نور روح الله: وصاياهم تهزّ الإنسان مع الإمام الخامنئي: أدب الجبهة: إرث الشهداء(*) المودّة العشقيّة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القلب إلى كل القلوب: لو لم نَقُم بتكليفنا! قصة: عندما ألقى اللهُ الليرةَ(*) تربية: وصايا الشهداء: فرصة تربويّة حروفهم: بصمة المقاومة على التاريخ إنّها وصايا الشهداء قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام

تربية: بـادر طفلَك بالأدَب


الشيخ سامر توفيق عجميّ(*)


"وأمّا حقّ ولدك، فأنْ تعلم أنّه منك، ومضافٌ إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا وُلِّيته من حُسن الأدب"(1).
الإمام زين العابدين عليه السلام.


* الولد الصالح
لو توجّهنا بالسؤال إلى أيّ أبٍ أو أمّ: كيف يمكن أن يحقّق لكما طفلكما السعادة؟ لأجابا: بأن يكون إنساناً صالحاً على قدر آمالنا وأحلامنا. وبعبارة عرفيّة: أنْ يرفع رؤوسنا بين الناس. نعم، إنّ "الولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة"(2)، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد ركّزت الروايات كثيراً على هذا المصطلح: "الولد الصالح".
ولو طرحنا سؤالاً آخر: متى تشعران بالشَّين والعار من ولدكما؟ لأجابا: إذا كان سيّئ الخُلُق. وقد عبّرت عنه الروايات بـ"ولد السّوء".
وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "ولد السوء يهدم الشرف، ويشين السلف"(3).

من أهمّ جوانب صلاح شخصيّة الطفل هو البُعد الأخلاقيّ والقيميّ الذي لا يتكوّن إيجاباً أو سلباً في حياة الطفل بشكل تلقائيّ. فسلوك الطفل غير المرغوب فيه مثلاً ليس فطريّاً بأصل الخلقة، بل هو مكتسب، يتعلّمه من خلال التواصل مع البيئة الأسريّة والاحتكاك بها والمحاكاة لوالديه قولاً وعملاً.

* أربّي طفلي على القيم والأخلاق

عن أمير المؤمنين لولده الحسن عليهما السلام: "إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته، فبادرتُك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبُّك"(4).
أهمّ عناصر صلاح الأطفال مبادرة الأهل إلى القيام بمسؤوليّاتهم التربويّة تجاههم؛ بتهذيب أخلاقهم وعدم إهمالهم، أو إلقاء مسؤوليّة تربيتهم على عاتق الآخرين. فهم المسؤولون عن اختيار المدرسة المناسبة والأصدقاء اللائقين والجمعيّة الكشفية الملائمة؛ لتكون بيئاتٍ حاضنةً للنموّ الأخلاقيّ الصالح لأبنائهم.

فمثلاً، من المهمّ جدّاً الالتفات إلى أنّه عند المقايسة والمقارنة بين مدرسة يكون مستواها العلميّ مرتفعاً، ولكن فيها أجواء فساد أخلاقيّ، وبين مدرسة مستواها العلميّ متوسط وفيها أجواء أخلاقيّة دينيّة، أن لا نستهين بالبُعد الأخلاقيّ في شخصيّة أطفالنا لحساب البُعد العلميّ.

* أزمة أخلاقيّة عالميّة

تتأكّد أهميّة تربية الطفل أخلاقيّاً في عصرنا الحاضر بسبب الأزمة الأخلاقيّة العالميّة، من الحرب الناعمة على القِيَم، فكانت النتيجة الفصل بين التعليم والأخلاق، وهذا التهديد جعل القائد الخامنئي دام ظله ينبّه إلى أنّ من أهمّ الأهداف الاستراتيجيّة للمؤسّسات التعليميّة تعليم الأطفال الأخلاق. والمقصود بتعليم الأخلاق صيرورةُ التلميذ أخلاقيّاً من خلال مضمون المتون، وأساليب التدريس، وأنماط سلوك الأستاذ مع الطلّاب، وطبيعة الإجراءات الإداريّة(5)...

* السلوك الأخلاقيّ بين الظاهر والباطن
وأهمّ مرتكز في التربية الأخلاقيّة للطفل، بناءُ المحتوى القيَمي الداخلي له، بمعنى أن يكون السلوك أخلاقيّاً في الظاهر والباطن، فإنّ من الأزمات التربويّة التي تواجه بعض المربّين في عمليّة التربية الأخلاقيّة للطفل هي أن يقوم المربّي بتأديبه على سلوك ما جوارحيّاً من دون أن ينظر إلى شحن القوّة الداخليّة، مع أنّ الفعل إنّما يكون أخلاقيّاً فيما لو انطلق من المحتوى الداخليّ للإنسان. فلو صدر عن الطفل سلوك القيام للأستاذ أو تقبيل يد جدّه أو طأطأة رأسه أمام جاره، فإنّ هذا في حقيقته لو جرّد عن الدافع النفسيّ لا يعتبر احتراماً، فيما لو كان الطفل يعيش حالة النفور والاشمئزاز من ذلك الشخص في داخله.

نعم، لا شكّ في أنّ عمليّة صناعة المحتوى القيمي للطفل تبدأ من السلوك الظاهريّ؛ لأنّ بناء الباطن يبدأ من الظاهر. والروايات تتحدّث عن التلازم التوليديّ العاديّ بين التحلّم (السلوك الظاهريّ) والحلم (التحول الباطنيّ). عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال: "من تحلّم حلم"(6). وفي رواية أخرى يقول عليه السلام: "إنْ لم تكن حليماً فتحلَّم، فإنّه قلَّ من تشبّه بقوم إلّا أوشك أن يكون منهم"(7).

* لا تقل ابني عنيد!
وممّا يؤسَف له، أنّنا في هذا السياق، نشاهد بعض الأهل بمجرّد أن يُصدروا أمراً للطفل باتّباع سلوك معيّن أو ينهونه عن سلوكٍ ما، يظنّون أنّه ينبغي تلقائياً أن يفعل المأمور به أو يترك المنهي عنه، وكأنّ الطفل برنامج حاسوبيّ يتحرّك في ضوء لوحة المفاتيح بزرّ "أدخل". كما أنّ بعض الأهل يشعر بالإحباط واليأس من محاولة تأديب الطفل على سلوك أخلاقيّ معيّن لمرّتين أو ثلاث مرّات، فلا يعيد الكرّة، ونسمع منه عبارات مثل: إنّ ابني عنيد. لذا يحتاج الأهل إلى تدريب الطفل وتمرينه على المواظبة على فعل ما وتَكراره بنحو مستمر(8)، حتى يؤدّي ذلك التَكرار الكمّيّ إلى إيجاد التحوّلات في المحتوى الداخليّ الأخلاقيّ للطفل كي تصبح صفة راسخة في نفسه فيصدر عنها السلوك بسهولة ودون تكلّف. وهذا ما يصطلح عليه علماء الأخلاق اسم "الملَكَة الأخلاقية".

* أساليب وتقنيات مختلفة للتربية الأخلاقية
يمكن للمربّي أن يستخدم أساليب وتقنيّات عديدة في عمليّة التربية الأخلاقيّة للطفل، نعرض منها:

1- التعليم بأسلوب الاختيار الحرّ والمقارنة؛
بتعويد الطفل بطريقة ذكيّة على أن يختار قِيَمه، فيوضع الشيء وضدّه أمام الطفل، ثم نجعله يقرّر بنفسه، كأنْ يُقال له: أيّهما هو السلوك الجميل والقبيح برأيك؟ فإذا اختار على مقتضى فطرته السليمة السلوك الإيجابيّ فَبِها ونعُمت، وإن اختار السلوك الآخر، فنقوم بإعادة التوجيه بطريقة السؤال: هل ترضى أن يقوم شخص بهذا السلوك معك؟ فإن كان جوابه: لا، فقد حصل المطلوب، وإذا كان جوابه: نعم، يُسأل ثانية: إذا قام طفل بهذا الفعل هل تكون سعيداً أم غاضباً؟ وهل تمدحه أم تذمّه وتعتب عليه؟... وهكذا.

2- التعليم بأسلوب المدح؛
وذلك بمدح الطفل على أفعاله الحسنة، وتعويده على مدح كلّ طفل آخر يقوم بسلوك مرغوب فيه.

3- التعليم بأسلوب النقد؛
من خلال سؤال الطفل بين الحين والآخر عن رأيه في سلوكٍ غير مرغوب فيه يصدر عن شخص ما: برأيك هل هذا السلوك صحيح أم خاطئ؟ مع الانتباه إلى أن لا يتحوّل هذا الأسلوب إلى إيجاد مَلَكة التتبّع لعثرات الآخرين وإحصاء عيوبهم.

4- استخدام طريقة المعالجة بالضدّ؛
أي إلزام الطفل بالمواظبة على فعل ضدّ الرذيلة وتَكراره من أجل إحداث التحوّل الباطنيّ.

5- التعليم بالأسلوب الارتباطي ورصد الآثار؛
من خلال اطلاع الطفل على مدى ارتباط الفعل الأخلاقي بالجوانب الأخرى البيئيّة والصحيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة...

6- إزالة الأسباب التي تؤدّي إلى تلبّس الطفل بالرذيلة؛
فمثلاً إنّ قضاء جميع رغبات الطفل والنزول عند طلباته دائماً يعوّدانه على أخلاق سلبيّة، مثل: الإصرار على رأيه، عدم القدرة على التمييز بين الحاجات الضروريّة والكماليّة أو بين الحاجات والرغبات، قلّة الصبر وعدم القدرة على تحمّل الضغوطات... إلخ. وهذا يستلزم من الأهل التدخّل وإزالة الأسباب، مثل خفض نسبة تجاوبهم مع طلبات الطفل بالتدريج... إلخ.

7- أسلوب التحفيز بالتنافس مع الأقران؛
وليس التعيير بغيره من الأطفال، فإنّه يؤدّي به إلى بغضهم وحسدهم والعناد على فعله. عن أمير المؤمنين عليه السلام: "تنافسوا في الأخلاق الرغيبة..."(9).

8- حثّ الطفل على مصاحبة الأخيار؛
وتجنّب معاشرة الأطفال سيّئي الطباع والأخلاق.

9- تنمية حسّ النقد الذاتي للنفس؛
والاعتراف الذاتي بالخطأ والإقرار بالخطيئة.

10- تعويد الطفل على تجنّب تبرير الذنب أو التمسّك بأيّ ذريعة لذلك
؛ وتنمية حس تحمّل مسؤوليّة أيّ تقصير، وتجنّب إلقاء تبعات أفعاله واللّوم على الظروف والمؤثّرات الخارجيّة، أو على عاتق الآخرين، كالصديق أو الأستاذ أو الجار.


(*) مؤلّف وباحث تربوي، وأستاذ في جامعة المصطفى العالميّة - فرع لبنان.
1.من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج2، ص622.
2.الكافي، الكليني، ج6، ص2.
3.مستدرك الوسائل، الطبرسي، ج15، ص215، ح18039.
4.نهج البلاغة، من وصية له عليه السلام لولده الحسن عليه السلام كتبها إليه بحاضرين منصرفاً من صفين، رقم269، ص526.
5.يراجع: التربية والتعليم وفق رؤية الإمام الخامنئي دام ظله، ترجمة ونشر مركز الأبحاث والدراسات التربوية ودار البلاغة، بيروت، 2016م.
6.عيون الحكم والمواعظ، علي الليثي الواسطي، ص423.
7.نهج البلاغة، (م.س)، باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام، ح207.
8.جامع السعادات، النراقي، ص37.
9.عيون الحكم والمواعظ، (م.س)، ص200.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع