مع الإمام الخامنئي: الرسول والحياة الطيّبة (*) مع إمام زماننا: عجل الله تعالى فرجه الشريف أخلاقنا: خطر الاعتياد على المعصية(*) ذكريات السيّد جواد نصر الله عن الشهيد هادي نصر الله الــغـــرب وتفكيك الأسرة(*) الفساد الغربيّ وتنميط الحياة الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟

السفر بين الذم والمدح


لقد تشاءم من السفر مَنْ عزّ عليه فراق أهله والأحبة والأرض التي ترعرع عليها وحمل منها في طفولته وشبابه صوراً لطيفة في ذاكرته يستحضرها كلّ حين لما فيها من أُنس للنفس وإحياء للروح ولذلك عبّر عن السفر بقوله: من مصائب الدنيا: البنت ولو مريم، والدين ولو درهم، والسفر ولو قدم".

 ولقد اجتهد المتشائمون من السفر لاستنباط مفهوم من الآيات للاستدلال به على وحشة السفر وقساوته فكانت النتيجة عندهم أنّ السفر مساوٍ للمرض، وذلك ما أشار تعالى إليه في كتابه بقوله "فمن شهد منكم الشهر - أي رمضان - فليصمه ومن كان مريضاً أو على "سفر ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. "سورة البقرة/184".

واستنزف المتشائمون جهودهم لصياغة الكلمات القصار الأدبية تعبيراً عن كراهة السفر، وفي هذا الصدد قيل: إنّ السفر قطعة من سقر - أي من جهنم.

وفي المقابل اجتهد المتفائلون فيه فاعتبروا السياحة في البلدان والسفر في الأمصار المختلفة لوناً ولغةً وطبيعةً وعادات له نكهةٌ مميزة تلتذ بها النفس، وتنفتح أمامها آفاق جديدة تبعث فيها حيث الإطلاع والمعرفة وتقودها باتجاه تطوير الحياة وإغنائها مادياً ومعنوياً. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور "الملك /15" أي في أطراف الأرض.
وعبّروا عن ثمرة التفاؤل بالسفر بأشعار عديدة منها:

وانصب فإن لذيذ العيش في النصبِ

سافر تجد عوضاً عمن تفارقه

إن سال طاب وإن لم يجرِ لم يطبِ

إني رأيت وقوف الماء يفسده

إليه في كل حين عين مرتقبِ

والبدر لولا أفول منه ما نظرت

قَنَصت والسهم لولا فراق القوس لم يُصِب

والأُسدُ لولا فراق الغاب ما

والعودُ في أرض

والتبر كالتراب ملقى في معادنهِ

وإن أقام فلا يعلو إلى الرّتَبِ

فإن تغرّب هذا عزّ مطلبه


أجل مما لا شكّ فيه أنّ السفر باب رزق إذا سُدّت أبوابه في الوطن قال الشاعر:

تَرَحّل طالباً أرضاً سواها

إذا ما ضاق رزقك في بلاد

ونفسك لم تجد نفساً سواها

فإنّك واجد أرضاً بأرضٍ


وإنّ السفر نافذة يطل منها الإنسان على عوالم الدنيا ومجتمعاتها فيزداد بعد الاحتكاك بها خبرةً ومعرفةً بأمور متنوعة ويتميز أيضاً بوفرة إنتاجه بالقياس على إنتاج الوطن، لأنّ طبيعة الحياة في السفر تفرض على المغترب سياسة حسن التدبير والادخار واستثمار الوقت بصورة دقيقة بعيداً عن الإسراف والتبذير، بخلاف الحياة في الوطن التي تفرض على الإنسان كثيراً من المهمات والأدوار الاجتماعية يصعب معها ممارسة سياسة الادخار والتحكم بالوقت كما يشاء. وعلى سبيل المثال إنّ الحاضر في الوطن مضطر للمشاركة في الأفراح والأتراح في الجنائز والأسابيع وعيادة المرضى وصلة الأرحام والأعراس والمواليد والتواصل مع أعضاء شبكة العلاقات الاجتماعية التي يبنيها كلّ إنسان في مجتمعه. والتخلف عن أداء هذه المهمات يضع الإنسان تحت الإدانة والتوبيخ. وهذا كله لن يتم إلاّ من حساب الوقت والإنتاج.

ولقد نصح بالسفر إمام المتقين علي عليه السلام من أراد الادخار سواء من العلم أو المال بقوله: كما روي عنه عليه السلام:

وسافر ففي الأسفار خمس فوائدِ تغرّب عن الأوطان في طلب العلى
وعلمٌ، وآدابٌ، وصحبةُ ماجد تفريجُ همّ، واكتسابُ معيشةٍ
وقطع الفيافي وارتكابُ الشدائدِ فإن قيل في الأسفار ذلٌ ومحنةٌ
بدارِ هوانٍ بين واشٍ وحاسدِ فموت الفتى خير له من مقامهِ

وبقوله عليه السلام: العلم في الغربةِ والفقر، والناس تطلبه في الوطن والغنى.

وكلام الإمام موافق تمام الموافقة لكلام الله عزّ وجل الذي يقول في محكم آياته: ﴿فلولا نفر من كلّ فرقةٍ منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون "التوبة/122".
فكما نلاحظ بكلّ وضوح أنّ القرآن الكريم يحثّ على السفر طلباً للعلم، والمعيشة.

إنّ الفقير في وطنه غريب، والغني في غربته أصيل.
ولذلك قال إمام المتقين عليه السلام: "الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن" "نهج البلاغة".

ولا ننسى أنّ المهاجر من بيته باتجاه ثغور المسلمين للدفاع عن أرضهم وأموالهم وأعراضهم وعقيدتهم تاركاً زوجته وأطفاله وأمواله وكل دنياه، من أقدس أنواع السفر إلى الله تعالى. وهذا ما لا يقف عنده عاقل وخاصة بعد أن أكّده القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله "التوبة /20".


 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع