الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟ أوّل الكلام: بدرُ سامرّاء مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد

وصايا العلماء: مناجاة المريدين 4: وإيّاك يعبدون

آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي (حفظه الله)

ذكرنا في المقال السابق، أنّ الوصول إلى مقام القرب الإلهي يكون بعبور الطريق المستقيم، أقصر الطرق... وانتهينا إلى الحديث عن أوصاف رفاق السفر في هذا المسير، حيث إنّهم أحد أسرار التوفيق في السفر. وأول تلك الصفات الواردة في المناجاة هي السرعة في الحركة، كما مرّ.
وفي هذا المقال سنسلّط الضوء على باقي الصفات.
"وألحقنا بعبادك الذين هم بالبدار إليك يسارعون، وبابك على الدوام يطرقون، وإيّاك في الليل والنهار يعبدون، وهم من هيبتك مشفقون...".


ب - الثبات والاستمرار في الحركة
الصفة الثانية لرفاق المسير الصالحين، أنّهم يطرقون باب بيت الله باستمرار. وإن عبارة "طرق باب شخص" كناية عن طلب العون منه. فالإنسان محتاج إلى الله تعالى، ولا يمتلك من نفسه شيئاً، وكلّ ما هو بين يديه ليس إلّا استعارة وأمانة قدّمها الله تعالى له.

إنّ الذي يخطو في مسير الوصول إلى القرب الإلهي الطويل، يدرك جيداً أنّه بحاجة لعون الله في كلّ خطوة وأنّ عليه الاستمداد من الله باستمرار، فلا يقطع توجّهه به فيحول دون سقوطه في جهنم. عندما يظهر بعض الاحتياجات فينا، مثلاً الحاجة إلى الطعام، أو حاجة التلميذ إلى الأستاذ والدرس أو الاحتياجات الاجتماعية، فإننا نطلبها من أشخاص نعلم أنهم قادرون على تأمينها، إلّا أننا ننسى لمدة أسابيع وأشهر أننا بحاجة إلى الله. لذلك يجب في البداية التوجّه إليه ليؤمّن احتياجاتنا.
قد ينتظر المريض دوره عند الطبيب عدّة أشهر، إلّا أنه لا يخطر بباله التوجّه إلى الله بالدعاء والتوسل وأن يطلب شفاءه من الغني المطلق وأن يحقّق حاجته. من الطبيعي أن لا يتوجّه غير المعتقد بالله إليه، ولكن نحن المؤمنين والمعتقدين بالله ونحن أصحاب الصلاة والطاعة، قد ننسى الرجوع إلى الله لرفع احتياجاتنا. عندما نمرض نذهب إلى الطبيب، إلّا أننا نغفل عن التوجّه إلى الله، وهو شافي الآلام.

أما عباد الله، السالكون والأسوة في الحسنات، فهم يقصدون بيت الله باستمرار، وإليه يرفعون أيادي حاجاتهم ولا يعتقدون بأي شأن لما سوى الله. صحيح أنهم يتناولون الطعام عندما يجوعون، ويزورون الطبيب عندما يمرضون ويلتفتون إلى الأسباب المادية لرفع احتياجاتهم، إلا أن قلوبهم متعلّقة بالله باستمرار. هؤلاء يدركون أن كافة أمورهم بيد الله، وأنّ الله تعالى بيده أن يجعل الأسباب مؤثرة أو غير مؤثرة. جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى كلّم موسى عليه السلام وقال: "يا موسى سلْني كل ما تحتاج إليه، حتى علَف شاتك ومِلح عجينك"(1).

وهذا لا يعني ترك الأسباب والوسائل أو أن لا نعمل بتعاليم الله تعالى التي تدعو للاستفادة من الأسباب لأجل كسب الرزق والعلم والصحة... إلخ؛ فحكمة الله تعالى اقتضت إدارة هذا العالم عن طريق الأسباب. لكن، الغرض أن يوقن الإنسان بأن كل شيء في العالم مرتبط بالله وأن كافة الأسباب والوسائل والعوامل تكون مؤثرة بإرادته ومشيئته، وأن يعزّز الإنسان هذه الروحية فيه.

ج- العبودية لله
الصفة الثالثة، أنهم يعبدون الله تعالى ليلاً نهاراً وأن لا عمل آخر لهم سوى العبودية له، وأنهم يشاهدون كل شيء مصبوغاً بلون العبودية، ويأتون بالأعمال التي يرضاها الله تعالى، فتصبح كل الأعمال التي يأتون بها مصداقاً للعبودية: ينامون ليعبدوا الله بشكل أفضل ويأكلون ليحصلوا على الطاقة لعبادته، ويعملون ليحصلوا على حياة شريفة توفر لهم الفرصة الأفضل للعبادة والعبوديّة. من الطبيعي أن تكون كلّ أعمالهم بقصد القرب من الله، ولأجل عبادته وكسب رضاه.

د- الخشية والخوف من الله
الصفة الرابعة، أنّهم يخشون الله تعالى، في كل حال. الدليل على أن الله تعالى يُحب أن يرى العبد في حالة الخشية منه، أنّ الشخص تظهر فيه حالة انفعالية إذا وقف أمام موجود ذي عظمة غير عادية وأدرك من هو الشخص الذي يقف أمامه. وكلّما كان الشخص الذي يقابله الإنسان عظيماً، كلّما أدرك الإنسان مقدار صغره أمامه؛ فإذا أدرك الإنسان عظمة وقدرة الله اللامتناهية، ازدادت هيبته وخشيته من الله. يقول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (الأنبياء: 28).
إذاً، طلائع طريق القرب الإلهي، هم في حالة خشية أمام عظمة الله، وذلك لإدراكهم مقام العظمة الإلهي اللامتناهي.
إذا لم تعترِنا هكذا حالة أمام الله تعالى، فذلك إمّا لأننا لم ندرك عظمة الله أو لأننا ندرك ذلك، ولكننا لم نلتفت إلى صغرنا وحقارتنا.

قد نشعر بالصغر أمام القوى الظاهرية، مع العلم أن مصدر تلك القوة القدرة الإلهية الأزلية. ولكن إذا أدركنا ضعفنا وعلمنا أن كل قوّة هي مستمدةٌ من الله تعالى، تظهر فينا حالة الهيبة وحالة الخشية. وقد كانت هذه الحالة قوية وشديدة عند المعصومين عليهم السلام الذين وصلوا إلى أعلى مراتب المعرفة الإلهية حتى أنهم كانوا، في بعض الأحيان، يقعون على الأرض ويغشى عليهم لمشاهدتهم العظمة الإلهية اللامتناهية وفقرهم الذاتي، وكانت هذه الحالة تطول بعض الأحيان حتى يظنّ المحيطون أنّهم فارقوا الحياة.

*السبيل لإيجاد حالة الخشية من الله
نحن عاجزون عن الوصول إلى المرتبة المعرفيّة للمعصومين عليهم السلام، إلّا أنه يجب علينا تخصيص وقت للتفكير في عظمة الله، وفي ضعفنا وعجزنا. لنفكر في ماضينا حيث كنا عاجزين عند الطفولة وكنا لا نمتلك القدرة على الدفاع عن أنفسنا. هل يجدر بنا التكبّر إذا أدركنا أننا كنا مجرد نطفة وأن كل ما أعطي لنا هو من الله بحيث لا نمتلك من أنفسنا شيئاً؟ يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "وعجبت للمتكبّر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غداً جيفة"(2).
كيف يمكن لشخص أن يتكبّر وقد كان قبل ذلك قطرة ماء نتنة ثم تحول إلى جيفة لا يرغب أحد في الاقتراب منها إذا لم تدفن في التراب؟ يحصل الإنسان على العزة من خلال القرب من الله. جاء في دعاء عرفة: "إلهي كيف أستعزّ وفي الذلّة أركزتني أم كيف لا أستعزّ وإليك نسبتني"(3).
عندما يدرك الإنسان أنه مخلوق لله، والمخلوق، عبد الله، هو بأكمله بحاجة إلى خالقه، بل هو الفقير المحض، ووجوده هو عين الذل والفاقة، لذلك عليه أن لا يعتز بذاته.

ومن جملة آثار شعور الإنسان بذلّ نفسه وضعفها، وجود الخشية من الله. طبعاً ليس هذا الخوف بمعنى الخوف من الرذائل الأخلاقية، بل هي حالة تجعل الإنسان لا ينحرف عن طريق العبودية، إذا ما شعر بفقره وفاقته وشاهد عظمة الخالق، وتجعله يشعر دائماً بضرورة طاعة الله وعبادته حتى لا يُحرم من نِعَم الله عليه.


1- وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج7، ص32.
2- نهج البلاغة، (126).
3- مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمي، دعاء عرفة.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع