خطورة كثرة ألعاب الأطفال إذا كان الأكل حاجة فالجوع ضرورة! عيدان القطن قد تؤدي إلى تلف طبلة الأذن كيف يتغيّر الدماغ من خلال القراءة؟ مشروع قانون لتحديد عمر مستخدمي "فيسبوك" في فرنسا أوكسفورد تسحب وساماً منحته لزعيمة ميانمار "حزب الله" صورة العام أوّل حبّة دواء رقميّة في العالم اليمن على حافة مجاعة مرعبة إطلاق أوّل قناة تلفزيونيّة إسلاميّة في كينيا

تربية: المشاكل الزوجية وأثرها على نمو الطفل

فاطمة السيد قاسم



كثيرة هي المشاكل والاضطرابات التي تحصل ضمن البيوتات الزوجية والتي يتأثر بها الطفل "في طور التكوين" بالوضع الإمراضي الذي يظهره والداه من خلال علاقتهما المتشنجة وعدوانيتهما لبعضهما البعض في الوقت الذي يكون فيه الطفل مرتبطاً بهما ارتباطاً وثيقاً ومضطراً للتماهي مع كل واحدٍ منهما على السواء، والدراسات الحديثة أظهرت تواتر الاضطرابات عند الأطفال الذين عانوا من تفسخ علاقات أهلهم أو من الخلافات المزمنة بينهما. وفي هذا المجال يجب التنويه هنا بأن تشويش التواصل ضمن الأسرة يمكن أن يلعب دوراً أكثر أمراضاً وخصوصاً في ما يتعلق بمسألة الإكراه المزدوج التي يخضع الطفل عاطفياً ورغماً عنه والذي خلافاً للكبار لا يمكنه التخلص منها عبر الهروب من هذا الواقع أو الانفصال فهو مضطر إذاً لأن يتخلى عن وجوده النفسي الذاتي، عن أناه لأنه غير قادر أن ينقذ نفسه.

إن الرغبة في الحصول على ولد تعود بالأصل إلى الأعماق الأكثر بدائية للكائن الإنساني حيث الحب والتملك يكونان شديد الارتباط وحيث لا يميز جيداً بين الكينونة والامتلاك فإذا ألححنا على الكينونة بواسطة الولد "استمرارية وجود الأهل تتمثل بالولد" الذي نملك وإذا كان ولا نزال نحيا بوجوده فذلك أننا نجعل منه مركزاً لأثمن ما لدينا ونعيشه على مستوى نرجسي كملحق لنا ولذاتنا، إنه واقع في حال امتداده واستمراره سيهدد استقلاليته ويدمره. كل الإسقاطات يمكن أن تسقط على الولد بكل تناقضاتها التي يشعره بها تواصل عميق من لا شعور إلى لا شعور لا يفهم كنهها وغير قادر على إيضاحها ورفضها. وفي هذه الحالة سيتألم لكونه نقطة التقاء لرغبات ليست دائماً متآلفة.

المعاينات العيادية التي قام بها بعض المحللين النفسيين أكدت أن بعض الأهل لا يتوصلون إلى التوافق والانسجام الداخلي فيما بينهما إلا بشرط أو على حساب إخضاع الطفل للعب دور خاص غالباً ما يكون له نتائج مرضية بالنسبة له. كأن يلعب مثلاً دور الضحية (كبش المحرقة) المكلف بتحمل أخطاء الشريكين أو بتعبير آخر أن يكون الممثل للدوافع المرفوضة أو الأخطاء والتهديدات المعاشة بواسطة الوالدين اللذين ينفسان عن أنفسهما على ولدهما بالذات الذي لا يمكنه تحمله أو كشفه في صميم ذاته.

وضمن هذا السياق أيضاً، يوجد عند الأهل مستويات تكون قابلة لحث الطفل على سلوك معين من شأنه أن يساعد على ظهور مشاكل وصعوبات عنده والتي يمكن أن تبقى كافية بدون هذا الحث. فنحن نعرف جيداً أن أغلب الأطفال يجدون صعوبة في تخطي عقدة "أديب" في حال لم يتوصل الوالد الذي يفترض التماهي معه بشكل أساسي، إلى حل إشكاليته الذاتية، هذا الوالد يستجيب كالخصم أو المنافس أكثر منه كوالد، وهكذا يصبح الطفل البديل لما يرفض الأب تحمله بذاته أو لما هو غير قادر على تحمله بذاته، بطريقة ضمنية أو حتى منكرة ـ يطلب من الولد ما ليس قادراً على إعطائه.

وفي موقف آخر، يحاول الطفل دون جدوى الضرب على باب مقفل ضمن علاقة تكون فيها الأوضاع متفاقمة بين الوالدين نتيجة سوء التفاهم المزمن أو التفاهم الضمني المحجوب حيث يكون نمط العلاقة قائماً على الانطواء والانكفاء عن العالم الخارجي وهذا من شأنه أن يزيد من عزلة الطفل أكثر فلا يجد أي شخص يلجأ إليه أو يتواصل معه لا في الداخل ولا في الخارج. وهكذا يكون التوافق الواقع بين الشريكين قائماً على حساب الآخرين وخصوصاً الأولاد. وهذا لا يعني أن التوافق بين الوالدين يجب أن يتبع هذه الوسيلة أو يفرض دائماً ضحية معينة.

وقد يحصل أحياناً أخرى أعراض مرضية عند الطفل (الاضطراب، الأرق، القلق، الفشل المدرسي، المرض النفسي والجسدي) كل هذه الأعراض ما هي إلا تعبير واضح عن المشاكل النفسية التي تحصل بين الوالدين؛ نستنتج إذاً أن معالجة الطفل تستوجب قبل أي شيء معالجة الوسط الذي يعيشه أي الأهل الذي يتفاعل معهم.
يستجيب الطفل بالانفعالات والقلق واضطراب السلوك لكن عابراً أو مؤقتاً وفي حال استمر التوتر لفترة طويلة فإن استجابة الطفل تكون أقوى حيث تضطرب شخصيته بشكل كامل وتفسد السيرورات النفسية والجسدية عنده.

 هذه التوترات يدركها الطفل بشكل حدسي حتى ولو حاول الوالدان حجبها نذكر منها ما يلي:
أ ـ عدم الأمان:
الشجار، تبادل التهم، والتعابير اللفظية والانفعالية التي تطبق أثناء الخلافات بين الوالدين. من شأنها أن تولد القلق والاضطراب عند الطفل كما إنه عامل ضروري من العوامل الضرورية التي تطور الشخصية والصحة العقلية إن انهيار الدعامة الأساسية التي يرتكز عليها الطفل من شأنها أن تثير عنده "ردات فعل" متنوعة: قلق، احتياج، تصرفات حمقاء للفت الانتباه، إنطواء على الذات، أمراض نفسية جسدية، صراع مع الأخوة.

ب ـ صعوبة التماهي: يتكون "الأنا" عند الطفل بواسطة التماهي مع الوالد من نفس الجنس ولكي يتحقق هذا التماهي، يجب أن تكون العلاقة مع هذا الوالد مستقرة، وإيجابية، فالاضطرابات العائلية واستخدام الطفل كوسيلة ابتزاز أو عقاب (الطفل يستخدم كوسيط ويصبح ضحية غايات متناقضة وموضوع إغواء أحد الشريكين بغية الإساءة إلى الشريك الآخر) وبرز المخاوف والشكوك، هذه المشاكل من شأنها أن تعيق سيرورات التماهي عند الطفل.

جـ تشويه صورة الزواج والعائلة: إن التجارب المعيوشة بواسطة الطفل بالنسبة لزواج أهله أو الجو المشحون بالمشاكل من شأنها أن تشكل لاحقاً القاعدة اللاشعورية لصورة الزواج والعائلة. فعلى المستوى اللاشعور تتطور الفكرة التالية: إذا كانت العائلة هكذا فلا أريد أن أكوّن عائلة. إن الخوف من الزواج يعبر بشكل لا شعور عن الخوف من تكرار النموذج السلبي زواج الأهل، الذي يمثل الألم والشقاء. والمشاكل التي تنعكس على نفسية الطفل من شأنها أن تقوض الكثير من القيم الإنسانية وتفسد معنى المستقبل عند الطفل.
هذه المشاكل يمكن أن تكون أحد الأسباب التي تدفع الشبيبة المعاصرة إلى البحث عن السعادة الوهمية أو إلى التهرب المأساوي واللجوء إلى المخدرات وإلى أشكال الزواج المنحرف.

د ـ النقص في عملية التكيف الاجتماعي: (إن تعلم الأدوار الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية تتم ضمن إطار الأسرة والحياة الأسرية وفي ما بعد المدرسة) فالأدوار المبهمة والعلاقات العاطفية المزعزعة والجو المشحون حيث يسيطر التوتر وحيث لا يستطيع الطفل أن ينحاز إلى أحد الوالدين لأنه لا يعرف أياً منهما على حق، هذا الوضع من شأنه أن يولد مع الوقت قصوراً وعجزاً في إقامة علاقات اجتماعية مستقرة وثابتة وإلى رفض كل مجتمع مهما كان نوعه وشكله.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع