مع الإمام الخامنئي: التكليف: مسؤوليّة وتشريف من القلب إلى كل القلوب: عــاشـــوراء والإحياء الحسـينيّ(*) تسابيح جراح: لو قُطِّعنا..لو حُرقِّنا..لن نتركك حكايا الشهداء: صورتان وبسمة جوائز مسابقة المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف نور روح الله: إيّاكم ولباس الذلّ شهيد الوعد الصادق علي محمود صالح (بلال عدشيت) عيد الله الأعظم: فهذا عليٌّ مولاه أول الكلام: طوبى لنا به أميراً شابٌّ اتّبع الوصيّة

الإمام الرضا عليه السلام والمواقف من النظام


لا شكّ أنّ إبراز العناصر المهمة للحياة السياسية لأئمة أهل البيت عليهم السلام وتجلية موقفهم من النظام الحاكم من أهم الوظائف التي ينبغي على المحقّق أن يضطلع بها. وفي أجواء ولادة الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه السلام. كان للسيد القائد "حفظه الله " فيما مضى محاضرة قيّمة حول هذا الموضوع بالذات. وبالنظر إلى أهميتها ارتأينا نشرها مع شيء يسير من التصرّف.

 

يجب أن نتعرّف أولاً بأنّ حياة الأئمة عليهم السلام لم تعرف بالشكل المطلوب، كما أنّ منزلتهم الجهادية المليئة بالمحن والمصاعب ظلّت مجهولة حتّى على أتباعهم. ورغم تأليف آلاف الكتب الصغيرة والكبيرة، القديمة منها والجديدة، حول حياة الأئمة عليهم السلام إلاّ أن الإبهام ما زال يسود القسم الأعظم من حياة هؤلاء الأبرار، هذا إضافة إلى أنّ الحياة السياسية لأبرز شخصيات آل البيت عليهم السلام والتي تشمل قرنين ونيفاً من أخطر وأدقّ مراحل تاريخ الإسلام، قد واجهت التحريف والإهمال والتجاهل والعداء من قِبل الكثير من المحقّقين والكتاب والمؤلفين. ولذا فإنّنا نفتقر إلى تاريخ مدون ودقيق حول حياة هؤلاء القادة العظام المشحونة بالحوادث والملاحم.
 

إنّ حياة ثامن الأئمة عليه السلام والتي تشمل ما يقارب عشرين عاماً من تلك المرحلة المصيرية تعد من أهم وأبرز فترات المرحلة المذكورة، ممّا يتطلّب التأمل فيها وإجراء التحقيقات حولها.
وأهم بُعد لم يُلتفت إليه بشكل جدّي في حياة الأئمة عليهم السلام هوعنصر "النضال السياسي الحازم". فمنذ بدء النصف الثاني من القرن الهجري الأول، والذي امتزجت فيه الخلافة الإسلامية – علانية بالأحابيل الطاغوتية، وتبدّلت الإمامة الإسلامية إلى سلطة طاغوتية ظالمة، بدأ أئمة أهل البيت عليهم السلام بتصعيد نضالهم السياسي وفق أسلوب يتناسب مع الأوضاع والظروف. وكان أهمّ هدف لهذا النضال، هوإقامة النظام الإسلامي وتأسيس حكومة قائمة على الإمامة.
 

وممّا لا شكّ فيه أن تبيين وتفسير الدين على ضوء رأي أهل البيت عليهم السلام وإزالة التحريف عن المعارف الإسلامية وأحكامها، كانا بدورهما هدفان مهمان لجهاد أهل البيت، ولذلك تحمل الأئمة عليهم السلام وأنصارهم الكثير من الآلام في حياتهم المرّة والجهادية.

* معاداة الظلمة
وخلال المرحلة التي دامت مائة وأربعين سنة بين واقعة عاشوراء وولاية ثامن الأئمة عليهم السلام فإنّ التيار الذي كان يسير في ركب أئمة أهل البيت، كان يعتبر – على الدوام – من أكبر أعداء أجهزة الخلافة وأشدّها خطورة. ففي تلك المدّة توفّرت الظروف المناسبة لمرّات عديدة واقتربت نضالات مدرسة أهل البيت عليهم السلام التي لزم تسميتها بـ"النهضة العلوية" من الانتصارات الكبيرة، لكن وفي كلّ مرة كانت تظهر موانع جديدة في طريق النصر النهائي، وكانت أكبر الضربات توجّه – عادة – نحوالمركز الرئيس لهذه النهضة، أي شخص الإمام في كلّ زمان فيعمل على زجّه في السجن وإسقاطه شهيداً، وعندما كان يصل الدور للإمام الآخر كان الظلم والاضطهاد يصلان إلى حدٍ تحتاج معه عملية إعداد الأرضية إلى فترة أطول.
 

لقد تخطّى الأئمة عليهم السلام العواصف الشديدة والمراحل الصعبة والشاقّة بذكاء وصبر وبسالة، ولم يستطع الخلفاء الأمويون والعباسيون في أي مقطع زماني أن يقضوا على الإمامة بقضائهم على الإمام. وبقي هذا السيف البتّار ينخر في كيان جهاز الخلافة، ويسلب راحته على الدوام وعندما استشهد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام نتيجة سقيه السم بعد أن قضى سنين طويلة في سجون هارون الرشيد، سادت الدكتاتورية جميع أنحاء المنطقة التي كان يحكمها العباسيون. وفي ذلك الجو من الكبت والقمع الذي وصفه أحد أنصار الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بأنّه: "كان يقطر فيه الدم من سيف هارون" في ذلك الجو استطاع إمامنا المعصوم والعظيم بفطنته وحكمته أن يصون مدرسة أهل البيت من الأخطار التي كانت تحدق بها، ويمنع من تشتّت أصحابه وشعورهم باليأس والاضطراب كما استطاع باللجوء إلى أسلوب "التقية" أن يحافظ على حياته التي كانت في الحقيقة محور أتباعه، ويواصل نضاله في عهد أكبر الخلفاء العباسيين قوة وفي مرحلة استقرار وثبات حكومة ذلك النظام.
 

ولا يفوتنا هنا أن نذكر بأنّ التاريخ لم يستطع أن يجسّد لنا بوضوح مرحلة السنوات العشر من حياة ثامن الأئمة في زمان هارون وبعده، أي خلال السنوات الخمس من الحرب الداخلية بين خراسان وبغداد، ومع ذلك يمكن من خلال التدبّر أن نفهم بأنّ ثامن الأئمة كان في تلك المرحلة يواصل نفس النضال الذي بدأه أهل البيت عليهم السلام بعد واقعة عاشوراء، دون أي تباين من حيث الهدف وجهة النضال.

* تنامي النهضة العلوية

وبعد أن فرغ المأمون في عام 198 ه من حربه مع الأمين، وسيطر على السلطة، أقدم قبل أي شيء على ضرب العلويين ونضالات أتباع مدرسة أهل البيت. وقد أخذ بنظر الاعتبار تجارب جميع أسلافه، التجارب التي جسدت حركة تلك النهضة وعمقها وسعتها من جهة أخرى. لقد أدرك المأمون أنّ الظلم الهاروني رغم سمّ الإمام لم يستطع – مطلقاً – أن يمنع من الانتفاضات والنضالات السياسية والعسكرية والإعلامية والفكرية لأتباع أهل البيت عليهم السلام .

ولمّا لم يكن يتمتّع بنفس قوة أبيه وأسلافه من الحكام، وكان يرى في الحروب الداخلية بين بني العباس تهديداً للسلطة العباسية، فإنّه أحسّ بضرورة متابعة خط نهضة العلويين بجدية أكبر. ومن المحتمل أنّ المأمون كان يفكّر بشكل واقعي في تقييمه لخطر أتباع أهل البيت على الحكومة. فخلال 15 سنة، أي منذ استشهاد الإمام السابع حتّى ذلك اليوم، وخاصّة خلال السنوات الخمس من الحرب الداخلية، استطاع تيار أهل البيت أن يعدّ نفسه إلى درجة كان مهيئاً معها لإعلاء راية الحكومة العلوية.
 

لقد أحسّ المأمون بهذا الخطر، وقرّر التصدّي له على الفور، ولذلك وجه دعوة للإمام الثامن للقدوم إلى خراسان من المدينة، وأجبره على قبول ولاية العهد.

* الإمام عليه السلام وولاية العهد
وها نحن نرى من الضرورة الإشارة باختصار إلى ولاية العهد التي اقترحت على الإمام الرضا عليه السلام.
لقد رأى الإمام عليه السلام نفسه في تلك الفترة أمام تجربة تاريخية عظيمة، وأمام معركة سياسية خفية بحيث أنّ انتصارها وفشلها كان قادراً على تغيير مصير أتباع أهل البيت عليهم السلام .
في تلك المعركة نزل المأمون إلى الساحة بجميع إمكانياته.

نعم، لقد نزل إلى الساحة بأقصى ذكائه وفطنته وتدبيره، بحيث أنّه لوكان ينتصر ويستطيع أن ينفّذ ما خطّط له، لكان – بلا شك – يحقّق الهدف الذي لم يستطع أي من الخلفاء الأمويين والعباسيين منذ السنة الأربعين للهجرة، أي منذ استشهاد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أن يحقّقوه، وذلك الهدف كان متمثلاً بالقضاء على جذور مدرسة أهل البيت، وعلى تيار المعارضة الذي كان يشكّل على – الدوام – شوكة في عيون أقطاب الحكومات الطاغوتية.
 

غير أنّ الإمام الرضا عليه السلام وبتدبيره الإلهي انتصر على المأمون، وجعله يتراجع في ساحة المعركة السياسية التي أوجدها بنفسه. فلم تضعف مدرسة أهل البيت، وإضافة إلى ذلك أصبحت تلك الفترة التي امتدت إلى عام "201 " ه. ق، أي العام الذي تحقّقت فيه ولاية عهد الإمام عليه السلام من أكثر الأعوام بركة في تاريخ أهل البيت عليهم السلام حيث نفخت روحاً جديدة في نضالات العلويين. كلّ ذلك بفضل التدبير الإلهي لثامن الأئمة وأساليبه الحكيمة التي لجأ إليها في ذلك الامتحان الكبير.
 

ولكي نسلّط ضوءًا أكبر على هذه الحادثة المدهشة، نرى من اللازم الإشارة ولوباختصار إلى الأساليب التي انتهجها كل من المأمون والإمام الرضا عليه السلام في تلك الحادثة.

* الأهداف الخبيثة للمأمون
لقد كان المأمون يريد من وراء دعوته الإمام الثامن عليه السلام للمجيء إلى خراسان، تحقيق جملة من الأهداف.
أولها وأهمها: تبديل ساحة النضال الثوري الشديد إلى نشاط سياسي لا ينجم عنه أيّة أخطار. ومثلما قلنا فإنّ أتباع أهل البيت عليهم السلام كانت لهم نضالات متواصلة ومكثّفة في ظلّ "التقية".
وهذه النضالات التي كانت متزامنة مع ميزتين، لعبتا دوراً كبيراً في ضرب سلطة الخلافة، وتلكما الميزتان تمثلتا بالمظلومية والقدسية.
 

لقد كان أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومن خلال الاستناد إلى هذين العاملين يوصلون إلى قلوب الناس وأذهانهم، تصوراتهم وأفكارهم وآرائهم التي كانت متمثّلة بالتفسير وتبيين الإسلام على ضوء آراء أئمة أهل البيت عليهم السلام ، ويستقطبون إليهم من كانت في قلبه ولوذرة واحدة من الإيمان وبهذه الوسيلة بدأت مدرسة أهل البيت تنمويوماً بعد آخر، وتحتل مكانة مرموقة لها في عالم الإسلام. نعم إنّ المظلومة والقدسية استطاعتا من خلال التسلّح بآراء وأفكار مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن تقود الانتفاضات والحركات المسلحة ضدّ جهاز الخلافة في كلّ مكان وزمان.
 

كان المأمون يعتزم سلب هذا الانتشار من هؤلاء المناضلين، وجرّ الإمام من ساحة النضال الثوري إلى الساحة السياسية بغية القضاء على ديمومة حركة مدرسة أهل البيت عليهم السلام التي تمخضت عن ذلك الاستتار واتسعت بمرور الزمن. ولوكان المأمون قد نجح في خطته، لكان يسلب هؤلاء الميزتين المؤثرتين اللتين أشرنا إليهما، إذ أنّ الجماعة التي يكون قائدها من أبرز أفراد الخلافة، وولي عهد ملك مطلق العنان وله حقّ التصرّف في أمور البلاد لن يكون لا مظلوماً ولا مقدساً.

هذا التدبير كان يستطيع أن يضع فكر مدرسة أهل البيت في صف العقائد والأفكار التي كانت رائجة آنذاك وتغييرها إلى فكر غير معارض للنظام.
 

ثانياً: إثبات بطلان ادعاءات أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام حول كون الخلافتين الأموية والعباسية غير شرعية، وإضفاء صبغة الشرعية عليهما. وكان المأمون يسعى بهذه الأحابيل لإثبات أنّ ادعاء الشيعة حول عدم شرعية الخلافة المفروضة والذي يعد من المبادئ العقائدة لمدرسة أهل البيت، لا أساس له من الصحّة، وينشأ من الضعف والشعور بعقدة الحقارة.
 

وكان المأمون يريد أن يؤكّد للناس بأنّه لوكانت الخلافة الآخرين غير شرعية وظالمة، فإنّ خلافته هوالآخر يجب أن تكون غير شرعية، في الوقت الذي أثبت الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بانضمامه إلى حكومة المأمون، أثبت شرعية تلك الحكومة. وعلى هذا الأساس فإنّ خلافة البقية كانت شرعية، وهذا ما يخالف جميع ادعاءات أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام .
نعم، كان المأمون يريد بهذه الوسيلة أن يبادر الإمام عليه السلام للتأكيد على شرعية الحكومات السابقة ويزول نتيجة لذلك أحد الأركان العقائدية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام والمتمثّل بالنظر إلى الحكومات السابقة على أنّها حكومات جائرة وظالمة.
 

وإلى جانب ذلك فإنّ ادعاء أتباع مدرسة أهل البيت فيما يخصّ الزهد والتقوى وعدم اعتناء الأئمة عليهم السلام بالدنيا كان يفقد مفهومه بذلك العمل، ويتمّ التصوّر آنذاك بأنّ الأئمة لا يغضون النظر عن الدنيا إلاّ حينما لا يستطيعون الوصول إليها، ولكن عندما تفتح أبواب جنّة الحياة لهم يسارعون لدخولها مثلما يفعل الآخرون!
 

ثالثاً: السعي بهذه الوسيلة لتجميد نشاط الإمام عليه السلام "وهوالذي كان محوراً للمعارضة والنضال " وبالتالي السيطرة على جميع العلويين، ممّا كان يحقّق للمأمون نصراً كبيرة لم يحقّقه من قِبل أي من أمثاله في بني أميّة وبني العبّاس.
 

رابعاً: فرض الحصار على الإمام الذي كان عنصراً شعبياً وقبلة للآمال ومرجعاً للناس، والتقليل من منزلته الاجتماعية، ووضع الحواجز بينه وبين الناس، بل بينه وبين مشاعر الناس وأحاسيسهم.
 

خامساً: سعى المأمون بهذه الوسيلة أن يكسب له شخصية وسمعة. وكان من الطبيعي في ذلك الزمن أن ينظر الناس باحترام إلى المأمون باعتباره عين أحد آل بيت الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وشخصية مقدّسة ومعنوية ولياً للعهد، مبعداً أخوته وأبناءه عن هذا الامتياز، هذا إضافة إلى أنّ المتعارف عليه هوأنّ اقتراب شخصية دينية من أخرى غير دينية يقلّل من شأن تلك الشخصية الدينية، فيما يزيد من شعبية واحترام الشخصية غير الدينية.
 

سادساً: كان المأمون يتصوّر أنّه بعمله هذا يستطيع أن يجعل من الإمام مبرّراً لأعماله. وطبيعي أن شخصاً عالماً ومتقياً مثل الإمام الرضا "عليه السلام " الذي كانت له منزلة رفيعة، كان يستطيع أن يبرّر ما يقوم به المأمون من ممارسات وذلك لاعتماد الناس عليه وثقتهم الكبيرة به وباعتباره من آل بيت الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. ولوكان يعمل على تبرير ممارسات الحكومة لما استطاع أيّ صوت معارض التقليل من شأن الحكومة، وإضافة إلى ذلك كان المأمون يفكّر بأهداف أخرى.
 

ولذا نرى أنّ هذا التدبير هوبدرجة من العمق بحيث أنّ شخصاً غير المأمون كان لا يستطيع القيام به. ومن هنا فإنّ أصدقاء المأمون والمقرّبين إليه كانوا يجهلون إبعاد ذلك التدبير وجوانبه.
ونحصل من بعض الوثائق التاريخية أنّ الفضل بن سهل "الذي كان وزيراً وقائداً عاماً ومن أقرب المقرّبين إلى المأمون " كان لا يعلم بهذه السياسة. ولكي يحقّق المأمون أهدافه ببساطة ولا يواجه أيّة عقبات، كان يؤلّف قصصاً كاذبة حول دوافع خطوته تلك.
 

ويلزم القول أنّ سياسة المأمون لم تكن اعتباطية، بل جاءت عن خبرة ووفق دراسات.
وفي المقابل تصرف الإمام الرضا عليه السلام بشكل أحبط فيه جميع المحاولات والخطط الجهنمية للمأمون، وسلب منه المبادرة.
وبذلك فإنّ المأمون ورغم المحاولات التي بذلها والقوت الذي صرفه لم يستطع أن يحقّق أياً من أهدافه، بل وإنّ السياسة التي انتهجها أدّت إلى نتائج عكسية، بحيث أنّه وبعد فترة وجيزة تخلّى عن سياساته السابقة، وكأسلافه لجأ إلى الأسلوب القديم، أي أسلوب التصفية الجسدية، وكشف عن وجهه الحقيقي وشخصيته الفاسدة والقذرة.

* كيف واجه الإمام عليه السلام؟
والآن نشير إلى السياسة التي انتهجها الإمام الرضا عليه السلام إزاء تلك القضية:

1- عندما وجهت دعوة للإمام عليه السلام ليأتي إلى خراسان من المدينة فإنّه عليه السلام تصرّف بشكل عرف الناس معه أن المأمون يريد إبعاده رغماً عنه، حيث كان عليه السلام يظهر استياءه من المأمون بمختلف الصور، مثلاً أظهر ذلك عند وداعه لحرم الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وعند وداعه لعائلته خلال خروجه من المدينة، وعندما طاف حول الكعبة. كلّ ذلك ليؤكّد أنّ سفره سينتهي إلى الموت. وهذا ما أثار غضب الناس على المأمون باعتباره سلبهم إمامهم، ويريد أن يقتله.
 

2- عندما اقترحت ولاية العهد على الإمام عليه السلام فإنّه رفضها، ولم يقبلها إلاّ عندما هدّده المأمون بالقتل وقد علم الناس بهذه القضيّة، إلى درجة أنّ عناصر الحكومة التي كانت تجهل الهدف من وراء سياسة المأمون، بدأت تصرّح هنا وهناك قائلة بأنّ الرضا عليه السلام لم يقبل الحكومة. حتّى أنّ الفضل بن سهل قال أمام بعض أفراد الحكومة أنّه لم يرَ الخلافة ضعيفة بهذه الصورة، لأنّ "أمير المؤمنين" يقترح الخلافة على الإمام الرضا عليه السلام لكنّه يصرّ على رفضه لتلك الخلافة.
وكان الإمام متى ما سنحت له الفرصة يؤكد أنّه أجبر على قبول ذلك المنصب، ويقول إنّني هُدّدت. وكان من الطبيعي أن يسمع الناس بهذه التصريحات ويتناقلوها فيما بينهم، ويتعجبون كيف أنّ المأمون حارب أخاه مدّة سنتين من أجل السلطة، بل وقتله، وجاء برأسه إلى المدينة ليعرضه للناس هنا وهناك، وها هواليوم يعرض الولاية على شخص مثل علي بن موسى الرضا عليه السلام لكنّه يرفض ولا يقبلها إلاّ عندما يُجْبَرُ عليها.
نعم، كان الناس يقارنون بين هاتين القضيتين، ويخرجون بنتائج غير تلك التي كان يفكر بها المأمون.
 

3- اشترط الإمام عليه السلام عند قبوله ولاية العهد أن لا يتدخّل في أيّ من شؤون الحكومة، ولا يبدي وجهة نظره حول الحرب والصلح والعزل والتعيين. وقد وافق المأمون على هذا الشرط متصوّراً أنّه سيتمكّن فيما بعد من إرغام الإمام على ممارسة وظائفه الحكومية. وواضح أنّ تحقّق هذا الشرط، كان يحبط مخطّطات المأمون ويقضي على القسم الأعظم من أهدافه.
ورغم أنّ الإمام عُيّن ولياً للعهد، وكان يحظى بإمكانيات كبيرة، إلاّ أنّه كان يتصرّف بشكل يفهم منه أنّه معارض لجهاز الخلافة، وإلاّ لكان مارس ولوجانباً بسيطاً من مسؤولياته.
وبديهي أنّه عندما يبتعد أحد عناصر الحكومة عن جميع مسؤولياته، فهذا يعني أنّه لا يؤيّد الحكومة. ولذلك أحسّ المأمون بهذا الأمر، وحاول مراراً أن يجعله يمارس الوظائف المخوّلة له، لكنّه عليه السلام أبى في كلّ مرّة.
 

وجاء في الروايات أن "معمر بن خلاّد" قال عن لسان ثامن الأئمة عليه السلام أنّ المأمون طلب من الإمام أن يرسل كتاباً إلى الناس في المناطق المضطربة ويدعوهم لإطاعة الحكومة، غير أنّه عليه السلام أعلن استنكافه وأعاد الشرط السابق إلى ذهن المأمون.
وهناك أمثلة كثيرة أخرى، وعلى سبيل المثال فإنّ المأمون طلب من الإمام الرضا عليه السلام في أحد الأعياد أن يؤمّ الناس مؤكّداً له أن إمامته للصلاة إنّما تزيد من محبّته في قلوب الناس، لكن الإمام رفض، غير أنّ المأمون لجأ إلى التهديد ممّا دعا الإمام لقبول طلب المأمون شريطة إقامة الصلاة بأسلوب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي بن أبي طالب "عليه السلام ". وبذلك اغتنم الإمام الفرصة ممّا جعل المأمون يندم على فعله ويتراجع عن قراره ويمنع الإمام من إتمام عمله.
 

4- والإمام بقبوله ولاية العهد أقدم على حركة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأئمة عليهم السلام بعد إنهاء خلافة أهل البيت عليهم السلام في السنة الأربعين للهجرة وحتّى ذلك اليوم بل وحتّى أواخر عهد الخلافة. وقد تمثّلت الحركة بالإعلان عن الإمامة وتجاوز التقية وإيصال نداء مدرسة أهل البيت عليهم السلام إلى مسامع جميع المسلمين، حيث بدأ يوصل إلى المسامع علانية – ما أخفي خلال "150 " عاماً.
إنّ مناظرات الإمام بين أوساط العلماء وفي محضر المأمون "التي كان يبيّن فيها أقوى استدلالات الإمامة " ورسالة جوامع الشريعة التي شرح فيها جميع المسائل العقائدية والفقهية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام للفضل بن سهل، وحديث الإمامة المعروف الذي تحدّث به لـ"عبد العزيز بن مسلم"، والقصائد التي أنشدت في مدح الإمام عليه السلام مثل قصائد دعبل وأبي نؤاس، كلّ ذلك يبيّن النجاح الكبير الذي أحرزه الإمام الرضا عليه السلام .
 

وعندما سمع الناس في المدينة وفي أكثر المناطق الإسلامية بـ"ولاية عهد" الإمام علي بن موسى الرضا بدأوا يتحدثون عن فضائل أهل البيت عليه السلام .
فأهل البيت الذين وجهّت لهم خلال سبعين سنة أنواع الإهانات والشتائم، ولم يكن آنذاك ليتجرأ أحد على ذكر فضائلهم، أصبحت فضائلهم حديث الساعة، وبدأ أصحابهم يشعرون مرّة أخرى بالقوة وبالمقابل أخذ الوعي يدبّ بين الناس، وشعر الأعداء بالضعف والذل والهوان، فيما بدأ محدثوومفكرومدرسة أهل البيت عليه السلام يدرّسون في المجامع العلميّة والأماكن العامّة، المعارف التي كانت إلى ذلك اليوم تدرّس في الخفاء.
 

5- في الوقت الذي كان المأمون يرغب في أن تكون هناك هوّة بين الإمام والناس، بغية قطع العلاقات المعنوية والعاطفية بين الطرفين، كان الإمام يسعى جاداً لتقوية علاقاته مع الناس.
وبينما كان المأمون قد حدّد مسير حركة الإمام من "المدينة" إلى "مرو" بشكل ليك لا يمرّ عليه السلام بالمدن المعروفة بحبّها لأهل البيت مثل الكوفة وقم، غير أنّ الإمام وفي نفس المسير المحدّد لم يترك فرصة إلاّ واستغلّها لتقوية علاقاته مع الناس. ففي "الأهواز" تحدّث عن آيات الإمامة، وفي البصرة واجه حبّ الناس له وتعاطفهم معه، وفي نيسابور ترك حديث السلسلة ذكرى خالدة. وإلى جانب ذلك كان يغتنم كلّ فرصة تسنح له بهدف توعية الناس وإرشادهم، وفضح الحكومة وأساليبها وممارساتها.
 

6- شعر أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالارتياح لخطوات إمامهم، كما أنّ المتمردين الذين كانوا يقضون حياتهم في الجبال والوديان والقرى النائية متحملين المصاعب والمشقّات، بدأوا – ونتجية دعم الإمام لهم – حتّى باحترام عناصر الحكومة في المدن المختلفة، مثلاً نجد الشاعر الهجائي دعبل الذي لم يساوم أي وزير وأمير، ولم يحل في أجهزتهم ولم يسلم أي من عناصر جهاز الخلافة من لسانة، ولكان لسنين طويلة مشرّداً بين المدن والقرى، وقد استطاع أن يلتقي بالإمام وينشد أروع قصيدة له بيّن فيها أحقيّة النهضة العلوية ضدّ الخلافتين الأموية والعباسية، وتلك القصيدة انتشرت خلال مدّة قصيرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، إلى درجة أنّ دعبلاً حين عاد من عند الإمام التقى مصادفة في الطريق برئيس إحدى العصابات فسمعه يردّد تلك القصيدة.

* ماذا كانت النتيجة؟
والآن لنلقِ نظرة أخرى على الوضع العام الذي كان يسود ساحة هذا الصراع الخفي الذي أوجده المأمون بنفسه والأسباب التي دفعت بالإمام الرضا عليه السلام لدخول تلك الساحة فبعد عام من إعلان ولاية عهد ثامن الأئمة، كان الوضع القائم بالصورة التالية:
المأمون وفّر للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام جميع الإمكانيات وفرصاً لا حدّ لها، لكنّ الجميع كانوا يدركون جيداً أنّ الإمام لا يتدخّل في أيّ من شؤون الحكومة، ولا شأن له بما يخصّ جهاز الخلافة وأنّه وافق على ولاية العهد شريطة عدم تدخّله في ما يهمّ الجهاز من أمور.
 

وكان المأمون لا يترك فرصة إلاّ ويتحدّث فيها عن فضائله عليه السلام وتقواه ونسبه الرفيع ومنزلته العلمية، لكن هذا الأمر لم يساعده على كسب ودّ أتباع مدرسة أهل البيت عليه السلام، وخنف أصواتهم، حتّى أنّ الإمام أصبح يبعث الأمل والطمأنينة في نفوس هؤلاء. أمّا بقيّة الأقطار الإسلامية، فقد تغيّرت الحالة فيها، حيث بدأ الحديث يدور هنا وهناك عن فضائل الإمام الرضا عليه السلام وآبائه المظلومين والمعصومين، بعد أن كان لا يتجرّأ أيّ شخص على أن يتحدّث عن أهل البيت عليهم السلام .
وخلاصة القول أنّ المأمون لم يجنِ شيئاً في لعبته تلك، وفي نفس الوقت خسر الكثير الكثير، وأصبح يتوقّع أنْ يفقد ما تبقّى لديه.

* المأمون يحاول مرّة أخرى
وهنا أحسّ المأمون بالفشل، وقرّر أن يعوّض عن الخطأ الذي وقع فيه، وأخيراً رأى أنّه من الضرورة اللجوء إلى السلاح السابق الذي لجأ إليه أسلافه أي أسلوب التصفية الجسدية.
وطبيعي أنّ قتل الإمام في مثل تلك المرحلة لم يكن أمراً ميسوراً، وتدلّ الشواهد والقرائن على أنّ المأمون لجأ إلى أساليب أخرى قبل أن يغتال الإمام الرضا عليه السلام عسى أن يجد له مخرجاً من الورطة التي أوجدها لنفسه بنفسه، على سبيل المثال كان ينشر الدعايات حول الإمام وينسب له تصريحات كاذبة من جملتها قيل إنّ الإمام الرضا عليه السلام يرى الناس عبيداً له.
 

وحين نقل "أبوالصلت" هذا الخبر للإمام الرضا، رفع الإمام عليه السلام يده للدعاء واستشهد الباري جلّ وعلا عليه وعلى آبائه الطاهرين أنّهم لم يقولوا ذلك وأنّ ذلك من أنماط الظلم بحقّ أهل البيت عليهم السلام.
ومن التدابير الأخرى التي اتخذت ضدّ الإمام عليه السلام هوتشكيل المناظرات العلمية تصوّراً من المأمون بأنّ الإمام لا بُدّ وأن يفشل في تلك المناظرات ويخرج مهزوماً. لكن النتيجة كانت عكسية، فكلّما كانت المناظرات تستمرّ، كانت القدرات العلميّة للإمام تبرز بشكلٍ جلّي، ممّا شعر المأمون باليأس والفشل والخذلان.

* شهادة الإمام عليه السلام
وتشير الروايات إلى أنّ المأمون خطّط أكثر من مرّة بواسطة عملائه ومرتزقته لقتل الإمام الرضا، بل وألقاه في السجن لكن هذا الأسلوب لم يعد بالفائدة له وزاد من مكانة الإمام عليه السلام.
وبعد أن فشل المأمون في جميع مؤامراته، قرّر أن يسمّم الإمام بيده ويتخلّص منه بهذه الوسيلة. وبالفعل أقدم في عام 203 "ه.ق " على قتل الإمام الرضا عليه السلام ، أي بعد سنتين على مجيئه عليه السلام إلى خراسان من المدينة. وبذلك تنتهي حقبة مهمّة من حياة أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم المظلومين على مدى التاريخ.

 

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع