مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

الهدية آثارها وآدابها


من المسائل الأساسية التي جاء بها الإسلام هي تقوية الأواصر والعلاقات بين أفراد المجتمع، وما التأكيد على صلة الرحم بين الوالدين والزواج والإحسان إلى الأقارب وزيارتهم إلاّ مظهر من مظاهر تقوية العلاقات في المجتمع، وكذلك التأكيد على حسن الجوار وطيب المعاشرة لهذه الغاية حتى ينشأ المجتمع المتكافل والمتعاون ومن الآداب والأخلاق التي أقرّها الإسلام لهذا الغرض هي الهدية لما لها من أثر في تقارب أفراد المجتمع ووحدة صفوفهم، فلنتعرف على آثار الهدية في المجتمع وآدابها التي تجعلها تحقّق الترابط والتراحم بين أفراد المجتمع.

* آثار الهدية
للهدية آثار عظيمة في حياة المجتمع، فكم من هدية أورثت محبة وموالاة ما كانت توازي بحال قيمتها المادية، وكم من هدية حصنت وشائج الأخوة والقرابة وجددت دارسها، وكم من هدية أطفأت نار الحقد والضغينة "الهدية تورث المحبة وتجدد الأخوة وتذهب بالضغينة تهادوا تحابوا" أثر طبيعي للهدية هو المحبة وإحاطة جدار الأخوة وذهاب الأحقاد والضغائن.

وبالهدية يستعطف المتسلط ويقتل الغضب ويعاد الهاجر لإخوانه وأقربائه إلى صلتهم ومودتهم، وبالهدية تسهل الأمور الصعبة وتدفع الشرور الكبيرة "ما استعطف السلطان ولا استسل سخيمة الغضبان ولا أستميل المهجور ولا استنجحت صعاب الأمور ولا استدفعت الشرور بمثل الهدية".


كلّ ذلك أثر طبيعي تكويني للهدية لأنّ القلوب جبلت على حب من أحسن إليها. ومن هنا يبيّن لنا أثر الغفلة عن هذا الأدب والخلق وهو الهدية والتهادي، لأنّنا سنرى عكس هذه الآثار، نرى المجتمع الذي ينعدم فيه هذا الأدب من الهدية والتهادي نراه متفكّك العلاقات الأسرية والاجتماعية، نرى فيه ضعف الترابط بين أبنائه ونرى في استمرار المشاكل الشخصية والعائلية لأنّها لم تعالج بالعلاج الكامل الذي يقتلعها من جذورها ألا وهو الهدية.

* آداب الهدية
إعلم أخي العزيز أنّ للهدية آداباً علينا التحلّي بها وترك ما ينافيها كي لا تتحوّل الهدية والتهادي إلى طقوس اجتماعية جامدة خالية من البعد الروحي، ومن هذه الآداب:

1- نية الهدية
عليك أخي العزيز أن تنتبه إلى نيتك عند الإهداء، فالنية أهم ركن في أي عمل تقوم به فإنّما الأعمال بالنيات ولكلّ امرءٍ ما نوى، والنية في الهدية لا تخرج عن أحد وجوه ثلاث كما جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله "الهدية على ثلاث وجوه: هدية مكافأة وهدية مصانعة وهدية لله عزّ وجل"، فقد تكون الهدية بنيّة المجازاة على عمل أو المماثلة له فهذه هدية المكافأة، وقد تكون الهدية مداراة ومداهنة لجلب نفع أو دفع ضرر فهذه هدية مصانعة، وقد تكون الهدية لله سبحانه وتعالى خالصة لا يشوبها غاية أخرى ليست مجازاة ولا مماثلة ولا مصانعة ولا رياء ولا سمعة بل لوجه الله سبحانه، وهذه أرقى أنواع النية وأقومها قيلاً في إثبات الإيمان بالله واليوم الآخر.

والهدية التي ذكرت في القرآن الكريم ﴿وأني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون هي من النوع الثاني من الهدايا من هدايا المصانعة التي أرادت بها بلقيس أن تصانع نبي الله سليمان على نبينا وآله وعليه السلام ظنّاً منها أنّه ملك من الملوك يريد زيادة سلطانه وكثرة الخاضعين له.

2- الابتداء بالهدية

من آداب الهدية الابتداء بها من غير سابق هدية لأنّ فيها تأسيس لمحبة ومودة خصوصاً في مواردها الاجتماعية المعروفة عند الزوج والأفراح والولادات وعيادة المرضى فلا تكن هديتك قارئي الكريم رداً لهدية أو إزاء عمل ما كما هو الشائع والمعتاد في مجتمعنا الذي يعتبر الهدية نوع من الدين يجب أداؤه فلا يهدي من لا يهدي إليه ولا يبتدئ بالهدية ابتداءً بل تكون ردّة فعل على هدية قبلها، بل إنّ غالب مجتمعنا يحفظ أسماء الزائرين والمهنئين وأسماء المتخلفين ليقابلهم بالمثل، بينما رسول الله صلّى الله عليه وآله يؤسّس لخلق كريم ويأمر بسلوك جسيم، فيقول عليه السلام "عد من لا يعودك واهدِ إلى من لا يهدي إليك" ابتدئ بالهدية وأسّس المحبة والمودّة في قلوب الآخرين ولا تستشعر عدم الاحترام ممن لا يعودك ولا يُهديك فإنّه قد يكون مشغولاً أو يمرّ بضائقة تمنعه حتّى من إهداء القليل.

3- قبول الهدية

ها قد أتت إليك الهدية قارئي العزيز بعد نية خالصة وابتداءً من المهدي لكنّها ليست بمستواك المادي ولا الاجتماعي فكيف تتصرف تجاهها: أبالانقباض والردأم بالانبساط والقبول؟
كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: "لو أهدي إلي كراع لقبلت" وهو ما دون الكعب من رجل الحيوان، وهو شيء حقير جداً، وكان عليه السلام "لا ترُدّوا الطيب والحلوى". وكان الإمام الصادق عليه السلام يقول: "من تكرمه الرجل لأخيه المسلم أن يقبل تحفته". وبحكم إيمانك عزيزي القارئ واقتدائك برسول الله يجب أن تقبل الهدية ولا تستشعر أن المهدي قد انتقصك أو قلّل من قدرك بقليل الهدية لأنّ في ذلك إكرام للمسلم وتواضع في النفس ونفي للكبر.

4- عدم التكلف بالهدية

التكلف هو أن يحمل الإنسان نفسه فوق طاقتها المادية والمعنوية، ومن آداب الهدية هي عدم التكلّف "ويتحفه بما عنده ولا يتكلّف له شيئاً" أي أهدي أخاك بما تملك ربما تستطيع ولا تتكلّف وتحمل نفسك فوق طاقتها بل وتنزل أخيك منزلة شر الإخوان، لأنّ "شر الإخوان من تكلف له" لأنّ الهدية وسيلة للتقارب والتآلف لكن بالتكلّف تكون سبباً للتباعد والكراهة، لأنّ المتكلّف يشعر بثقل المتكلف له على النفس، وبالتالي فتور العلاقة معه وربما انقطاعها، وذلك بسبب الثمن الباهظ للهدية.

والتكلف له سببان: إمّا احتقار المهدي إليه قليل الهدية فيضطر المهدي لتكلف كثيرها وقيمها وأمّا شعوره المُهدي بأنّ الهدية دين يجب قضاؤه فإذا أهداه أحد إخوانه الموسرين أو المتكلفين أيضاً هدية قيمة شعر بأنّها دين يجب قضاؤه بالمثل فيكلف نفسه هدية أكثر وأكبر من طاقته ويقع في نتائج التكلف من ثقل المتكلف له وفتور العلاقة معه وبالتالي لم تحقّق الهداية هدفها الاجتماعي في تآلف القول وتقاربها.

5- وقت الهدية

من آداب الهدية أن تكون بوقتها المتوقع فيه الفائدة من آثارها فتستحب الهدية للمريض عند عيادته "إن المريض يستريح إلى كلّ ما أدخل به عليه" وكذلك عند القدوم من السفر "إذا خرج أحدكم إلى سفر ثم قدم إلى أهله فليهدهم وليطرفهم لو حجارة" وأيضاً عند الحاجة إلى الآخرين "نعم الشيء الهدية أمام الحاجة" وذلك للأثر النفسي الذي تتركه الهدية من ميل ومحبة ومودة تسهل على المهدي طلب حاجته على المهدي إليه قضاءها لشعوره بحسن المكافأة لأنّ "الهدية تفقأ عين الحكيم" فتجعله يتصرف بعاطفته لا بحكمته فيضع الأمور في غير موضعها كأنّه قد فقأت عينه فلم يرَ الموضع الصحيح.

6- الاندفاع بالهدية

ينبغي للمُهدي أن يختار الهدية النافعة لأخيه في دنياه وآخرته فلا يهديه كتب الضلال وآلات اللهو وما لا ينتفع به بل عليه اختيار ما ينفع أخيه من كتاب موعظة وتذكر للآخرة أو شيء فيه إدخال السرور من الحلوى أو العطر أو باقة من الزهور وما إلى ذلك من الهدايا النافعة والتي هي خير من التصدّق بمثلها على حدّ قول أمير المؤمنين عليه السلام: "لأن أهدي لأخي المسلم هدية تنفعه أحبّ إلي من أن أتصدّق بمثلها".
ولو نظرنا بعين العقل لرأينا أنّ الهدايا المادية مهما كانت قيّمة هي زائلة النفع منقطعة الفائدة عند الموت، فتنحصر الفائدة والنفع الحقيقي بما يبقى نفعه مع الإنسان بعد الموت وهو الهدايا المعنوية المتمثلة بتعاليم الأنبياء والرسل والأوصياء عليهم السلام فإنّها أعظم وأنفس ما يهدى وعلى قبول هذه الهدايا العظيمة يتوقف مصير الإنسان في الآخرة.

نعم الهداية النافعة هي الهداية إلى سبيل الله وإلى طاعته واتباع أوامره، الهدية النافعة هي إرشاد الآخرين إلى الصواب وتبصيرهم بالأخطاء والعيوب "اقبلوا النصيحة ممن أهداها إليكم". النصيحة هدية عظيمة يجب قبولها وكذلك التبصير بالعيوب هدية يجب أن نحب مهديها بل ونفضله على غيره لأنّه يسبب لنا أعظم النفع والفائدة وهو هدايتنا إلى سبيل الله سبحانه "أحب إخواني إلي من أهدى عيوبي إلي" ليس من أهداني القلم أو الساعة أو السيارة هو الأحب إليّ بل من أهداني عيوبي هكذا يريد لنا أمير المؤمنين عليه السلام لأنّ التبصير بالعيوب والأخطاء أعظم نفعاً من أمور الدنيا الزائلة.

7- إشراك الجلساء بالهدية

قد يهدى للإنسان طعام أو فاكهة وعنده قوم جلوس فينبغي له إشراكهم في تلك الهدية وعدم الاستئثار بها لما في ذلك من إكرام للجلساء ومساواتهم بنفسه ونفي للبخل اقتداءً برسول الله صلّى الله عليه وآله حيث أهديت له هدية وعنده جلساء فقال عليه السلام: "أنتم شركاؤه فيها"، وكان الإمام الصادق عليه السلام يقول: "جلساء الرجل شركاؤه بالهدية".

8- إعادة ظرف الهدية

قد تكون الهدية عبارة عن إناء من الطعام؛ فالمستحب إعادة الإناء بسرعة إلى أصحابه لأنّ ذلك ادعى إلى تتابع هذه الهدايا "عجلوا رد ظروف الهدايا فإنّه أسرع إلى تواترها". "استديموا الهدايا برد الظروف إلى أهلها"، لكن حتّى هذا الأدب السهل وجد المخالفة عند المجتمع وتفرعت منه عادة سيئة وذلك بتأخير رد الظروف والأواني أياماً وأسابيع وربما تضيع أو تتلف أو تبدل فتسبب انقطاع هذا النوع من الهدية، كلّ ذلك التأخير يهدف مِلأها طعاماً مناسباً رداً للدين المتوهم أو حياءً من رد الإناء خالياً أو حياءً من ملئه بطعام غير مكافئ للطعام الذي جاء فيه.

9- تبادل الهدايا

الهدية – عزيزي القارئ – تحية وتكرمة من الآخرين فيبقى لمن أهدي إليه أن يرد الهدية لكن لا بعنوان الدين ولا لرفع العتب ولا لإسقاط الواجب الاجتماعي كما هو الشائع والمعتاد بل لوجه الله سبحانه ولغاية التواد والتراحم والتحاب "تهادوا تحابوا"، "تهادوا فإنّ الهدية تسل السخائم وتجلي العداوة والأحقاد".
فلنهادِ بما يرضي الله ورسوله بالنصيحة وبالتبصير بالعيوب، فلنتهادَ بالهدايا النافعة فلنبتدئ بعضنا البعض ولو بقليل الهدية، فلنرفع الكلفة فيما بيننا عند تهادينا ولنحسن نوايانا ومقاصدنا وأعمالها والحمد لله رب العالمين.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع