مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

حركة الإستنهاض عند الإمام الخميني قدّس سرّه - يوم القدس نموذجاً -

النائب الحاج عبد الله قصير


* في اللغة والمعنى‏
ينسل مصطلح "الاستنهاض" من جذره اللغوي "النهوض" وهو بمعنى البراح من الموضع والقيام عنه. ويقال أنهضه أي حركه للنهوض واستنهضه لأمر كذا: إذا أمره بالنهوض له(1). ومعنى النهوض يرادف "القيام" الذي ورد في عدة آيات قرآنية بنفس المعنى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى (سبأ/46). ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ .. (البقرة/238). واستخدم الإمام الخميني مصطلح النهوض والنهضة بشكل كثيف في خطبه للمصطلح القرآني "القيام" في نفس المورد أيضاً "إن النهضة ودروسها مع استخداماتها الحالية في إيران هي نموذجٌ للنهضة التي حدثت في صدر الإسلام"(2).

* الاستنهاض عند الإمام الخميني‏
يكاد لا يخلو حديث للإمام الخميني في درس أو خطبة من عملية استنهاض ودعوة للنهوض، فلقد شكل الاستنهاض أحد أهم ركائز حركة الإمام الخميني الثورية وذلك انطلاقاً من قناعتين:

الأولى: هي إيمانه قدس سره الراسخ بالوعد الإلهي بالنصر ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، فهو لا يتوقف عن التذكير بهذا الوعد الذي لا يتخلف مطلقاً باعتباره حتمياً في حال تحقيق الأمة لشروط هذه المعادلة الإلهية وهي ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ. وهو يدعوهم دائماً لتوفير هذه الشروط للنصر. يقول الإمام قدس سره عام 1980: "يجب أن نحذف من قاموسنا منطق الهزيمة القائل بأننا لا نستطيع الالتحام مع القوى الكبرى. إنكم إذا شئتم حققتم ما تريدون بإذن اللّه". ويقول أيضاً "على المسلمين أن ينهضوا فهم منتصرون في نهاية المطاف وسينتصرون.. وإن أمريكا لن تستطيع أن تقف في قبال المسلمين".

الثانية: قناعته وإيمانه قدس سره بقدرة الأمة واختزانها الكثير من الخير والقدرات والإمكانات والكفاءات، والتي إذا تم استنهاضها من خلال قيادة مخلصة وحكيمة فإنها قادرة على فعل المستحيل وتحويل الضعف إلى قوة فاعلة ومؤثرة. وفي هذا المجال يقول الإمام عام 1972 أي قبل نجاح الثورة بسبع سنوات: "إنكم تملكون طاقات شابة وعظيمة تستطيع أن توصل الإسلام والبلاد إلى أوج العظمة والعزة وتقطع أيدي الجناة عن البلاد الإسلامية وبلدكم أنتم. تلك الطاقة لو بذلت في طريق الحق لتحولت إلى طاقة أبدية واتصلت بالقدرة الإلهية الأبدية، فاستيقظوا وأيقظوا الغافلين"(5).

* دوائر الاستنهاض‏
والاستنهاض عند الإمام الخميني لا ينحصر بدائرة ضيقة وخاصة فهو لا يتوقف عند دائرة الحوزات والمثقفين أو طلاب الجامعات بل يتعداهم جميعاً إلى كل شرائح المجتمع عرضاً وطولاً لا يستثني في خطابه الاستنهاضي الفلاحين والعمال حتى الجنود في الجيوش الرسمية هذا فضلاً عن التجار والأحزاب والسياسيين والحكام وغيرهم من شرائح المجتمع المختلفة. كما أن الاستنهاض عند الإمام لم يتوقف في دائرة جغرافية خاصة ومحددة بل تعدى الساحة الإيرانية إلى ساحة الأمة الإسلامية والعربية وصولاً إلى الساحة العالمية وذلك انطلاقاً من قناعتين أساسيتين هما:

1- تجسيد الإمام الخميني لفكرة أممية الإسلام وعالميته، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فالدعوة إلى الإسلام وإيصالها إلى الناس يجب أن تكون شاملة للبشرية كلها دون استثناء "إن على المسلمين عامة وعلماء الإسلام خاصة السعي لنشر الإسلام وأحكامه وإيصالها لشعوب العالم أجمع"(6).

2- وعي الإمام الخميني قدس سره لشمولية المواجهة بين الإسلام والكفر أو بين المستضعفين والمستكبرين على مدى كل ساحات المواجهة العالمية، ولا تقتصر هذه المواجهة على مساحة دون أخرى أو بلد دون آخر. "يا مسلمي العالم ويا مستضعفي الأرض.. انهضوا وامسكوا بزمام أموركم فإلى متى تبقون هكذا تحكمكم واشنطن أو موسكو"(7).

* وسائل واليات الاستنهاض‏
لقد سعى الإمام في اختياره لأدوات ووسائل استنهاض الأمة لاستثمار المناسبات الإسلامية كشهر محرم وعاشوراء وشهر رمضان وليالي القدر فضلاً عن الحج وصلاة الجمعة وأيام ولادات ووفايات الأئمة وكذلك أعياد المسلمين وغيرها مما يمكن أن ينضوي تحت عنوان "أيام الله". كما سعى إلى ربط هذه المناسبات بالواقع المعاش وعدم إبقائها كمناسبات تاريخية تستحضر فيها الأمة مجدها الغابر، وسيرتها الجهادية في جانبه التاريخي فقط. لذلك تجده قرن الكثير من المناسبات التاريخية بأحداث ومناسبات الثورة والنهضة عند الأمة فضاعف بذلك الزخم الاستنهاضي لهذه المناسبات وجعلها أكثر حضوراً في وعي الأمة وواقعها وهذا ما أراده الإمام في اعتباره:

يوم ولادة الزهراء عليها السلام: يوم المرأة المسلمة.
يوم ولادة العباس عليه السلام:
يوم الجريح.
يوم ولادة الحسين عليه السلام:
يوم الحرس والتعبئة.
يوم ولادة المهدي عجل الله فرجه الشريف:
يوم المستضعفين.
يوم ولادة زينب‏عليها السلام:
يوم الممرضة المسلمة.
- ذكرى ولادة الرسول صلى الله عليه وآله:
أسبوع الوحدة الإسلامية.
وهكذا في الكثير من المناسبات الإسلامية الأخرى.

* يوم القدس نموذجاً
وانطلاقاً من وعي الإمام لأهمية القضية الفلسطينية كقضية مركزية في حياة الأمة الإسلامية وكون القدس تمثل العنوان والرمز لهذه القضية. وإدراكاً منه‏قدس سره لحجم الأخطار والمؤامرات التي تتعرض لها هذه القضية ورمزها من قبل الصهاينة الإرهابيين المدعومين من أميركا والغرب عموماً، ونظراً لحاجة هذه القضية لأكبر عملية استنهاض في الأمة تستطيع أن تواجه من خلالها الأمة أعلى مستويات التحدي والأخطار المحيطة بها. كان اختيار الإمام الخميني قدس سره لتوقيت استثنائي وخاص يكتسب لدى المسلمين أهمية روحية وعبادية ودينية خاصة وهو شهر اللّه شهر رمضان المبارك الذي يعيش فيه المسلمون من خلال أداء فريضة الصوم حالة تعبوية إيمانية وروحية عالية ويمارسون فيه عملية مراجعة ذاتية تعيدهم إلى صفو العلاقة باللّه تعالى والارتباط الخالص به، من خلال الاستغفار والدعاء والتوبة والتهجد والعبادة، ويتوصلون فيه إلى تقوية إرادتهم من خلال الصوم الذي يشكل مدخلاً لترويض النفس وصداً لها عن كثير من المباحات فضلاً عن المحرمات.

ولأن الأيام العشرة الأخيرة من الشهر المبارك تشكل الذروة في هذا الشهر وتداعياته الروحية والعبادية عند الإنسان المسلم، لما تتضمن من ليالي القدر العظيمة. كان اختيار الإمام الخميني لهذا الظرف الزمني الخاص جداً والذي يختزن فاعلية فائقة ومستوى متقدماً من التعبئة والقابلية للتفاعل مع قضايا الأمة الكبرى، ودعا إلى اعتبار يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان المبارك يوماً عالمياً للقدس.

وفي هذه التسمية يكمن الهدف الاستنهاضي الكبير الذي أراده الإمام منطلقاً لتحريك المسلمين باتجاه الحياة لهذه القضية بعد أن كادت تختزل في دائرة ضيقة على المستوى الوطني الفلسطيني، وبعد أن استهدفت بمشاريع التسوية والصفقات المشبوهة. لقد أعلن الإمام الدعوة إلى إحياء القدس في السنة الأولى لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، فكان الإعلان يوم 7/8/1979. وفي هذا دلالة على احتلال القدس وقضية فلسطين مكانة متقدمة في أولويات واهتمامات الإمام رضوان اللّه عليه. وهو الذي لم ينسَ قضية فلسطين حتى في غمرة المواجهة مع الشاه، بل اعتبر أن إحدى أهم المسائل التي دعته للثورة والتصدي لنظام بهلوي هو إقامة العلاقات مع إسرائيل وتزويدها بالبترول الإيراني. ويذكر هنا أن الخطوة الأولى التي قامت بها الثورة الإسلامية بتوجيه من الإمام بعد انتصارها هو تحويل سفارة إسرائيل إلى سفارة فلسطين، وغني عن الشرح ما لهذه الخطوة من دلالات ومعانٍ عميقة.

لقد أراد الإمام أن يكون يوم القدس يوماً عالمياً ليس فقط للقدس وليس فقط لفلسطين كلها. بل أراده أن يكون يوماً لإحياء الإسلام وصولاً إلى اعتباره يوماً للمواجهة بين المستضعفين والمستكبرين. "يوم القدس، ليس فقط يوماً لفلسطين، انه يوم الإسلام، يوم يجب أن تتحد فيه مصائر الشعوب المستضعفة، يوم يجب فيه أن تعلن الشعوب المستضعفة عن وجودها في مقابل المستكبرين"(8). "يوم القدس، يوم حياة الإسلام، يجب أن يصحو المسلمون وأن يدركوا مدى القدرة التي يمتلكونها سواء المادية منها أو المعنوية، إن تعداد المسلمين مليار مسلم، وهم يملكون دعماً إلهياً، والإسلام سندهم والإيمان سندهم، فمن أي شي‏ء يخافون؟"(9). "إنه يوم امتياز الحق عن الباطل، يوم انفصال الحق عن الباطل"(10).

وهكذا نجد تجسيداً عالياً لحركة الاستنهاض عند الإمام في هذا النموذج الحي الذي ما زال يتفاعل في واقع الأمة، والذي استطاع ليس فقط أن ينتج استنهاضاً في فلسطين ولبنان بل استطاع أن يعيد لقضية فلسطين حضورها القوي والمؤثر في وجدان المسلمين على امتداد العالم الإسلامي، كما أنه ساهم بالتأكيد في تزخيم حركة المقاومة في لبنان فكان الانتصار ثمرة أولى من ثمار هذا التزخيم والاستنهاض، وكانت المقاومة والانتفاضة المجاهدة في فلسطين ثمرة أخرى من ثمراته. واليوم عندما يُحيي المسلمون هذا اليوم في معظم بلاد العالم يتذكرون الإمام الخميني قدس سره ويعيشون مع الإمام حالة الاستنهاض الدائمة في الضمائر والوجدان، في وعيهم وحركتهم الدؤوبة باتجاه دعم قضيتهم المركزية ورمزها المتجلي في القدس كعنوان معبر عنها. وكلهم ثقة بقدرة الأمة على صنع النصر كما تجسد في الجنوب اللبناني على يد المجاهدين من أبطال المقاومة الإسلامية، ويحدوهم الأمل والرجاء باستكمال التحرير زحفاً إلى القدس وقيامة ونهوضا وانتفاضة ومقاومة في كل فلسطين لتعود راية الإسلام وراية الحرية إلى القدس وليتحقق وعد اللّه بالنصر لعباده المؤمنين. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا الإسراء/7.


(1) ابن منظور، لسان العرب، المجلد 6 ص‏456، دار المعارف، مصر.
(2) الإمام الخميني، نظرة سريعة على الثورة الإسلامية في إيران، مؤسسة مجاهدي الثورة الإسلامية ط1/ص‏5، 1359 ه.ش.
(3) الإمام الخميني، كلام الإمام الخميني، ج‏15 ص‏46/47، نشر آثار الإمام الخميني.
(4) م، ن/ص 167.
(5) الإمام الخميني، م. ن/ ج‏10/ص‏65.
(6) الإمام الخميني، الكلمات القصار، الوحدة الثقافية، ص‏1/1995، بيروت.
(7) م. ن/ص‏115.
(8،9،10) الإمام الخميني - القضية الفلسطينية في كلام الإمام الخميني /ص‏154 إلى 257، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني / طهران، ط1/1995.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع