مضغ الطعام جيداً يحمي من ألزهايمر لا علاقة للشمس بالاحتباس الحراريّ ابتعد عن الراحة للحفاظ على صحتك! الأعمال المنزلية تنقذ حياتكِ! الكافيين يسبّب زيادة الوزن! احذر "الغفوة الصباحيّة" التحصيل العلمي يحدّ من الاكتئاب اختراع ملابس جديدة تنمو مع الأطفال السيّد نصر الله "يغزو" الجامعات "شراء الوقت" يزيد الشعور بالسعادة

مناسبة عاشوراء: جئتك شاهداً متقرّباً


الشيخ لبنان حسين الزين


تشتمل زيارة مشاهد الأنبياء والمرسلين والأئمّة عليهم السلام، على أبعاد وجوديّة وتربويّة وثوريّة يتوخّاها الدين الإسلاميّ. ويتجلّى ذلك في ما تحمله من دلالات معنويّة عالية وسامية في بيان نهج الحقّ ومواجهته للباطل في كلّ زمان ومكان، وما تمدّ به الزائر من قوّة ودافعيّة لمواصلة هذا النهج والسير في طريق العبوديّة. ومن هنا، كان لا بدّ من الوقوف عند الأبعاد الوجوديّة الكامنة في زيارة الإمام المعصوم عليه السلام، وآثارها وبركاتها على الزائر، وطبيعة العلاقة الوجوديّة التي تربط الزائر بالإمام المَزُور عليه السلام، في هذا المقال، من خلال زيارة الإمام الحسين عليه السلام.

* الهداية مدد وجوديّ
إنّ العلاقة القائمة بين الزائر والمَزور (الإمام المعصوم عليه السلام) هي علاقة ارتباط واستمداد وجوديّ تأخذ بيد الزائر في طريق الهداية؛ بغية إيصاله إلى كماله. ومن مظاهر هذا المدد الوجوديّ:

1- هداية معنوية:

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24). إنّ الإمام عليه السلام يهدي الناس بأمر ملكوتيّ يصاحبه، وله نحو ولاية باطنية عليهم في أعمالهم، بإيصالهم إلى المطلوب بأمر الله. وكشف تعالى عن أنّ هذا الأمر هو وجه آخر لعالم الخلق؛ أسماه الملكوت: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: 75)، وعن أنّ الروح من الأمر: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء: 85). وفي الروايات أنّ هذه الروح هي التي تقع بها الهداية الملكوتية للإمام عليه السلام؛ فعن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال: "إنّ الله عزّ وجلّ أيّدنا بروح منه مقدّسة مطهّرة، ليست بملَك، لم تكن مع أحد ممّن مضى إلّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي مع الأئمّة منّا، تسدّدهم وتوفّقهم، وهو عمود من نور بيننا وبين الله عزّ وجلّ"(1).

وفي زيارة الإمام الحسين عليه السلام، يشهد الزائر للإمام عليه السلام بالهداية الملكوتية للخلق؛ بقوله: "بِكُمْ فَتَحَ الله، وَبِكُمْ يَخْتِمُ الله، وَبِكُمْ يَمْحُو ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ، وَبِكُمْ يَفُكُّ الذُّلَّ مِنْ رِقابِنا، وَبِكُمْ يُدْرِكُ الله تِرَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ يُطْلَبُ بِها، وَبِكُمْ تُنْبِتُ الأَرضُ أَشْجارَها، وَبِكُمْ تُخْرِجُ الأَرضُ ثِمارَها وَبِكُمْ تُنْزِلُ السَّماءُ قَطْرَها وَرِزْقَها، وَبِكُمْ يَكْشِفُ الله الكَرْبَ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الله الغَيْثَ، وَبِكُمْ تُسَبِّحُ الأَرضُ الَّتِي تَحْمِلُ أَبْدانَكُمْ وَتَسْتَقِرُّ جِبالُها عَنْ مَراسِيها. إِرادَةُ الرَّبّ فِي مَقادِيرِ أُمورِهِ تَهْبِطُ إِلَيْكُمْ وَتَصْدُرُ مِنْ بُيُوتِكُمْ وَالصَّادِرُ عَمَّا فُصِّلَ مِنْ أَحْكامِ العِبادِ"(2).

2- الشهادة على الأعمال:

لمّا كان الإمام المعصوم عليه السلام يهدي الخلق بهداية ملكوتيّة؛ فإنّ كلّ ما يتعلّق به أمر الهداية -وهو القلوب والأعمال- فللإمام عليه السلام باطنه وحقيقته؛ بحيث يحضر عنده ويلحق به أعمال العباد، خيرها وشرّها، وهو المهيْمن على السبيلين جميعاً، سبيل السعادة وسبيل الشقاوة(3).
وإلى ذلك تشير الآيات التي تحدّثت عن شهادة الأعمال على العباد في الدنيا والآخرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105).

وهو ما بيّنته الروايات المأثورة، منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما من مؤمن يموت أو كافر يُوضَع في قبره حتّى يُعرض عمله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أمير المؤمنين صلوات الله عليهما، وهلمّ جرّاً إلى آخر من فرض الله طاعته، فذلك قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾"(4).

وفي زيارة الإمام الحسين عليه السلام، يشهد الزائر للإمام عليه السلام بالشهادة على أعمال العباد، ويريد إشهاده على حاله شهادةَ تحمّل يؤدّيها إليه عند الله تعالى: "أُكْتُبْ لِي عِنْدَكَ مِيثاقاً وَعَهْداً أَنِّي أَتَيْتُكَ مُجَدِّداً المِيثاقَ فَاشْهَدْ لِي عِنْدَ رَبِّكَ، إِنَّكَ أَنْتَ الشَّاهِدُ"(5).

3- الشفاعة:

صرّح القرآن الكريم بإمكانيّة الشفاعة من غيره تعالى عن إذنه ورضاه، ونفعها في المشفوع لهم في الآخرة؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (طه: 109).

وتشير مجموعة من الروايات إلى شفاعة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام؛ منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "فأمّا في يوم القيامة، فإنّا وأهلنا نجزي عن شيعتنا كلّ جزاء، ليكوننّ على الأعراف بين الجنّة والنّار محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام والطيّبون من آلهم، فنرى بعض شيعتنا في تلك العرصات ممّن كان منهم مقصّراً في بعض شدائدها، فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان، والمقداد، وأبي ذر، وعمّار، ونظرائهم في العصر الذي يليهم، وفي كلّ عصر، إلى يوم القيامة، فينقضّون عليهم كالبزاة والصقورة، ويتناولونهم كما تتناول البزاة والصقورة صيدها، فيزفّونهم إلى الجنّة زفّاً"(6).

وفي زيارة الإمام الحسين عليه السلام، يشهد الزائر للإمام عليه السلام بمقام الشفاعة، ويريد منه استنقاذه من العوالق والموانع التي تحول بينه وبين ما ينزع إليه في أصل خلقته من نيل الكمال: "أَشْهَدُ أَنَّكَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ، جِئْتُ مُقِرَّا بِالذُّنُوبِ لِتَشْفَعَ لِي عِنْدَ رَبِّكَ يا ابْنَ رَسُولِ اللهِ"(7). وهو يطلب من الله تعالى بحضرة الإمام عليه السلام أن يرزقه شفاعته عليه السلام وملازمة نهجه العبوديّ: "اللّهُمَّ ارْزُقْنِي شَفاعَةَ الحُسَيْنِ يَوْمَ الوُرُودِ، وَثَبِّتْ لِي قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَكَ مَعَ الحُسَيْنِ وَأَصْحابِ الحُسَيْنِ، الَّذِينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلامُ"(8).

* إنّها من تقوى القلوب
إنّ الحثّ الوارد في سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة المعصومين عليهم السلام العمليّة والقوليّة، بخصوص المواظبة على زيارة المراقد المقدّسة للأئمّة المعصومين عليهم السلام، ولا سيّما مرقد الإمام الحسين عليه السلام، يكشف عن دور هذا الفعل (الزيارة)؛ بما يحويه من خصوصيّات أفعاليّة ومقاليّة، في تصحيح وجهة الزائر وإمداده في سيره الوجوديّ نحو مقام القرب الإلهيّ.

ومن هنا، تغدو الزيارة منسكاً وشعيرة عباديّة تشريعيّة؛ شأنها شأن المناسك والشعائر العباديّة التشريعيّة الأخرى، في اتّكائها على حقيقة تكوينيّة يبتغي الإسلام إيصال الناس إليها وتحقيقها فيهم؛ وهي التحقّق بالعبوديّة؛ استلهاماً واستمداداً وجوديّاً ممّن تحقّق بأعلى مراتبها وأكملها؛ وهم الأئمّة المَزورون عليهم السلام: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32).


1. عيون أخبار الرضا، الصدوق، ص217.
2. الكافي، الكليني، ج4، ص576-577.
3. الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائي، ج1، ص276.
4. تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي، تفسير سورة التوبة، ج1، ص304.
5. الكافي، (م.س)، ج4، ص578.
6. بحار الأنوار، المجلسي، ج8، ص338.
7. الكافي، (م.س)، ج4، ص578.
8. مصباح المتهجّد، الطوسي، ص776.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع