قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

مجتمع: أخطبوط الإشاعات


أحمد شعيتو(*)

باتت اليوم "شبكة الإشاعات" تمدّ أذرعها "الأخطبوطية" على نطاق واسع من المجالات. ومن الواضح أن اتّساع الإشاعات بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث اليوم ناتج عن تطوّر وسائل الإعلام وانتشارها وعن اتّساع قائمة التطور التكنولوجي ومنظومات الاتصال والتواصل وشبكة التبادل في منظومة الاتصال والمعلوماتية والإنترنت. فكثرة انتشارها ناتج من تزايد أعداد المشتركين في هذه المنظومة، أما سرعة انتشارها فقائم على سرعة التكنولوجيا في نقل المعلومة.

*لماذا تشيع الإشاعة؟
من المعلوم أن من يتلقى الإشاعة لا تقف عنده ويصبح هو الناقل والناشر لها على شكل شبكات متداخلة. والسبب في التلقّي والنشر يرجع إلى:

أ - عدم القدرة أو قلّتها أو عدم النية في التحليل من قبل أكثرية جمهور المتلقين إضافة إلى قلة الوعي؛ ما يساهم في سرعة انتشارها.
ب - عدم فهم كيفية إطلاق هذه الإشاعات وخلفيتها بسبب ضعف الخلفيّة المقابلة سواء الثقافيّة أو الاجتماعيّة أو الدينيّة أو السياسيّة.

ويمكن الإشارة هنا إلى تطور أساليب إطلاق الإشاعات "المخطط لها" والترويج لها وحبك مضامينها؛ لكي تكون مقنعة أكثر وتنتشر أكثر. مع الاعتماد على وسائل الإعلام والاتصال الحديثة، صار هذا النوع من الإشاعات خطيراً في السنوات الأخيرة؛ بسبب أهدافه التي تمسّ المجتمعات وأمنها ووحدتها وقيمها. ومن الإشاعات ما يستهدف المجموعات البشرية وفئات معيّنة، فيتم إطلاقها أحياناً لتكون بمثابة استفتاء لمعرفة واقع المجتمع وتوجّهاته، أو معرفة مدى وعيه أو تماسكه.

*منشأ وعوامل انتشارها
ما هي التأثيرات السيكولوجية في انتشار الإشاعة؟ وماذا عن الإشاعات المخطط لها؟ وما الرادع الذي يقلل نشر الإشاعات؟ وكيف يمكن أن نعالج هذه الآفة على صعيد نفسية الأشخاص الذين يكونون متلقين وناشرين لها في الوقت نفسه؟

تستند الإشاعة إلى أخبار وهميّة خاطئة عن غير قصد أو وقائع تمّ العمل على تحوير جزء منها أو نوايا سيئة، لتنطلق في فضاء الانتشار، فهي لا تنشأ دائماً من خبر غير موجود على الإطلاق، فعلى قاعدة "لا دخان من غير نار" تعتمد الإشاعة على جزئية من خبر واقعي لتعمل فيه تحويراً وتزويراً وإضافة وتبهيراً. قد نأتي بخبر مفاده أن فلاناً سافر إلى دولة ما من أجل أن يقوم بأعمال تجاريّة غير شرعيّة. وقد يكون بالفعل فلان سافر بعلم الجميع ومن أجل أعمال تجارية، وهذا يعطي دفعاً لتصديق الإشاعة. أما الجزء الآخر فقد يكون مبتدَعاً من حيث إضافة أنّ هدف هذا السفر هو أعمال تجاريّة غير مشروعة. لكن الإشاعة قد تعمل على اختراع واقع لم يحصل أيّ شيء منه.

إذاً، منشأ الإشاعة إما تضليل متعمّد، من قبل أشخاص أو خطأ غير مقصود من قبل مُطلِق الإشاعة أو تضخيم وتحوير لواقع حاصل.

*وسيلة في ميادين الصراع
قابلنا المتخصص في الفلسفة وعلم النفس الأستاذ يوسف شعيتو الذي حدثنا عن خطورة الإشاعات، وبيئتها، وأهدافها وسبل ردعها. يلفت شعيتو إلى أن الإشاعة المخطَّطة تبوّأت مركز الصدارة في ميادين العداوة واتخذت عبر الزمن أشكالاً مروعة من حيث المضمون والشكل والأدوات والعناصر والتقنيات، حتى باتت اليوم في ظلّ أعقد وأحدث وسائل الاتصال والنشر، قادرة على بلوغ أهدافها أسرع من البرق محققة لمطلقيها القوة والشأو في ميادين الصراع.

وللإشاعة المخططة عناصر يعدّدها الأستاذ المتخصص:
أولاً: مطلقها وهو المستفيد الأول من ورائها.
ثانياً: المتلقّي وهو غالباً الفئة المستهدفة من الإشاعة.
ثالثاً: الظروف الزمانية والمكانية.
رابعاً: الهدف وهو بيت القصيد.

*سلاح الإشاعة وعملها
سلاح الإشاعة يستخدم لهزيمة نفسية الفئة المستهدفة كمقدمة لهزيمة أكبر ربما تكون سياسية أو عسكرية. أما آلية عملها فتقوم على أجواء مؤاتية تُطلق الإشاعة خلالها على شكل طعم جذاب، ليسهل ابتلاعه من الفئة المقصودة ويبدأ تأثيره رويداً رويداً. فمن عوامل انتشارها الخوف من أمر ما، ما يدفع إلى كثرة الحديث بين الأصدقاء عن الخبر الذي وصل إلى المتلقي وهذا ما يجعله ينتشر، أو الرغبة بأمر ما لأنه يرغب في أن يحصل الأمر فيبدأ الحديث عنه.

*البيئة
بحسب شعيتو، فالإشاعات بما أنها عبارة عن إسقاطات ناتجة عن حالة نفسيّة سيّئة وحب الإضافة وخيالات وظنون، فإذا علقت الإشاعة بعناصر مؤيدة للفكرة تنتشر بسبب الجهل وقلة التدقيق وحُبّ البروز. لذا البيئة الأمثل لها: المجتمع المتخلّف، فهو بيئة صالحة لنشر الإشاعات. هنا يشير شعيتو إلى أن "المُشيع" يراقب ويغذي وينعش أخبار الإشاعة حتى إذا ما "هضمتها" العقول المحدودة الوعي، والنفوس القليلة الإدراك، هبّت لتقويتها وترسيخها الأوهام، والخيالات، والرغبات والمخاوف؛ وأكسبت الإشاعة شحنات من الوقود تسمح لها بالانتشار وفق متواليات حسابيّة وهندسيّة، وهو ما يساعد على نفاذ الإشاعة وسرعة تحقّق أهدافها ومخططاتها.

على سبيل المثال، أيام الاحتلال العثماني كانت الإشاعة تنتشر مثل النار في الهشيم، نتيجة الجهل، والفقر، والخوف، فالناس لا تعرف أن الخبر إشاعة أو حقيقة، ولا لماذا أطلق، ولا الهدف منه.

*أنواعها
1 - إشاعات لأهداف تجارية تعمل على أساس سيكولوجي (آمال ومعتقدات).
2 - إشاعات سياسية حول شخصيات وأحداث سياسية.
3 - إشاعات أمنية حول أخطار، ووقائع، وحوادث حصلت أو يمكن أن تحصل.
4 - إشاعات اجتماعية حول وقائع تتعلق بالمجتمع أو أمنه الاجتماعي، والمادي، كالأسعار والغذاء مثلاً أو حوادث اجتماعية.

*خطورتها اليوم
خطورة الإشاعة اليوم أن الاعتماد عليها يتنامى من قبل العدو، فإن كان هناك إشاعات بسيطة تنتشر دون تأثير سيكولوجي أو خطورة اجتماعية، إلا أن الكثير من الإشاعات مخطّط له ولأهداف خطيرة. فالحروب اليوم، نلاحظ أنها، في كثير من الأحيان تستند في تبريرها إلى إشاعات مضللة ويتم ضخّ أموال طائلة في وسائل الإعلام للترويج لها بموازاة فرق سياسية تتولى دعمها. وفي هذا الإطار، يلفت الأستاذ شعيتو إلى أن مطلقي الإشاعة لأهداف معينة يعملون على تقديم معلومة في مواضيع تهمّ الناس، وقد يشيع العدوّ أموراً للتأثير على مَنْ يواجهه أو على الناس ومعنويّاتهم وصمودهم، وهذا يدخل في إطار مسمى الحرب النفسية.

*الردع والعلاج
يؤكّد شعيتو أنّ سوء الظن بالأخبار التي تصلنا في هذه الأيام أفضل من حسن الظن بها، خاصة مع ابتداع الأعداء لأساليب جديدة منها. ويمكن تنفيذ خطوات تساعد في الوقوف بوجه الإشاعات:
1 - في المناهج التربوية، يمكن إدخال دروس عن الإشاعات.
2 - محاسبة وسائل الإعلام على أي خبر غير مدقق به.
3 - ندوات وورشات عمل تبين معناها وتاريخها الأسود مع الشعوب، تبدأ مع الفئات الفاعلة وتنتهي مع الفئات الشعبية.
4 - تنمية الثقافة الدينية ما يحدّ من نشرها، حيث يصبح الإنسان مسؤولاً أكثر في تصرفاته، ولا يلجأ إلى نشر أخبار دون التثبّت منها.
5 - تفعيل الجانب الإنساني في المتلقي وإظهار الآثار المدمرة لها على المستويات المختلفة، ولا سيما، المعنويّة والماديّة وخاصّة القتل، وبالأخص إذا كان المقتول شعباً بكل أطيافه.
6 - تغذية الوعي السياسي من خلال التأكيد عبر المتخصصين والإعلاميين على مدى اعتماد العدو، في كثير من الأحيان، على الإشاعات كتمهيد لتنفيذ مخططاته سواء المدنية أو الحربية أو لدفع هذه المخططات قدماً، وتعميق نجاحاتها في مجتمعاتنا.

وأخيراً، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا (الحجرات: 6) أي تثبتوا من صحة الخبر والمعلومة، خاصةً إن جاءت من أناس مشكوك بأمرهم، وقد يكون هذا الطرف هو العدو فتنطبق الآية: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً (الأنفال: 25) أي أنها إشاعة تصيبنا نحن ويبقى مطلقها بعيداً عن أذاها، فكيف بنا ونحن ننشر للعدو إشاعاته ونروّج لها وهي في نتيجتها لا تصيبنا إلا نحن وأهلنا ومجتمعنا؟!


(*) رئيس تحرير في موقع قناة المنار الإلكتروني، باللغة العربية.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع