الأبناء ضحايا الطلاق من القلب إلى كلّ القلوب: فمن زحزح عن النار(*) تسابيح جراح: بلسم جـــراحــي(*) مكافأة ماليّة لمن ينجب مولوداً ذكراً! لماذا لا يسمنون؟ رحلات سياحيّة إلى الفضاء خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي

مجتمع: الفتاوى الشرعية والفهم الخاطئ

تحقيق: هداية طه

لم يكد فؤاد (25عاماً) ينهي حديثه مع أبيه حتى ارتسمت علامات الغضب والاستغراب على وجه الوالد، الحاج حسين، الذي قال لولده: "هذا العمل حرام"... فؤاد لم يكن لديه أيّ نيّة لفعل أمر حرام لكنه اقتنع من زميله أن هذا النوع من الصفقات المالية التي عقدها معه يندرج تحت عنوان المضاربة والمضاربة في الإسلام مشروعة.
وكان فؤاد قد اتفق مع زميله أن يعطيه مبلغاً من المال بغية تشغيله في السوق فترة من الزمن على أن يدفع له مبلغاً مقطوعاً كل شهر قدره 200 دولار مع العلم أن هذا الاتفاق يتنافى مع أحكام المضاربة.


في الحقيقة، لا تعكس هذه القصة وجهاً من وجوه الخطأ في التعامل فحسب، إنما تعكس أيضاً ظاهرة هي: الفهم الخاطئ للفتاوى الشرعية وجهلها. ولعل نسبة الأشخاص الذين يتساءلون باستمرار عن فهم خاص ترسّخ في أذهانهم عن بعض الفتاوى الشرعية لا يستهان بها. وهذا ما يؤكده العديد من علماء الدين الذين يواجهون حالات ترتبط مباشرة بالخطأ في فهم وتفسير الفتوى. وبالتالي تطبيقها عملياً في الواقع، وهو ما أكّده لنا سماحة الشيخ محمد توفيق المقداد، مدير مكتب الوكيل الشرعي العام للقائد سماحة السيد علي الخامنئي دام ظله، الذي اعتبر أن هناك أشخاصاً كُثراً يستفسرون عن أمور لا تتطابق مع الفتاوى الشرعية وهم للأسف يعملون بها لأنهم فهموها كذلك ثم يسألون ليتفاجؤا بعدم مشروعيتها".

*نماذج وصور
يقول فؤاد: "لطالما كنت أسمع أن المضاربة في الإسلام مشروعة. وكنت قد قرأت عنها عدة مرات لكن الأمر اشتبه عليّ في فهم شروطها". وإذا كان فؤاد واحداً من الذين التبس عليهم فَهم تفاصيل الفتوى الشرعيّة، فثمة آخرون يجتزئون الفتوى ولا يعملون بها كما وردت فعلياً في مصادرها. والحديث يطول هنا في هذا المجال..

1 - بعض النساء، على سبيل المثال، يرتدين البنطلون بحجة أن مقلّدهم أفتى بجوازه دون أن يتعرفن إلى الشروط المرتبطة بهذه الفتوى.. إذ إنه "يجوز ذلك شرط أن لا يكون مجسّماً لمفاتن البدن أو موجباً للفتنة..". رنا (17 عاماً) لا ترى في ارتدائها البنطلون أيّ إشكال "لطالما كنا نتناقش أنا ورفيقاتي في هذا الموضوع ولا زلت حتى الآن مقتنعة أن ارتداءه جائز".

2 - في هذا السياق أيضاً، تندرج الفتاوى المتعلّقة بموضوع السفر في شهر رمضان، ويلتبس على بعض الأشخاص فَهمها. فثمّة أشخاص يظنّون أن مجرد الوصول إلى حد الترخّص في الصيام يجيز لهم الإفطار والعودة مباشرة إلى مكان الإقامة وهذا ليس صحيحاً. فطبقاً للفتوى على المسافر أن يقطع كل المسافة وليس الوصول فقط إلى حدّ الترخّص.

3 - وفي مخالفة الفتوى؛ بدون قصد تروي سلام (35 عاماً) ما حدث معها بأسف وندم: "هجرني زوجي مدة خمس سنوات. تأثرت لذلك فسمعت من جاراتي وبعض رفيقاتي أن هجْر الزوجة هذه المدّة يعتبر بمثابة الطلاق، فتزوجت بعدها. إلا أنني علمت بعد ذلك ببطلان زواجي الثاني، لأني لم أُطلَّق من زوجي الأول حتى عند الحاكم الشرعي". وتضيف: "لقد وقع عليّ الخبر كالصاعقة بعدما تأكدت من الموضوع. لكني ألوم نفسي لأني لم أتأكد من الأمر ولم أرجع إلى الحكم الشرعي الصحيح".

4 - ومن الأمثلة التي قد تبدو غريبة للوهلة الأولى إلا أنها تعدّ شيئاً طبيعياً وشائعاً في بعض القرى: اعتبار زوج الأخت (الصهر) أو أخ الزوج (السلف) "نصف مَحرم" أي أنه لا يحرُم. بما يعني أن الأخت تستطيع أن تسلّم على الصهر أو أن يراها بدون حجاب، كذلك الأمر بالنسبة للسلف كما يعتقدون. وتشير تقوى (36 عاماً) إلى أنها كانت تلاحظ هذا الأمر بشكل كبير في قريتها، وتضيف: "لا يوجد أي أساس في الدين أو في الفتاوى بما يتعلق بهذا الأمر لكن الناس تشيع مثل هذه الأمور بنفسها".

5 - للجهل بالأحكام الشرعية مكان لدى الكثير من الناس أيضاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مهنة تزيين السيّدات (كوافير نسائي) التي يمتهنها بعض الرجال هي محل إشكال شرعي، فإذا كان النظر إلى شعر المرأة لا يجوز فهل يجوز لمسه وتزيينه؟

6 - من الأمثلة الأخرى في هذا السياق ما قامت به إحدى الفتيات الملتزمات، فقد طلبت الطلاق من خطيبها بعد أن اتهمته بالسرقة كما تبيّن لها بالمَنْدَل الذي ضربته عند إحدى العرّافات، مع العلم أنه يحرم على الإنسان أن يرتّب آثاراً على هذا الأساس الوهمي. أما من الناحية الشرعية فما دام ليس عند هذه الفتاة شهادة شاهدين عدلين فلها أن تدعوه إلى الحاكم الشرعي ليحلف اليمين وإذا حلف فليس لها عليه شيء.

*للظاهرة أسبابها:
إنّ للفهم الخاطئ للفتاوى الشرعية، تحديداً، أسبابه الخاصة التي تعكس تنوّعها إجابات مدير مكتب الوكيل الشرعي لسماحة السيد علي الخامنئي الشيخ محمد توفيق المقداد عند سؤالنا: ما هي أبرز الأسباب التي تدفع الناس إلى تكوين فَهم خاطئ للفتاوى الشرعيّة؟

أجاب: "في كثير من الأحيان يكون السؤال مبهماً فيسأل المرء ويجيب بنفسه عن السؤال المطروح" يقول سماحته. ويستذكر قصة تُعبِّر بعمق عن هذا النوع من الأسئلة: سأل أحد الأشخاص ذات يوم أحد المراجع السؤال التالي: في بلادنا شجرة أوراقها تدخل في صناعة الأدوية وأغصانها تستخدم للتدفئة في حين أن بزورها تعتبر طعاماً للعصافير فهل هي حلال؟ وقد جاء جواب المرجع بحسب مفروض السؤال - صناعة الأدوية - بأنها حلال، فأشاع الشخص أنّ مرجعه أحلّ نبتة الحشيشة! ويضيف سماحته مبتسماً: "هذا ينطبق على المثل العراقي الذي يقول: دِبها (اجعلها) برقبة عالم واطلع منها سالم".
في سياق متّصل، يعتبر سماحته أنّ عدم استيفاء السؤال لكافّة التفاصيل وإيضاحها من قبل السائل يُكوِّن فهماً خاطئاً عن الفتوى المراد تحصيلها لدى السائل. ويؤكّد سماحته أنّ السؤال غير المفصل سيكون جوابه غير شافٍ أو غير دقيق.

وإذا كانت طبيعة السؤال وطريقة طرحه من أهمّ الأسباب لتكوين هذا الفهم، فإن الاجتهادات الشخصيّة عند الناس تلعب دوراً مهماً في ذلك أيضاً. يقول سماحته: "يعمد بعض الأشخاص إلى تفسير الأحكام الشرعيّة أو الفتاوى حسب استنتاجاتهم واستنباطاتهم الخاطئة". ويستشهد بمثال عن امرأة اعتبرت أن الإسلام ظالم للمرأة في قضية الميراث و"غاب عنها أنّ بمقدورها وضع شروط بهذا الخصوص في عقد الزواج، وهذا ما أجازه لها الإسلام". (مع العلم أيضاً أن الإسلام وازن بين الوَرَثة على قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" التي تنمّ عن عدالة واضحة في توزيع الميراث لأن الشاب إذا أراد أن يتزوّج عليه أن ينفق على زوجته ويدفع لها المهر المعجّل والمؤجّل فحقّ له مقابل ذلك أن يأخذ ضعف ما أخذته أخته التي ستنتقل بالزواج إلى منزل يقوم زوجها فيه بالإنفاق عليها وعلى أسرته فضلاً عن المهر الذي سيدفعه لها).
في سياق متصل، يشير سماحته إلى أن من الاستنتاجات الخاطئة والشائعة لدى بعض الناس مسألة توزيع الخُمس بدون إجازة وهذا الأمر لا يجوز أيضاً.

ويقدّم سماحته سبباً آخر يردّه إلى عدم أخذ الحكم الشرعي أو الاستفسار عن الفتوى من مصادرها الأصلية ويوضح قائلاً: "أغلب الأشخاص يعتمدون على القيل والقال في تطبيقهم الأحكام الشرعية، إنما من الضروري أن يسأل الإنسان المختصّين كي لا يطبق الأحكام بشكل خاطئ". ويضيف: "العلم رأس الخير كلّه ويجب أخذه من مورده الصحيح".

ويختم سماحته بالحديث المنقول عن الإمام الصادق عليه السلام: "ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال والحرام"(1).

في المحصلة، لا بد لنا أن نعي أن التفقّه في الدين واجب علينا تحصيله كما قال الإمام الصادق عليه السلام: "من لم يتفقّه في دين الله.. لم يزكّ له عملاً"(2).


1- بحار الأنوار، المجلسي، ج1، ص213.
2- الوافي، الكاشاني، ص128.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع