الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

أحب عباد الله: مَنْ جَعَلَ الخـوفَ جِلْبَابَه

آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي

ما هي الآثار والنتائج التي يحملها لروح الإنسان وجود حالات كالخوف والحزن والألم، وهي أمور لا تلائم الطبع والنفس الإنسانية، وكذلك وجود حالات الفرح والنشاط وهي أمور تلائم الطبع والنفس؟ لعل الأمر الهام هو مقدار وكيفيّة الاستفادة الصّحيحة من هذه الحالات الروحيّة والنفسيّة.

إنّ الأمور الغريزية، وحبّ الطعام والشراب، والغضب والشهوة... وغيرها هي من النّعم المودعة في باطن الإنسان، والاستفادة الصحيحة من هذه الأمور، تترك آثاراً ونتائج كثيرة على روح الإنسان ونفسه. وأمّا الافراط والتفريط في كل واحدة من الأمور الفطرية والغريزية، فيحمل معه نتائج ضارة على الروح والنفس. لذلك يجب ومن خلال الاستفادة الصحيحة من هذه الحالات الروحية والغريزية، تمهيد الأرضية لإنارة القلب والهداية نحو المقر الأبدي.

* الاستفادة المناسبة من الغرائز والحالات الروحية
"فاستشعَر الحزن وتجلبَبَ الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه وأعَدَّ القرى ليومه النازل به فقرّب عَلَى نفسه البعيد وهوّن الشديد"1.
لقد وضع الله الحكيم حالات مفيدة ومؤثّرة في باطن الإنسان، لكن يجب أن نعرف موارد استعمالها وأن لا نتجاوز حدّ الافراط والتفريط في الاستفادة منها. في العادة أن الإنسان لا يُسَرّ ببعض الحالات من شعور الحزن والألم والخوف، إلا أن لهذه الحالات آثاراً مفيدة، وتكون أحياناً بناءة إذا أحسنّا الاستفادة منها بشكل صحيح.

* الغضب
يميل طبعنا عادةً نحو الشهوات والأمور الغريزية كالطعام والشراب والشهوات الجنسية. إلا أننا نخطىء في تقدير بعض الأمور منها: من أين نهيؤها؟ وفي أي طريق؟ وإلى أي مستوى تستفيد منها؟ وفي المقابل ننفر من الحالات غير الملائمة للطبع كالغضب. مع العلم أنّ حالة الغضب مزروعة في باطن الإنسان وهي ليست زائدة لديه، بل هي نعمة يجب التعرف إلى أماكن استخدامها ورعاية حدود الاستعانة بها. فهل من المقبول أن يعتدي العدو على شخص ويوجه إليه الإهانات أو أن يضربه ثم يأتي ليتعامل معه ببرودة أعصاب ولا يظهر أي ردة فعل؟ يجب على الإنسان الاستفادة من حالة الغضب لديه في مقام الدفاع عن نفسه أمام الأخطار. بالإضافة إلى ذلك يجب أن يدرك أين يستعمل قوة غضبه وما هو الحد الذي يجب أن يظهر منه فلا يقع في الافراط.
أمّا في الحالات العادية فيجدر بالإنسان التحمل إذا ما وجه إليه شخص إهانةً انطلاقاً من جهله.

* الفرح والسرور
من جهة أخرى الفرح والسرور اللذان هما من الأمور الملائمة للطبع، نعمة إلهية أيضاً وهما منشأ تحول وأمل وحركة لدى الإنسان. فإذا سلبت نعمة الفرح والسرور من الإنسان، يبقى قلبه ذابلاً خمولاً ويسلب منه الدافع للعمل، للدنيا والآخرة.
والحزن والغم نعمة تقابل الفرح، فلو لم يتألم الإنسان أمام الرساميل التي تضيع منه، فلا يتحرك لتعويضها، ولو لم يغضب في مقابل التقصير ومقابل الأمور التي ضاعت منه، فلا يعمل ولا يسعى للحفاظ على النعم والرساميل ولا يعرف قيمتها.

* دور المعرفة في توجيه الحالات النفسية
يفرح الإنسان أو يتألم حسب مستوى معرفته وتشخيصه ما ينفعه وما يضره. على هذا الأساس فالأشخاص الذين تدور معرفتهم حول أمور الدنيا، ويستأنسون بها ولا يستفيدون الفائدة المطلوبة من الدين، يعتبرون أنّ المنفعة والنعمة محصورتان في المسائل الدنيوية. هؤلاء يُسَرّون إذا مدحهم الآخرون، ومن جهة أخرى يغضبون ويتألمون إذا فقدوا مالاً أو وجه إليهم أحد ما إهانة. يجب أن نعرف ما هي الأمور التي إذا فقدناها نتألم لشأنها وإلى أي مستوى يكون ذلك. لقد عمل الأنبياء ورسل الله تعالى لإفهام الإنسان كيف يستفيد من ميوله وحالاته.
نحن المسلمون أصحاب القرآن. يجب أن ندقق ونسأل أنفسنا: هل ينسجم فرحنا وغضبنا وأعمالنا الغريزية مع منطق القرآن؟ يحدثنا القرآن أننا يجب أن نخاف من الضرر الأخروي على أنفسنا أكثر من أي شيء آخر، لأن هذا الضرر لا يمكن تعويضه على خلاف الضرر الدنيوي. قد ينزعج الإنسان إذا ما فقد فرصة دنيوية تقدم له منفعة مادية، لكنه لا يتحسر على المعاصي التي ارتكبها والعذاب الذي ينتظره. فهل الندم على معصية الله، ناشئ من عدم الاعتقاد بالعقاب، والإنذار الإلهي؟

* ضرورة الالتفات إلى العذاب الأخروي
نحن نؤمن بالآيات التي تتحدث عن المعاصي وآثارها ونعرف العقوبات الكبيرة التي ذكرها الله تعالى ومع ذلك نقترفها! ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (الحاقة: 30 -32).
يقول بعض العظماء إنهم لم يرتكبوا منذ سن التكليف إلى نهاية عمرهم أي معصية عن عمد وعلم. ولكن أغلب الأفراد يرتكبون المعاصي. الذي يرتكب المعصية وينكر الآيات الإلهية التي تتحدث حول الجنة والنار وعقاب العاصين، فهو كافر. ولكن السؤال لماذا يعصي الذي يعتقد بالقرآن والقيامة والعقاب؟

الجواب أن التعلق بالدنيا والالتفات التام إلى لذة المعصية وغلبة الشهوة، كل ذلك يجعل المعصية كالحجاب المنصوب أمام العاصين فلا يشعر بقبحها ودناءتها وبالتالي يغفل عن العقاب والضرر الذي يترتب عليها. فالشخص عند المعصية يفكر بلذة المعصية فقط ولا يفكر بعواقبها. كذلك الإنسان الذي يغلب عليه الغضب والشهوة، لا يفكر بعواقب عمله على الاطلاق. جاء عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً يوم القيامة"2.
ولو فكر الإنسان في الفرص والتوفيقات التي تسلبها المعصية وما هي العذابات التي تحملها والتي تؤدي إلى سقوط الإنسان أمام الله تعالى وإمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف وأمام الأولياء عليهم السلام، عند ذلك لا يكون مقهوراً للأهواء واللذائذ الدنيوية.

* تجليات الخوف من الله
يمكنها رسم آثار الخوف والحزن الأخروي ودور التعلق بهما، في الامتناع عن المعصية. تصوروا أن شخصاً فقد عزيزاً وابتُلي بفراق ابنه، في هذه الحالة يكون الإنسان مغموماً حزيناً، يائساً بحيث لا يشعر بلذة أي شيء يدعو للسرور. حتى أنه لا يرغب بالطعام ولا يدرك لذته. أو الشخص الذي يلاحقه عدو، وكل همه كيف ينجو من خطر الموت. هذا الشخص في هذا الحال لا يشعر ما إذا كان الجو بارداً أو حاراً ولا يدرك أنه جائع أو عطشان. لذلك يجب أن يكون الحزن والخوف من الآخرة كبيراً في حياتنا بحيث لا تتمكن كافة اللذائذ والأمور الدنيوية من جذبنا إليها. وعندما يقل توجهنا للذائذ الدنيوية، تنخفض علاقتنا بها وتزول حالة الانبهار بها.
عندما نخفف التعلقات الدنيوية بواسطة الخوف والحزن وعند التخلص من مصيدة التعلقات المادية، تفتح أعين القلب فيرى المصير شفافاً أمامه ويرى بوضوح ويخطو في مسير الوصول إلى الكمال والسعادة وعند ذلك لا يمكن للموانع أن تمنعه من الوصول إلى الهدف المتعالي.

* الاستفادة من الهداية والعمل للآخرة
إذا رغـب الإنسان في أن تفتح نافذة النور والضياء في قلبه وإذا أراد أن يرى الفضاء الذي أمامه، يجب أن يعرف ما هو المطلوب والمحبوب وما هو المذموم. أما العامل الأكثر تأثيراً في هذا الأمر فهو الخوف والحزن حيث يضيء الله تعالى بهما نور الهداية في قلب المؤمن وينجيه من مصيدة الغفلة. يتحدث الإمام  عليه السلام حول آثار الخوف والحزن ومنها:
1 - إضاءة نور الهداية في قلب المؤمن
"فزَهَر مصباح الهدى في قلبه" إن الذي يُضاء نور الهداية في قلبه ويطرد غبار الظلمات منه، يرى المحيط الذي يعيش فيه ويتعرف على الطريق ويدرك أين يكون المقصد؟ وبأي زاد وأي طريق يصل إليه؟ ويبتعد عن تضييع العمر والفرص الذهبية في سبيل الأعمال العبثية. أما الذي لم يُضَأ قلبه، فلن يتمكن من النظر إلى مقصده الأساس وبالتالي لا يمكنه المسير نحوه. هؤلاء لا يشاهدون سوى اللذائذ المؤقتة الزائلة. هؤلاء ويفكرون بجمال الدنيا فقط ويفكرون في ما يأكلون وكيف يرضون شهواتهم.

2 - الإيمان بدار الآخرة
"وأعد القرى ليومه النازل به فقرّب على نفسه البعيد وهوّن الشديد". عندما يفتح الله تعالى عيون قلب الإنسان، عند ذلك يؤمن بأن الدنيا ليست باقية وأنها ليست شيئاً يمكن التعلق به ويؤمن أيضاً أن الآخرة هي الدار الأبدية. لذلك يبذل كل جهوده ليجهز الزاد لحياته الأبدية في عالم الآخرة. وهو ليس كالغافلين الذين يشاهدون الموت بعيداً، بل يرى الموت والقيامة والرحيل عن الدنيا قريباً، وينتظر الموت في كل لحظة ويجهّز نفسه للسفر إلى ديار البقاء: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ * بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا (المعارج: 6-7).
إن الذي أضاء الله قلبه بنور الإيمان، تكون أغلى وأثمن أوقاته هي التي يكون فيها مشغولاً بالصلاة، فالصلاة عنده هي فرصة للأنس بالمعشوق فيعشقها ولا يتعب منها. ينقل عن المرحوم الشيخ الأنصاري أنه في أحد أيام الصيف الحارة في النجف جاء إلى المنزل بعد الظهر وطلب ماءً بارداً. وقبل أن يأتي الماء اغتنم الفرصة وانشغل بالصلاة. جاء الخادم ووضع الماء إلى جانبه، أما هو فقد طالت صلاته حيث بدأ قراءة سورة طويلة، وفي هذه المدة أصبح الماء حاراً. بعد الصلاة تناول شيئاً من ذاك الماء ثم رجع إلى الصلاة.


1- نهج البلاغة، الخطبة 78.
2- بحار الأنوار، المجلسي، ج70، ص321.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع