قرى صامدة النتائج الدنيويّة لخذلان الإمام الحسين عليه السلام أخلاقنا: المُجاهد من جاهد نفسه تقرير: "تعرف في وجوههم نضرةَ النّعيم" احذر عدوك: كتمان السرّ في بُعدَيه الشخصيّ والإلهيّ وسائل التواصل الاجتماعي تلتهم وقت القراءة موظفي المكاتب: أنقِذوا عقولكم! قلة النوم كالتدخين "غوغل" تُحارب روسيا وإيران اللحم المشوي على الفحم

تقرير: "من أحياها": وهب الأمـل والحيـــاة


فاطمة خشاب درويش


تتعدّد أمنياتنا في هذه الحياة ما بين زواج، وعمل، وحياة أفضل. ولكن أمنية "محمود جمال" مختلفة بكلّ المقاييس، فما هي قصّة محمود؟ وما هي أمنيته التي يرغب في تحقيقها؟ يستيقظ "محمود" بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع عند الساعة الثالثة والنصف ليلاً. يبدأ نهاره في هذا الوقت في مختلف الفصول صيفاً وشتاءً. ينزع غطاءه عنه، يرتدي ملابسه وربما لا يزال يغلبه النعاس، يتوجّه إلى قسم الكلى في مستشفى الرسول الأعظم؛ ليخضع لعملية غسيل الكلى لفترة ثلاث ساعات ونصف تقريباً، غالباً ما يغلبه النعاس خلالها.

•مستقبل بلا أحلام
يعاني محمود من فشل كلوي منذ ما يقارب اثني عشر عاماً. بدأ غسيل الكلى في عمر السابعة عشرة حين كان يدرس سنته الأخيرة في المدرسة في أفريقيا. ورجع إلى لبنان في عيد التحرير عام 2000م وبدأت حياته ترسم ملامح مستقبل جديد خالٍ من كل الأحلام والأمنيات، التي لطالما فكّر فيها على مقاعد الدراسة وعلى وسادته قبل أن ينام.

لم يسمح لكلّ هذه الآلام أن تحدّ من تطلّعاته، فهو الذي كان يتوجّه إلى جامعته فور انتهائه من غسيل الكلى، تغلَّب على أوجاعه بمثابرة وجدّ أثمرا شهادتين جامعيّتين، فإيمان محمود كبير ولم يشعر يوماً بالقنوط من رحمة الله.

"محمود" هو واحد من آلاف المرضى حول العالم الذين يواجهون يوميّاً خطر الموت؛ جرّاء فشل أحد الأعضاء الحيوية في الجسم. وتبدأ عملية الإنقاذ بإيجاد متبرع ينقذ مريضاً، ويبعث أملاً في نفوس آخرين، ويحيي الناس جميعاً.

•جمعية "من أحياها"
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32). تختصر هذه الآية المباركة كل الحكاية؛ فهي تُترجِم أسمى معاني العطاء دون مقابل.

تحمل جمعية "من أحياها" لتعزيز ثقافة وهب الأعضاء في لبنان هذا الشعار. وهي جمعية قانونية تُعنى بمسألة وهب الأعضاء والأنسجة البشرية، ليس فقط للأقارب، وإنما للمرضى الغرباء الذين يعانون من قصور في عمل أحد أعضائهم أو فشله.

يتحدّث رئيس جمعيّة "من أحياها" الدكتور عماد شمص لـ"مجلة بقية الله" عن أهداف الجمعيّة والتي تتلخّص بالآتي:
1- نشر ثقافة وهب الأعضاء والأنسجة البشرية في بيئتنا ومجتمعنا.
2- المساهمة في إنجاح وإتمام عمليّات وهْب وزراعة الأعضاء.
3- نشر التوعية الخاصّة بعدم المتاجرة بالأعضاء والحثّ على التبرّع بها.
4- الاستفادة من المتطوّعين الذين يودّون المساعدة.

ويلفت د. "شمص" إلى أهميّة الوهب؛ مستشهداً بما هو مستجدّ عالمياً اليوم، والذي يعتبر أكثر حساسيّة من مسألة وهب الحيّ لأعضائه، ويذهب باتّجاه الاستفادة من أعضاء الميت دماغياً عبر نشر ثقافة وهب الأعضاء، على غرار بعض الدول التي قطعت أشواطاً في هذا المجال، ومنها إيران وتركيا والسعودية والكويت، فيما لا تزال هذه الثقافة خجولة في لبنان.

•الموت الدماغيّ شرط أساس
ترتبط عمليّة الوهب بالموت الدماغيّ للواهب، ودون تحقّق هذا الشرط لا تحصل عمليّة الوهب. فما هو الموت الدماغيّ؟ وكيف تتمّ عمليّة الوهب؟

يوضح د. شمص أنّ حالة "الموت الدماغيّ"، لا خلاف على توصيفها في الطبّ، كما في القانون اللبنانيّ الذي يعترف بأنها "موت نهائيّ لا رجعة عنه إلى الحياة". وحول ماهية هذه الحالة من الناحية الطبية، يقول د. شمص: "الموت الدماغيّ عبارة عن تعطّل تامّ في عمل الدماغ، في حين تبقى باقي الأعضاء الحيوية تعمل بواسطة الأجهزة والأدوية لفترة وجيزة، تسمح بالاستفادة منها لنحو ثمانية مرضى، يعانون من فشل في أعضائهم البشريّة". وحول المخاوف التي يطرحها أهل الواهب حول التمثيل بالجثة، يؤكد شمص أن الأعضاء الداخلية للجسم هي التي يتم وهبها حصراً، وبمعنى آخر: من غير المسموح وهب الأطراف، أو أي عضو خارجيّ قد يشكّل تمثيلاً بالجثة.

•آليّات عملية الوهب
يؤكّد المستشار القانونيّ لجمعية "من أحياها" المحامي الأستاذ "علي برو" على أنّ عمل الجمعية يتركّز على نشر ثقافة وهب الأعضاء في المجتمع وإيجاد عدد من الواهبين، من خلال فريق من المتطوّعين يتولّى مهمّة تعبئة الاستمارات الخاصّة؛ مشيراً إلى أنّ الجمعية تساند "الهيئة الوطنية لوهب وزرع الأعضاء والأنسجة" المنبثقة عن وزارة الصحة، والتي تمنح بطاقة للواهب تخوّل عائلته وهب أعضائه بعد الوفاة.

وعن الآلية المعتمدة في جمعية "من أحياها"، يلفت "برو" إلى وجود استمارات يقوم الراغب في وهب أعضائه بتعبئتها، ويؤكّد أن لا إمكانية لإجراء عملية الوهب دون وصية أو حتّى استمارة من قبل الواهب تسمح بذلك، كما لا يحقّ للعائلة أن تمنع عملية الوهب في حال وجود وصية بذلك.

ويشدّد برو على ضرورة التنبّه من دفع أيّ مبالغ مالية مقابل عملية الوهب؛ لأنّ القانون اللبنانيّ يجرّم الاتجار بالأعضاء، وأيّ واهب يضع شرطاً مادياً ليهب أعضاءه يُلاحَق قانونياً، ويقول: "عملية وهب الأعضاء تتمّ دون مقابل، وعلى الدولة تحفيز المواطنين على وهب أعضائهم، كما هي الحال في الدول المتقدّمة التي تخصّ الواهبين بامتيازات وتسهيلات خلال حياتهم".

ويختم برو بالتأكيد على أهمية نشر ثقافة وهب الأعضاء في مجتمعنا؛ لأنّ أعداد الذين يحتاجون إلى عملية الوهب كبيرة جداً.

•ثقافة أمل
بلغة الأرقام يبلغ عدد المتبرّعين بالأعضاء في لبنان أحد عشر ألفاً و500 واهب. وتظهر إحصاءات الهيئة الوطنية لوهب وزرع الأعضاء تزايداً في عمليّات "زرع كلى" من أشخاص متوفّين، حيث ارتفعت من عشر حالات إلى 57 حالة في السنوات الخمس الأخيرة، بارتفاع فاق الخمسة أضعاف. أما زرع الكبد فقد وصل إلى 11 حالة، وزرع القلب إلى 15 حالة خلال الفترة نفسها.

هذه الأرقام تبدو متواضعة جداً أمام أعداد المرضى على لوائح الانتظار الذين ينتظرون واهباً يخفّف عنهم المعاناة، ويُبلسم أوجاعاً مثقلة بأحلام لن تجد لها سبيلاً إلّا من خلال عملية وهب تكون كفيلة بتغيير كامل المشهد، كما جرى مع ربيع الذي كُتبت له حياة جديدة بزرع قلبٍ جديدٍ بين جنبيه.

إذا كانت عملية الوهب بين الأحياء لأحد الأقرباء أمراً طبيعياً، فلماذا لا يُقدم الأحياء على وهب أعضائهم لغرباء عقب الوفاة، فتكون هذه العطيّة صدقة جارية للإنسان بعد موته ومصداقاً للآية الكريمة: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وما هو موقف الشرع من ذلك؟ تكفّل مقال "فقه الوليّ" ببيان ذلك.

فهل يتحقّق حلم "محمود" ويتمكّن من قيادة طائرة أحلامه التي كان يحلم بها منذ صغره؟ هل يكون لتلك الأحلام رجعة وينتهي كابوس "غسيل الكلى" ويجد واهباً يهب له كلية وأملاً بحياة أفضل يوماً ما... ربما تكون أنت.. لمَ لا؟!
 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع