قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

الأصل الأولى في مورد ولاية الفقيه

آية الله جوادي الآملي

ذكرنا سابقاً عدة نماذج من الموارد التي يعتبر حق التدخل والتصرف فيها مختصاً بمقام الولاية. وإن كانت، (كما مر معنا)، تلك الموارد التي يحق لولي الأمة الإسلامية التصرف فيها غير مقتصرة على هذه الأمور، بل بمفاد الآية الكريمة ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم (الأحزاب:6)، فإن دائرة تصرفه تشمل كافة الموارد التي تكون في حدود تصرف الأشخاص أو المجتمع وتدخلهم.

بالتأكيد أن هذا المقدار من الولاية الذي قد ثبت يرتبط بالولاية المطلقة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام، أما إثبات الولاية في كل مقدار من هذه الأمور للآخرين ومن جملتهم الفقيه في عصر الغيبة فإنه يحتاج إلى دليل يثبت أن جعل الولاية للفقهاء قد كان من جانب ذلك الذي وصل إلى مقام الولاية.

ولو لم يكن هناك دليل لإثبات الولاية لغير المعصومين عليهم السلام، فإن الأصل الأولي هو عدم ولاية الأفراد على بعضهم البعض ولا يعني هذا أنه لا يحق لأحد ادعاء الولاية والسلطة على الآخرين فحسب بل أن قبوله للسلطة يعد عملاً خلافياً، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المجال: "من أقرّ بالذل طائعاً فليس منا أهل البيت". (البحار - ج77)
وعن سيد الشهداء عليه آلاف التحية والثناء كلام في هذا الصدد حيث يقول: "ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلّة يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت".

* امتياز الوكيل عن الولي المنصوب
ينعزل الوكيل بمجرد موت موكله، لكن الولي المنصوب لا يُخلع بموت المنصّب. وكمثال، لو جعل أحد المراجع الجامعين للشرائط شخصاً ما وكيلاً له أو ممثلاً عنه في بعض الأعمال، فبارتحال هذا الفقيه سوف تبطل تلك الوكالة والممثلية، ولكن فيما إذا نصّب المرجع الجامع للشرائط فرداً ما للولاية على الأمور الحسبية، فإنه سوف يبقى في منصبه حتى لو توفي ذلك المرجع إلا إذا جاء الفقيه التالي وعزله من منصبه.
وكذلك الأمر في حال أصيب الفقيه بإغماء، فإن الإغماء يعتبر بمنزلة الموت أو في حال أن ذلك الإغماء استمر حتى الموت. فبإغماء الفقيه ينعزل وكيله بينما يبقى الولي الذي نصّبه على ولايته.

* اختلاف الوكالة والنيابة عن ولاية الفقيه
من خلال الامتياز الذي بيّناه فيما بين الوكيل أو النائب والولي المنصوب يعلم أنه لو نُصِّب الفقيه الجامع للشرائط بعنوان وكيل أو نائب من جانب الولي المعصوم، فإنه ينعزل إذا لم تقر له تلك الوكالة من المعصوم التالي. أما فيما لو حصلنا على دليل من النبي أو أحد الأئمة في نص الفقهاء على الولاية في أحد المجالات فإن هذه السمة سوف تبقى ثابتة ما لم يقم أحد الأئمة فيما بعد بنفيها وإلغائها.

بناء على هذا فإنه لأجل إثبات ولاية الفقيه في عصر الغيبة يمكننا بالإضافة إلى الاستناد على ما ورد عن إمام الزمان عليه السلام، الاستدلال بالروايات والنصوص التي وردت عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الباقين عليهم السلام.

* بطلان تخصيص الأصل الأولي بولاية الفقيه

ردحكم حاكم الشرع يعتبر بمنزلة رد حكم الأئمة عليهم السلام وهو دليل على حرمة نقض الحكم حتى على الحاكم نفسه
يجب الالتفات إلى أنه لو ثبت جعل الولاية للفقيه في عصر الغيبة من جانب أصحاب مقام الولاية ففي هذه الحال لن يطرأ على ذلك الأصل الأولي في مورد عدم ولاية وتسلط الأفراد على بعضهم أي تقييد أو تخصيص. لأن معنى تسلط الفرد هو أنه يصدر أمراً بدون أن يكون مكلفاً بأدائه، أما الولي الفقيه -وكما بيّنا سابقاً- فإنه إذا أفتى في أمرٍ ما لن يختلف كمقلَّد عن مقلديه في وجوب العمل بتلك الفتوى.

كذلك بعد إثبات الولاية له، فإنه لو أصدر حكماً ولائياً في مورد ما، لن يختلف عن الآخرين في حرمة نقضه. وقد تمسك المرحوم صاحب الجواهر بإطلاق مقبولة عمر بن حنظلة لأجل إثبات تساوي الفقيه مع الآخرين في وجوب رعاية الأحكام الحكومية، وقال أن حديث الإمام الصادق عليه السلام: "فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا ردّ والراد علينا كالراد على الله".
يعني أن رد حكم حاكم الشرع الذي هو بمنزلة رد حكم الأئمة دليل على حرمة نقض حكم الحاكم عند الجميع حتى ولو على الحاكم نفسه.

وكمثال فإن المرحوم الميرزا الشيرازي عندما حكم بحرمة التنباك لم يكن استعمال التنباك محرماً على الآخرين وحلالاً عليه. بل عندما يحكم الحاكم لا يحق لأحد نقض حكمه حتى الفقهاء الآخرون فإنهم مكلفون برعاية حكمه، إلا إذا قطع الفقيه - لا بالظن - بخلاف حكم الحاكم.
وعلى هذا الأساس يقول سيدنا الأستاذ الإمام الخميني قدس سره في الجزء الثاني من كتاب البيع ضمن البحث في مسألة ولاية الفقيه: إن ما يحكم في الإسلام هو الفقاهة والعدالة، وبتعبير آخر القانون الإلهي هو الذي يكون حاكماً وولياً على الناس ليس فرداً خاصاً، لأن الولي ليس وجوداً منفصلاً عن نسيج المجتمع؛ بل إن عليه أن يراعي الأحكام والقوانين الإلهية مثله مثل بقية أفراد المجتمع. ولهذا لا يكون الفقيه حاكماً على الناس أبداً حتى نقيد ذلك الأصل الأولي أو نخصصه بتلك الحكومة، بل إن الفقاهة والعدالة هما اللتين تحكمان الناس. ولهذا، فإن ولاية الفقيه بعد إثباتها تخرج من ذلك الأصل العام تخصصاً، ويرجع هذا الخروج التخصصي أيضاً إلى الآية الشريفة من السورة المباركة آل عمران: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله. (63).
فالكل مكلفٌ بالامتثال للأحكام الإلهية ولا يتخذ أحد أحداً رباً.

* حدود ارتباط الفقيه بالناس

بشأن كيفية ارتباط الناس بالفقيه يوجد أقوال عديدة. فالبعض ذهب إلى حد التفريط حيث قطع أية علاقة أساسية بين الفقيه والناس، والبعض حفظ هذا الارتباط إلى حد ما، والبعض الآخر أوصله إلى درجة عالية ولهذا يمكن تلخيص الآراء في هذا الباب في ثلاثة:
الأول: رأي الإخباريين هذه الجماعة اعتبرت أن ارتباط الفقيه بالناس مثل ارتباط العوام مع بعضهم، فمع إنكارهم للاجتهاد والتقليد لم يعد للفقيه عندهم دور سوى نقل الحديث وشرحه. أي أنهم جعلوا علاقته بالناس مثل علاقة المحدث بالمتسمع. فهو ينقل الحديث ويشرحه والناس يسمعونه ويعملون بمضمونه.
وعلى هذا الرأي لا يوجد إجازة لاستنباط المجتهد والعمل على أساسه. والرأي الأخباري بشأن ارتباط الفقيه بالناس لا يمكن أن يتصور معه أي شكل من أشكال الحكم.

الثاني: رأي الأصوليين وهو أعلى من المستوى الأول. فهذه الطائفة التي تقول بحق الفقيه في الاجتهاد والاستنباط اعتبرت أن حاصل استنباطه يكون حجة على الناس، لكن في قسم الولاية اعتبر بعضُ الأصوليين الفقيه بمنزلة كافة المؤمنين مع بعض الامتيازات له.
تعتقد هذه الطائفة أن الفقيه مقدم على عدول المؤمنين في أداء الأعمال الاجتماعية. وهذا الصنف من الأمور هو تلك الأمور الحسبية التي يمكن للفسّاق من المسلمين أن يقوموا بها في حال فقدان المؤمن العادل، من قبيل حفظ مال الغائب والقاصر والولاية على شؤون الغُيَّب والقُصَّر أو تجهيز ودفن الميت الذي لا ولي ولا وصي له.

البعض ذهب إلى أبعد من ذلك واعتبر أن مسألة القضاء في زمن غيبة المعصوم تختص بالمجتهد لكنه سكت عن إجراء الأحكام الصادرة عن القاضي.
البعض الآخر تقدم وقال بما أن القضاء ثابت للفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة الكبرى فإن لوازمه ثابتة أيضاً. أي أن إجراء الحكم هو على عهدة الفقيه. وهذا التطبيق هو شكل من أشكال الحكومة والولاية التي تحتاج إلى القوة العسكرية والأمنية، خاصة إذا لم تكن الخلافات في الظروف الراهنة منحصرة بموارد من قبيل اختلاف المالك والمستأجر، وإنما تشمل اختلاف الشركات الكبرى حيث أن فهم مشكلاتها القضائية لا يمكن بدون وجود سلسلة من المتخصصين الخبراء.

* القبول بمبدأ ولاية الفقيه في قسم القضاء يثبت باقي شعب الولاية
طائفة أخرى قالت أنه في زمان الغيبة تبقى الحدود الإلهية إلى آلاف السنين بل أكثر بدون أن يطرأ أي إشكال على طول عمر الإمام. لأن معيار دوام وبقاء البدن هو الروح وإلا فإن جسم الإنسان هو دائماً في حالة تغير.
أحد أطباء الأسنان يقول متعجباً: أي معدن فولاذي يعمل لثمانين سنة ليلاً ونهاراً دون أن يصيبه الاهتراء؟ كيف يبقى سن الإنسان الذي هو عظم لا أكثر أفضل وأكثر من المعدن؟
وهو لم يلتفت إلى أن هذا السن قد تبدل وتغير عدة مرات وأن الذي كان يحافظ ويدبر هذا التغير هو تلك الروح المجردة.

فالسن الذي يبقى من الطفولة إلى الشيخوخة ليس أصلب من الفولاذ بل مثل الماء المتحرك الذي يراه الناظر ساكناً. مَثَلُ السن بل مَثَلُ كل بدن الإنسان مثل الشامة التي تتغير في عمر الإنسان عشرات المرات وصاحبها يظنها أنها هي نفسها، ومثل الصورة التي ترى في الماء الجاري ثابتة وساكنة في حين أنها تتبدل دائماً مع جريان الماء.
فالذي يحفظ وحدة البدن ودوامه واستمراريته هو الروح، ولأن الروح باقية فلا مانع من بقاء البدن لملايين السنين.
ومن المسلم أنه مع هذا الاحتمال في مورد طول مدة الانتظار، ينبغي أن يقوم الفقيه الجامع للشرائط بتطبيق الأحكام. لأنه لو اكتفى بالموعظة والنصيحة لتعطلت كافة الحدود الإلهية في زمن الغيبة، ولبقي هذا السؤال: أنه بأي قانون يجب منع المجرمين الذين يعتدون على حقوق الآخرين؟ ومن المسلم أيضاً أنه لا يوجد حجة بإجراء القوانين الشرقية أو الغربية. وعلى هذا الأساس لا بد من إقامة القوانين الإسلامية وتطبيقها. خصوصاً أننا لا نعلم الفترة التي يكون فيها ظهور الحجة القائم عجل الله فرجه الشريف. وإن كان الشيعة مكلفون أيضاً بحفظ الاستعداد في انتظار الظهور لا الانزواء والاعتزال. وقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: "ليُعِدَّنّ أحدُكم لخروج القائم ولو سهماً".

فانتظار ظهور حضرة ولي العصر عجل الله تعالى فرجه الذي هو من أفضل العبادات ليس انتظاراً سلبياً، بل هو حفظ الاستعداد والتجهز للمعركة النهائية. تلك المعركة التي هي مثل يوم القيامة يمكن أن تقع في أية لحظة. وإن كان احتمال التأخير لا يجوز أبداً تعطيل الحدود وترويج الإباحة، أو تبليغ القوانين الغير إسلامية والعمل بها.

يقول المرحوم صاحب الجواهر في كتابه الجليل بعد تثبيت وجوب إجراء الحدود الإلهية في زمن الغيبة.
"...مما يظهر بأدنى تأمل في النصوص، وملاحظتهم حال الشيعة وخصوصاً علماءهم في زمن الغيبة، وكفى بالتوقيع الذي جاء للمفيد من الناحية المقدسة، وما اشتمل عليه من التبجيل والتعظيم، بل لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلقة بشيعتهم معطلة، فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً، ولا تأمل المراد من قولهم: إني جعلته عليكم حاكماً، وقاضياً، وحجة وخليفة ونحو ذلك مما يظهر إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم".
وكما يلاحظ فإن صاحب الجواهر - رحمه الله - ينسب القول بتعطيل الأمور والحدود في زمن الغيبة إلى بعض الناس الذين لم يذوقوا طعم الفقه ولا فهموا لحن قول المعصوم، أولئك الذين لم يدركوا شيئاً من أسرار الدين، ومروا بمراد كلمات الأئمة عليهم السلام بدون تأمل.

ومع قبول ولاية الفقيه في قسم القضاء وقسم الحدود فإن الكثير من شعب ولاية الفقيه تثبت. لكن البعض الآخر من الأصوليين قد قالوا بولاية الفقيه في عصر الغيبة بنحو مطلق، وهي الولاية في جميع الموارد التي كانت للأئمة المعصومين عليهم السلام إلا ما استثني بالدليل الخاص.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع