مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

المسلمون في ألبانيا

تقع ألبانيا في زاوية بعيدة من شبه جزيرة البلقان، تحدها يوغوسلافيا من الشمال والشمال الشرقي، واليونان من الجنوب الشرقي، وتتصل بالبحر الأدرياتيكي من ناحية الغرب. تبلغ مساحتها حوالي 28 ألف كلم2. أما عدد سكانها فحوالي ثلاثة ملايين نسمة تقريباً، يشكّل المسلمون منهم نحو 70%.

ظلّت ألبانيا تحت الحكم البيزنطي إلى أن أصبحت ولاية عثمانية في القرن الخامس عشر الميلادي. وفي عام 1921 للميلاد، حصلت على استقلالها بعد موافقة مؤتمر لندن على ذلك. وفي عام 1925 نصَّب "أحمد غوزو"، الذي كان في السابق جندياً في الجيش العثماني، نفسه ملكاً عليها، فعمد إلى ربط البلاد وبصورة مباشرة بإيطاليا، وأقام فيها حكماً دكتاتورياً.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، سيطر الإيطاليون سيطرة تامة على ألبانيا، فسقط عرش "زوغو" في الأثناء، وفي خضم الصراع أسَّس "أنور خوجة" الحزب الشيوعي الألباني، ودعا إلى مواجهة الاحتلال. وفي عام 1946 أُعلنت الجمهورية الاشتراكية الشعبية الألبانية.

عاشت ألبانيا في ظل "خوجة" نحو واحد وأربعين سنة من العزلة والانغلاق، عانى خلالها المسلمون حدَّ السياط وتحمَّلوا الصعاب، وشاهدوا كثيراً من ظلم وبطش الحكومة الإلحادية الألبانية، فاضطهدوا ومنعوا من العبادة، وهدمت مساجدهم، وزجَّ في السجون الآلاف منهم، وقتل واعتقل المئات من أئمتهم وصودرت جميع أوقافهم، وأُغلقت نحو 2196 مؤسسة دينية تابعة لهم.
وفي عام 1985 مات دكتاتور الإلحاد "خوجة" الذي كان يعتبر "ستالين" مثلاً أعلى ورجل المبادئ. فتسلَّم بعده إدارة البلاد المدعو "رامز عاليا" الذي سار بها قبيل وفاة "خوجة" وبأمر منه نحو الانفتاح والتعامل مع الدول المجاورة بعد واحد وأربعين سنة من العزلة التامة والانغلاق المحكم.

* كيف كانت علاقة خوجة بالبلاد الأخرى؟
انفصل خوجة عن حلف وارسو، وكان من المتهمين لـ"خروتشوف" بمخالفة مبادئ ستالين ومن المنحازين مع "ستالين" ضد "تيتو" اليوغوسلافي بسبب نفس الاتهام. واختلف مع الصين لتقاربها مع أميركا، متهماً إياها بمخالفة مبادئ "ستالين" أيضاً. ومن خلال هذه النقاط يتضح لنا مدى اقتداء "خوجة" بـ"ستالين" ذلك الرجل الذي شهد التاريخ بأنه المجرم والجزَّار الأول. المعروف بعداوته للأديان عموماً وللإسلام خصوصاً. ويتبيَّن ولاءه له ولخطِّه من خلال تلك الجرائم والمجازر التي نفذها في أبناء شعبه.

وعلى خط معاكس، فقد قاطع "خوجة" الكثير من دول المعسكر الرأسمالي لأسباب مختلفة. لقد كان كل شيء في حياة "خوجة" السياسية مقتبساً من "ستالين"، حتى أنه اعتمد الأسلوب الستاليني في قمع وكبت وخنق الحريات، ومحاربة الأديان، وقام بسلسلة حملات لمطاردة مظهري الإيمان. وفي عام 1974 طرد أحد وزرائه وأعدمه في العام التالي بتهمة الترويج لمخالفة الإلحاد. وقد ظل "خوجة" إلى ما قبل وفاته بسنوات قليلة، يحظِّر على مواطنيه السفر إلى الخارج أو مشاهدة غير التلفاز الألباني، حتى أنه أنشأ وحدات خاصة من الشرطة لمراقبة الهوائيات المخالفة والتشويش عليها.

لقد كان للدين أكبر قدر من القمع في ألبانيا، ومع أن معظم الدول الشيوعية تحظِّر الدعوة إلى الدين وتدعو إلى الإلحاد، وقد سمح فيها - ولو نظرياً - بحرية الاعتقاد لغير المسلمين على الأقل، تجد الوضع في ألبانيا مختلفاً تماماً، فقد حرَّم "خوجة" ممارسة العبادات حتى داخل المنازل، وبدأت الممارسات القمعية ضد الدين في وقت مبكر، في عام 1945 تمت مصادرة جميع الأوقاف الدينية، وأفرغ التعليم من أي محتوى روحي وأخضعت النشاطات الدينية لرقابة شديدة وضاغطة، وأعدم الكثير من أئمة المساجد. أما الحرب الرسمية على الدين فقد بدأت عام 1947، حيث هاجم "خوجة" الدين الإسلامي بشكل مكثف ورسمي بحجة أنه "عائق في سبيل التطور والوحدة الوطنية وتجب إزالته". وعام 1951 صدر قانون تم بموجبه وضع الهيئات الدينية تحت سيطرة الدولة وحظر عليها الاتصال بالعالم الخارجي.
وتكثفت الحملات ضد الدين في منتصف الستينات مع بدء الثورة الأيديولوجية التي أعلنها "خوجة".

وفي عام 1967 أعلن "خوجة" إلحاد الدولة، وشجع أطفال البلد على إغلاق أبواب المساجد والكنائس ودور العبادة، وعلى التنكر لكل ما يمت للأديان بصلة، وقد تم تحويل عدد كبير منها إلى مراكز ثقافية أو متاحف، وقد أعلنت الحكومة الألبانية في نفس العام عن إغلاق نحو ألفين ومئة وتسعة وستين مبنى دينياً معظمها من المساجد.

والمسلم في ألبانيا معرَّض، ليس للاعتقال فحسب، بل للقتل الفوري، وذلك إذا ما قام ببعض هذه الأمور:
أولاً: أن يقوم بالدعاية ضد الدولة.
ثانياً: أن يرفض الإلحاف كفكر وسلوك.
ثالثاً: أن يحاول إقناع أحدٍ ما بالدين الإسلامي.
رابعاً: إذا شوهد وهو يحمل كتاباً دينياً.
نعم، إن حمل الكتاب الديني في ألبانيا يعرض المرء للقتل بأمرٍ من القانون. كما حصل عام 1967، حيث أعدم عدة أشخاص أغلبهم من أئمة المساجد، لمجرد حيازتهم للكتب الإسلامية.
إلا أن هذه الحملة الشعواء التي شنها "أنور خوجة" ضد المتخلفين عن الماركسية واللينينية والإلحادية، لم تؤد إلى تحقيق الأحلام الكافرة والأهداف الملحدة التي طالما حلم بها "خوجة" قبل موته. ففي عام 1979، أي بعد نحو 30 سنة من الظلم والاضطهاد والكفر والإلحاد، صرَّح هذا الدكتاتور بأن إزالة المؤسسات الدينية لم يقضِ على الدين، وإنما أضعفه فقط بشكل جزئي.

وقد اعترف بأن تأثير الدين لا يزول بسهولة. وحسب مصادر المسلمين في ألبانيا، فإن الإسلام يظهر في كثير من المناطق متحدياً كل أشكال الظلم والطغيان، من خلال استمرار المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية في الخفاء في بعض المناطق الريفية، وبعيداً عن عيون الرقابة الملحدة التي زجَّت في السجون نحو أربعين ألف مسلم وأرسلتهم إلى معسكرات، حيث يعيشون ظروفاً بالغة القسوة والشدة، لا لشيء سوى حملهم للمعتقد الديني.
وحين تسلَّم الشيوعيون الحكم، كانت نسبة المسلمين 72% من السكان في حين كان الأرثوذكس يشكلون 17% والكاثوليك 10%، غير أنه أمام الحملات التي شنها "خوجة" لم يعرف بالضبط عدد المسلمين الذين قتلوا، وكم منهم شردوا وكم أجبروا على التخلي عن دينهم، وكم منهم بقي ملتزماً بمعتقده، خاصة وأن الحملة لم تتساهل أبداً مع ذوي العقائد الدينية، وإن كانت الدلائل تشير إلى وجود نسبة كبيرة من المسلمين هناك ما زالت محافظة على إسلامها.

وعندما وصل الإسلام إلى بلاد البلقان أثناء بروز الدولة العثمانية، وامتدادها باتجاه أوروبا عبر تلك البلاد، كان لانتشاره طابع مميز بين الألبان، مختلف عن بقية الشعوب البلقانية، حيث إن 80% من الشعب الألباني كان قد اعتنق الإسلام، وظل محافظاً عليه إلى يومنا، هذا على الرغم مما تعرّض له عبر السنين الماضية. فلقد حافظ المسلمون الألبان على دينهم بعكس بقية الشعوب البلقانية التي دخل قسم قليل منها في الإسلام، وتخلى عنه في ظروف مختلفة.
وقد لعب الشعب الألباني دوراً كبيراً في ازدهار وعمران بلاده، بحيث بدأ بتشكيل المدن وفق النموذج الشرقي الإسلامي، وتمثلت المنشآت العمرانية بإقامة حصون ومساجد وشق قنوات للمياه وما إلى ذلك. ولم يكن ذلك العمل إلا على أساس قاعدة متينة من الإيمان والالتزام والاقتناع. إضافة إلى ذلك فقد برز الألبانيون في الجانب العسكري، وتميزوا بشجاعتهم وبسالتهم في الدفاع عن الإسلام، وقد سجل لهم التاريخ أنهم أول من ألحق الهزيمة ب-"نابليون" وجحافله وذلك على أبواب عكا.

والشعب الألباني المسلم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجذوره الإسلامية التي لم يستطع كل زعماء الغرب والشرق نزعه منها، فقد حافظ على تراثه الديني منذ أن دخل الإسلام واستمر محافظاً عليه حين احتلت إيطاليا وألمانيا البلد، وازداد تعلقهم به حين حكم "أنور خوجة". وما القول بأن نسبة المسلمين انخفضت في هذه الأثناء إلا مجرد افتراض لا يستند على أرض صلبة.

* ما هو وضع المسلمين في ألبانيا وكيف يعيشون بعد وفاة "أنور خوجة"؟
مع استلام "رامز عاليا" دفّة الحكم في ألبانيا تغيرت بعض أوجه السياسة الإلحادية المتشددة التي اتبعها "خوجة" فكُسِرَ السدُّ الحديدي نوعاً ما، وخرجت ألبانيا لتقيم علاقات مع الدول المجاورة على مستوى الاقتصاد والسياسة، وتوقفت حملات الاتهام للدول الشيوعية الأخرى بالتحريف والابتعاد عن مبادئ "مارسك" و"ستالين" و"لينين".
ولم يتغير الوضع بالنسبة للمسلمين في ظل هذه المتغيرات بل بقي على حاله، فسياسة القمع والاضطهاد والمسح وكل ما تعرض له المسلمون هناك في أيام "خوجة" بقيت على حالها، ولم تتأثر بالسياسة شبه الانفتاحية التي قام بها "عاليا"، بل بقيت كل عداوة الشيوعية ضد المسلمين ضمن إطار الثوابت التي لا يمكن تغييرها.
وظل مسلمو ألبانيا يعانون الأمرَّين، ويعيشون الاضطهاد بكل ألوانه وأنواعه. فمحاربة ميكروب الدين كما يطلق الشيوعيون هناك على الأديان السماوية، هو أمر لا بد منه ولا خروج عنه.

ونحن بدورنا نقول: إن مساعدة المسلمين ودعمهم، والوقوف إلى جانبهم واجب ديني مؤكد. فلا مجال لأي مسلم في العالم أن يتنكر لمسلمي ألبانيا، وينسى أن ثمة إخوة له في الدين يعانون أشد أنواع الظلم على أيدي الملحدين الشيوعيين. فلا بد من الوقوف بجانبهم وإجابة صرختهم التي يستصرخون بها ضمائر مسلمي العالم أجمع، لأن مخالفة ذلك يعد خروجاً عن الإسلام حيث ورد في حديث المعصوم: "من سمع مسلماً ينادي يا للمسلمين ولم يجبه فليس بمسلم".

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع