الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟ أوّل الكلام: بدرُ سامرّاء مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد

البـلاء.. بداية الكرامات

الشيخ يوسف سرور

البلاء والابتلاء هو الاختبار والامتحان. ويكون الاختبار من الإنسان للإنسان في سبيل استبيان واستكشاف ما يُجهلُ عنه وما يخفى عليه؛ وذلك لغاية في النفس. ولكن هذا الأمر لا يمكن تصوّره بحقّ الله سبحانه وتعالى الذي يبتلي الإنسان، والله هو الذي يعلم ما تخفيه كل نفس ويعلم ما في الصدور، ولكنّ ابتلاءه للإنسان من أجل غايات وأهداف فيها نفع الإنسان وفائدته. وكما يُغَربل القمح ليُعرف الصحيح منه من الزؤان، وكما يُبتلى المعدن بالنار والصقل، وفي ذلك تمييز للبشر من التراب؛ فكذلك يُختبر الإنسان، ويُبتلى في سبيل استظهار حقائق النفوس واستشفاف معادنها؛ حتى يُماط اللثام عن الوجوه وتُزاح الأقنعة عن الحقائق فتظهر الحقائق وتبطل الدعاوى!

*ما حقيقة البلاء؟!
من الواضح أنّ الابتلاء أو البلاء سمة عامّة، يجب أن تشمل كلّ الناس، لا سيّما أولئك الذين يرجون رحمة الله ورضاه؛ فقد ورد عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام: "أنَّ علياً عليه السلام كان يقول: ما من أحدٍ، وإن عظمت بلواه، أحقّ بالدعاء من المعافى الذي لا يؤمَنُ البلاء"(1). وأنَّ أتباع الحقّ هم أشدّ عرضةً للبلاء، وذلك حتى يميز الله الصادق من الكاذب، والثابت القدم من المتذبذب، فقد صرّح الله تعالى بذلك: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (العنكبوت: 2).

*مَنْ هو المعرّض للابتلاء؟!
كلَّما أكثر المؤمن إيغالاً في طريق الحقّ، وأمضى عزيمةً في طيّ المنازل واجتياز الآفاق، كلّما كان أكثر ابتلاءً، وكان نوع البلاء عليه أعظم، فعن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: "إنما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه -أو قال- على حسب دينه"(2).
وفي المقابل، فإنّ عظيم الجزاء المأمول من البلاء والصبر عليه، يدفع بالمحبوب أن يتعاهد حبيبه به، وذلك في سبيل دفعه نحو مقامات القرب منه تعالى، فعن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ عظيم البلاء يُكافأ به عظيم الجزاء؛ فإذا أحبّ الله عبداً ابتلاه بعظيم البلاء، فمن رضي فله عند الله الرضا، ومن سخط فله عند الله السخط"(3).

*سيماء العاشقين
من هنا يظهر أنَّ الله شديد الغيرة، وأنّه لشدّة غيرته على محبوبه، لا يحبّ أن تحين التفاتة من عاشقه إلى سواه؛ فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّ الله يغار للمؤمن، فَلْيَغرْ من لا يغار، فإنَّه منكوس القلب"(4).
لذلك، فإنه تعالى يتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الغائب أهله بالهدية إذا حضر من سفره، وفي ذلك ورد عن الإمام الباقر عليه السلام: "إنَّ الله عزَّ وجلّ ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية من الغيبة، ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض"(5).
وذلك أنَّ البلاء أدعى إلى الالتصاق بالله تعالى وإلى التذكّر، وأقوى دفعاً إلى الشكر والصبر، وطلب المعونة واستعراض الفقر والضعف والحاجة إليه تعالى.
وبذلك ينكشف سرّ كثرة الابتلاءات التي تعرض للمؤمنين، فإنهم يتنقّلون من بلاء إلى بلاء، كما لو سرى البلاء في حياتهم مسرى الدماء في العروق.

عن الإمام أبي جعفر عليه السلام: "إنَّ الله تبارك وتعالى إذا أحبَّ عبداً غتّه بالبلاء غتّاً، وثجّه بالبلاء ثجّاً؛ فإذا دعاه قال: لبّيك عبدي، لئن عجّلت لك ما سألت إنّي على ذلك لقادر، ولئن ادّخرت لك فما ادّخرت لك فهو خير لك"(6).
قال العلّامة المجلسي رحمه الله في شرحه للحديث: "ثجّه - أي: أساله - أي ثجَّ عليه البلاء، ويكون تسييله كناية عن شدّة ألمه وحزنه، كأنّه يذوب في البلاء ويسيل، أو عن توجّهه إلى جناب الحقّ سبحانه بالدعاء والتضرّع لدفعه. وقيل: أي أسال دم قلبه بالبلاء"(7).
وبذا يُعلم سرّ إحاطة البلاء بالأنبياء عليهم السلام، ثمّ الصالحين، ثمّ من سواهم. في الحديث عن عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: "ذُكر عند أبي عبد الله الصادق عليه السلام البلاء وما يخصّ الله عزَّ وجلّ به المؤمن، فقال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ أشدّ الناس بلاءً في الدنيا؟ فقال: النبيّون، ثمّ الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن من بَعْدُ على قدر إيمانه، وحُسن أعماله؛ فمن صحَّ إيمانه وحسن عمله اشتدّ بلاؤه، ومن سَخُفَ إيمانه وضعف عمله قلَّ بلاؤه"(8).

ومثله عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال: "إنَّ أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء ثمَّ الذين يلونهم، ثمّ الأمثل فالأمثل"(9).

*أنواع البلاء
إنَّ طبيعة البلاءات التي تصيب الإنسان في هذه الحياة الدنيا هي من جنس طبيعة الدنيا نفسها. فإنّ الإنسان بطبعه يحبّ العافية والصحّة والأمان، ورغد العيش والسعة في المال والرزق، وكثرة المحبّين والأولاد والأنصار وما شاكل ذلك. وإنَّ أيّ نقصٍ من هذه النعم أو فيها هو من قبيل البلاءات التي تواجهه. لذلك، فإنّ طبيعة الحياة الدنيا تقتضي هذه البلاءات، لكن، أكثر أوجه البلاء صدقاً وذكراً هي التالية:

1 - البلاء في الخير والشر

قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون (الأنبياء: 35). وقال المجلسي: "والبلاء ما يختبر ويمتحن من خير أو شرّ... وأصله المحنة، والله تعالى يبتلي عبده بالصنع الجميل، ليمتحن شكره، وبما يكره ليمتحن صبره"(10).
ومنه التوسعة والتضييق في الرزق، قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَن (الفجر: 15 - 16).

2 - البلاء العام
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (البقرة: 155 - 156).
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "ما بلا الله العباد بشيء أشدّ عليهم من إخراج الدرهم"(11).
وفي ذلك إشارة إلى طبعٍ عند الناس أنهم يرون في المال ما يسدّ حاجاتهم، فإذا ضيّق عليهم فيه عضّتهم الحاجة ودفعت ببعضهم إلى التذلّل للعباد وإراقة ماء الوجه، وفي ذلك شعور بالمهانة وضياع للكرامة.

3 - أشد أنواع البلاء

أشد البلاء وطأةً على الإنسان أعمقه أثراً وأدومه نتيجةً، يكون المصاب به أكثر غفلةً عنه، وأقلَّ تبصّراً بحاله حينها. فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "ما ابتلى الله أحداً بمثل الإملاء له"(12).
وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (آل عمران: 178).
فإنَّ ظاهر هؤلاء أنهم يعيشون في نعيم وهم يتنقّلون من نعمة إلى نعمة، ومن رفاهٍ إلى رفاه، ولكنهم يغفلون عن أنّ الله تعالى يستدرجهم ليمعنوا في آثامهم حتى يواجهوا مصيرهم يوم القيامة، فعن الإمام علي عليه السلام: "إنَّ من البلاء الفاقة، وأشدّ من ذلك مرض البدن، وأشدّ من ذلك مرض القلب"(13).
وعنه عليه السلام: "أكبر البلاء فقر النفس"(14).

*غايات البلاء
مضافاً إلى ما تقدّم عن البلاء، فإنَّ للبلاء غايات خاصة، ولكل نوع منها غاية تخصّه أيضاً، فمن هذه الغايات:

1 - علوّ الدرجات

فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ عظيم البلاء يُكافأ به عظيم الجزاء" (15).
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ في الجنة منزلةً لا يبلغها عبدٌ إلّا بالابتلاء في جسده"(16).
وعنه عليه السلام، وقد شكا له ابن أبي يعفور ما يلقى من الأوجاع وقد كان مسقاماً (كثير المرض)، قال عليه السلام: "يا عبد الله، لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنّى أنّه قرّض بالمقاريض"(17). وفي خبر شهادة الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام، فقال له: يا حسين، لك درجة في الجنة لا تصل إليها إلّا بالشهادة"(18).

2 - البلاء كرامة للمؤمن

عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ بلاياه (الله) محشوّة بالكرامة الأبدية، ومحنه مورثة رضاه وقربه ولو بعد حين"(19).
وعنه عليه السلام: "البلاء زين المؤمن، وكرامة لمن عَقِلَ، لأنّ في مباشرته والصبر عليه والثبات عنده تصحيح نسبة الإيمان"(20).
وعنه عليه السلام: "ما أثنى الله على عبدٍ من عباده من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلّا بعد ابتلائه ووفاء حقّ العبوديّة فيه، فكرامات الله في الحقيقة نهايات، بداياتها البلاء"(21).

ونختم بما روي عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام: "في قول الله عزَّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ ... فهذه واحدة من ثلاث خصال، ﴿وَرَحْمَةٌ اثنتان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ثلاث". ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: "هذا لمن أخذ الله منهم شيئاً قسراً"(22)


1.من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج4، ص399.
2.الكافي، الكليني، ج2، ص253.
3.م.ن، ص253.
4.المحاسن، البرقي، ج1، ص204.
5.الكافي، م.س، ج2، ص253.
6.م.ن.
7.مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم،
ج9، ص327 - 328.
8.الكافي، م.س، ج2، ص252.
9.م.ن.
10.مرآة العقول، م.س، ج9، ص321.
11.الخصال، الصدوق، ص8.
12.بحار الأنوار، المجلسي، ج73، ص383.
13.الأمالي، الطوسي، ص146.
14.غرر الحكم ودرر الكلم، الآمدي، الحكمة رقم 2965.
15.الكافي، م.س، ج2، ص253.
16.م.ن، ص255.
17.م.ن.
18.مرآة العقول، م.س، ج9، ص322.
19.البحار، م.س، ج78، ص200.
20.مسكّن الفؤاد، الشهيد الثاني، ص58.
21.البحار، م.س، ج67، ص231.
22.الكافي، م.س، ج2، ص93.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع