعوره بالذنب تجاه جريمته.


من الطبيعي أن يسود حياة أولئك الذين يخوضون الحروب ويقترفون جرائم بائسة، الكثير من التوتّرات النفسيّة، والمشاكل العصبيّة، فضلاً عن الكآبة المرضيّة والعدوانيّة، فكيف يستمرّون في حياتهم؟ تكمن المشكلة الأكثر ظهوراً في طغيان السلوك العدوانيّ والقسوة والعنف في التعامل مع الآخرين.

سنتحدّث في هذا المقال عن الأثر النفسيّ للحروب على الناس والمقاتلين بلحاظ أنّها أحد عوامل القسوة والعنف في السلوك العام، وعن أثر الإيمان بقضيّة شريفة في الوقاية من هذه المشكلة، وبعض النصائح السريعة.

* الآثار النفسيّة للحروب
لا يختلف اثنان في أنّ مشاهد الدماء والعنف والقتل والقصف التي تسود الحروب والعمليّات العسكريّة، ستلقي ظلالها -شئنا أم أبينا- على الناس والشعوب والمقاتلين، حتّى إنّه قد جرى التحذير من أثر الوسائل الإعلامية التي تفرط في نقل هذه المشاهد بشكل عشوائيّ أو مبالغ فيه إلى الجمهور دون تقنين أو تشذيب، لكي لا تسري عدوى العنف والقسوة إلى سلوكهم العام. ونحن هنا بحاجة إلى النظر من زاوية المقاتل، حيث غالباً ما يسلّط الضوء على الناس فقط.

* العقيدة ترسم السلوك
إنّ الذين يخوضون الحروب تتشكّل لديهم عوامل نفسيّة تختلف إلى حدٍّ ما عمّا قبلها، حيث إنّ الإنسان يتماهى مع الواقع الذي يعيشه. ويتكرس هذا الواقع بالتَكرار وإطالة مدّة الحرب، حيث تختلف بعض المفاهيم والقيم الجديدة التي تغذّيها العقيدة، سلبيّة كانت أم إيجابيّة. وتصبح هذه العقيدة هي المحرِّك والدافع، وترسم بالتالي السلوك الذي يتأصّل مع الزمن في نفس صاحبه. لذلك، فإنّ السلوك الحربيّ لدى المقاتل سيتشكّل طبقاً للقضيّة التي تدفعه إلى القيام بعمله. مثلاً: إن كانت القضيّة هي الدفاع عن حياة الناس مقابل عدوّ شرس، سيترجم سلوكه قيماً تراعي العدالة والرحمة والحرص على حياة الآخرين، والعكس صحيح.
فماذا إنْ كنتَ مقاتلاً نزيهاً وشريفاً، تقوم بدورك الوطني وواجبك تجاه قضيّة إنسانيّة أو دينيّة لا يشوبها أيّ شائبة إجراميّة، بل كانت تجربتك القتاليّة مكلّلة بالكثير من القيم والمبادئ الإنسانيّة والتشريعات الإلهيّة؟ هل يمكن أن تتسرّب ملامح القسوة والعنف في بعض الزوايا؟! و لكن هل يعود هؤلاء أصحاب القضيّة السامية أبناء بارّين بآبائهم؟ أو آباء عطوفين على أبنائهم؟ هل يعودون أزواجاً محبيّن لزوجاتهم؟ وأبناء صالحين لأوطانهم؟ ومواطنين ملتزمين بقوانين بلادهم؟ أم إنّ البندقية والمدفع قد التحما بشخصيّاتهم واتحدا معهم في أدوار حياتهم التالية؟

* الحروب واستسهال الجريمة
يقع بعض المقاتلين عرضة لبعض الأمراض النفسيّة، مثل الكآبة واضطراب ما بعد الصدمة والعصبيّة الشديدة واستسهال الجريمة، وأعمال العنف على اختلافها، وذلك بعد نهاية العمل العسكريّ، فيعاد تأهيلهم اجتماعيّاً ونفسيّاً، ولكن بعضاً منهم ينهون حياتهم في المصحّات النفسيّة بعد فشل العلاج، كما يُروى عن الطيار الأمريكي الذي ألقى القنبلة الذرية على هيروشيما.
وقد يتحوّل بعض المقاتلين العائدين من الحرب -وأنا أتحدّث من الوجهة النفسيّة- الذين أدمنوا القتل وسفك الدماء، إلى أشخاص بأنماط شخصيّة مختلفة عمّا قبل الحرب، فيشعرون بالذنب.
لكن تختلف المعادلة كليّاً لدى الأشخاص المؤمنين بقضيّة شريفة ونزيهة، كالدّفاع عن النفس والشرف والعرض والمقدسات، حيث لا ذنب لديهم ليحملوا عبأهُ فضلاً عن أن يشعروا به، بل تجتاحهم قيم الكرامة والعزّة؛ ما يخفّف عنهم الشعور بضغط العمل العسكريّ وقسوته. هذه القيم تُساعد في الخروج من معظم تلك الحالات العصبيّة النفسيّة.

* أثر الإيمان بالقضيّة
نميّز هنا بين نوعين من السلوك الحربيّ أو العسكريّ:
1- الحروب الشريفة: ففي الحروب يندفع المقاتل بروح عقائدية أيديولوجيّة دفاعاً عن قضية يؤمن بها إلى درجة اليقين وهو على استعداد للتضحية بحياته شهيداً من أجل تحقيق أهدافها والانتصار لها، للحفاظ على قيم شريفة يورثها للأجيال القادمة. وكلّما ارتقى المقاتل في فهم هذه القيم ارتقت المفاهيم لديه إلى مستوى الشهادة فيتمنّاها ويعمل جاهداً لنيلها؛ لتصبح هدفاً وغايةً، فيرفض التراجع والهزيمة.

2- الحروب الإجراميّة: أمّا منحرفو السلوك الذين يرتكبون الجرائم لمصالح ذاتيّة آنيّة ثأريّة أو ما يعرف بالقتل من أجل القتل، الذي يصبح هدفاً في حدّ ذاته، كما في أفلام الكاوبوي، حيث يندفع الأفراد بغرائزيّة وأنانيّة وشخصانيّة مقيتة لتغذية الأنا المريضة أحياناً، ويفقد صاحبها الرحمة والشفقة ويتحوّل إلى سادي عاشق لسفك الدماء لإشباع هذه الشهوة الشاذّة، أو للوصول إلى غاية وهميّة أُشبع بها وحُرض على اعتناقها، كما في أعمال الإرهاب لدى التكفيريّين الذين زُوِّدوا بمفاهيم مغلوطة فتحوّلوا إلى مجرمين وهم يزعمون، تحت تأثير توجيه سلبيّ وهادف، أنّهم ينشرون فضيلة الدفاع عن الدين، وسينالون مكافأة الآخرة من دخول الجنّة والحور العين بانتظارهم، وسيجلسون إلى جانب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّهم يقعون في الضلال ويرتكبون تلك الجرائم.
وهؤلاء وقعوا ضحايا لتربية إجراميّة تكفيريّة سيّئة صمّم لها مجرمون مخابراتيّون ونفّذها هؤلاء، وكأنّهم تحت تأثير مخدّر عبث بعقولهم، وبعضهم حُقن كذلك عمليّاً بالمخدّرات.

* بحاجة إلى ترميم أحياناً
أمّا مدى معالجة هؤلاء لإنقاذهم ممّا هم فيه ووضعهم على طريق الصواب، فإنّ ذلك يتطلّب جهداً مضاعفاً يتمثّل في خطَّين متوازيَين:
أولهما؛ العمل على هدم الأفكار والمفاهيم المغلوطة التي زوِّدوا بها، وثانيهما؛ إعادة ترميم ما تبقّى من البنية الإنسانيّة الأخلاقيّة والدينيّة الصحيحة، ويتوقّف نجاح الخطّة أيضاً على أمرَين اثنَين، هما:
قدرة المعالِج على الإقناع وإظهار الحقائق.
استعداد المعالَج لتقبُّل العلاج والرغبة فيه.

* توجيهات مساعدة
أمّا هؤلاء الذين تترّسوا بالقيم الدينيّة والإيمانيّة، فهم يلجأون إلى الله وإلى الواجبات الدينيّة، وهم أقلّ حاجة إلى العلاج؛ لإيمانهم بالله سبحانه وتعالى وثقتهم المطلقة به وبتعاليمه، ولثقتهم بأنّ ما قاموا به فيه رضى لله ولرسوله.
فالحروب تترك بصمات سلبيّة من الناحية النفسيّة أيّاً كان هدفها، وهي تحتاج إلى علاج على خطَّين:
1- اللّجوء إلى الله تعالى، من خلال تجديد الالتزام بتعاليم الله ورسوله، ولتطمئن قلوبهم بذكر الله، فيلجأون إلى ربيع القلوب القرآن الكريم حيث فيه الشفاء للصدور المكلومة.
2- العلاج النفسيّ الطبّي في العيادات النفسيّة؛ ليعاد تأهيلهم لمتابعة حياتهم الاجتماعية في مجالات بعيدة عن الحروب وسفك الدماء.

ويترشح عن هذين الخطّين:
1- الالتزام العملي بالتعاليم الإلهية، والتحصّن بالقيم الإسلامية والإنسانية.
2- تذكير النفس بشكل واعٍ بالهدف والغاية من العمل، وتحديد السلوك المنسجم مع قيم الهدف؛ لمراجعة النفس.
3- القيام بالممارسات التي ترسّخ اللين والعاطفة وتشيع الرحمة، كالتواصل مع الأيتام، وصلة الرحم وإظهار العاطفة على الأبوين.
4- الاهتمام بالأسرة والقيام بنشاطات أسرية خاصّة، وإظهار العاطفة تُجاه الأبناء والزوجة، وعدم الخجل من إظهار المشاعر، التي قد يقلّل السلوك العسكريّ غالباً من إظهارها، حيث يحدّ من القدرة على التعبير عن المشاعر.
وأخيراً، إنّ كل عمل يقوم به الإنسان، سيصطبغ بهدفه، فإن كان الهدف من المواجهات هو الحماية والدفاع، فتلك مشاعر رحمة ستظهر على صاحبها، وإن كانت مرتبطة بهدف مقدس، فإن هذه القداسة ستكوِّن هالة نفسية عالية، ستغني إنسانية الإنسان.
لذلك في كل خطوة في هذا الطريق الصعب، يجب تجديد قيمة الهدف.


(*) طبيب متخصص في الأمراض النفسية
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع