الحياة الطيبة في ظلّ الإيمان نَمَطُ الحَيَاةِ بين القناعة والترف في فكر الإمام الخامنئيّ دام ظله حياتُـنـا كما يرسمها الدين آخر الكلام: كيف تُطبِّع مع أورام؟ أوّل الكلام: بدرُ سامرّاء مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد

تكامل النفس الإنسانية


يمتاز الإنسان عن سائر المخلوقات، حتى الحيّة منها، بالتكامل ولا نعني بالتكامل هنا، مراحل النمو الجسدي والفيزيولوجي، فهذا ما يتشارك به مع سائر الحيوانات كما أن الآثار تشير إلى أن البنية الجسدية للإنسان القديم كانت أقوى وأطول بكثير مما هي عليه اليوم.

وإنما المقصود بالتكامل الإنساني هو قابلية النفس الإنسانية للتغير الصعودي، بحيث تتسع وتشتد حقيقتها الوجودية لتشرف وتحيط على العالم المادي، بل ما هو أعلى منه. وتصبح أفضل من الملائكة كما أنه يمكن أن تتغير باتجاه معاكس، أي نزولياً، بحيث يضيق ويضعف حظها من الوجود وتصبح في أسفل سافلين أحط وأدنى من الحيوانات قال تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ.
 

هذا الامتياز المذكور للإنسان ناشئ‏ في الحقيقة من كون الإنسان ذا بعدين:
1- البعد المادي والحيواني، ويعبّر عنه بالناسوتي.
2- البعد المعنوي المجرد، ويعبّر عنه بالملكوتي.
 

والذي يراجع أقوال الفلاسفة والعلماء، يجد أن معظمهم يكتفي بالقول أن تركيبة النفس الإنسانية من هذين البعدين هي تركيبة تعلّقية، وإن هذا هو السبب في تمايز الإنسان عن سائر المخلوقات بالتكامل، أو قل بالتغيّر، لأن التغير سواء كان تكاملياً أو تسافلياً، فهو من مختصات الإنسان ولكن ما هي حقيقة هذه التركيبة التعلقية؟ وهل هي من نوع التركيب بين الأضواء أم لا؟
فهذا ما لم يجب عنه الفلاسفة والعلماء أو لم توضحه بياناتهم بجلاء تام.
 

قبل الدخول في صلب الموضوع، الذي قد يكون من العسير جداً إيفاؤه حقه في هذه العجالة، لا بد من ذكر بعض الأمثلة لتوضيح الفارق بين الإنسان وسائر المخلوقات.
فإذا نظرنا إلى جبرائيل عليه الصلاة و السلام، الملك المقرب الذي تحيط سعته الوجودية بالعالم، وقد وصفه تعالى في محكم كتابه بقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، إلا أن جبرائيل هذا لا يتكامل أبداً، فليس هناك أدنى فارق بين جبرائيل الحالي وجبرائيل قبل مليار عام، على الرغم من انهماكه بالعبادة، شأنه شأن جميع الملائكة الذين ورد في حقهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ  الأعراف- 206، وما ذلك إلا لكونه ذا طبيعة واحدة وبعد واحد وهو البعد الملكوتي.
 

كذلك الأمر لو نظرنا إلى النحل والنحل من الحيوانات، فحيث أن لها طبيعة واحدة وهي ناسوتية، فالنظم والطرق الراقية المتبعة في تنظيم حياتها، وهي تفوق ما يتبعه الكثير من البشر، إلا أنها لا تسير أبداً نحو التكامل "ولا التسافل أيضاً "، فهي تبني قبل مليار عام بيتاً راقياً جداً يعجز أعظم المهندسين عن محاكاته في روعة ودقة تصميمه، هذا البيت هو نفسه الذي تبنيه الآن.
 

أما الإنسان فهو ذو طبيعة تركيبية من البعدين: الناسوتي والملكوتي، وينسب الجسد واحتياجاته إلى البعد الناسوتي، بينما تنسب الروح واحتياجاتها إلى البعد الملكوتي. والملاحظ أن جميع رغباتنا الروحية لا تتلاءم مع راحة الجسم ودعته، والعكس صحيح أيضاً، فالرغبات الجسمية تسبب الآلام والمتاعب للروح، فطلب العلم والإيثار والتضحية والتسامح كلها صفات ترتبط بالبعد الملكوتي الروحي للإنسان وهي تعود باللذة والسرور على الروح، بينما يضطر الجسم أن يتجشم عناء تحليق هذه الروح نحو هذه الكمالات الفاضلة، أما الأكل والشرب وإشباع الشهوات والغرائز فلها فعل معاكس تماماً.
 

ولا يعني ذلك أن يترك الإنسان متطلباته البدنية الناسوتية مطلقاً حتى ولو أدى ذلك إلى هلاكه أو قريب من ذلك، فهذا مما يسبب الهلاك لكلا البعدين معاً، بل المقصود أن يكتفي الإنسان بمقدار الحاجة الضرورية للبعد الناسوتي ولا يزيد عن ذلك، وإلا فالزيادة هي التي تسبب الآلام والمتاعب للروح. فالأكل مثلاً يقوي الإنسان على طاعة الله وعبادته ما لم يزد على الشبع والحاجة، فإن زاد أصبح عبئاً ثقيلاً على كاهل الروح يثبطها عن العبادة ويحرمها منها.

والآن، كيف يتم التركيب بين هذين الضدين؟
في الواقع ليس من اليسير إدراك كيفية هذا التركيب، حيث أن من يدرك ذلك فقد عرف نفسه وهذه قمة المعرفة. فقد ورد في الحديث الشريف "من عرف نفسه فقد عرف ربه ". لكن يمكن لنا أن ندرك إجمالاً أن هذا التركيب الذي يتكامل الإنسان بواسطته هو أن يصبح هذا الجسم مطية للروح يعينها على الوصول إلى آخر مراتب القرب والكمال، وهي التي وصل إليها نبينا الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم في عروجه كما أخبر المولى قائلاً: ﴿ثم دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنىوكان جبرائيل قد توقف قبل ذلك وقال للرسول صلى الله عليه و آله و سلم "لو دنوت قيد أنملة لاحترقت".
والشرط الأساسي للسير في مدارج القرب هو الإيمان والاستقامة كما تفيده الآية الكريمة ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
فالذين يقولون ربنا الله، وهم المؤمنون العاملون بإيمانهم، والذين يستقيمون على الطريقة الإلهية، فالله وليهم في الدنيا والآخرة، ولذلك فلا خوف ولا حزن بل بشارة بجنة الولاية ونعيمها.

وقد يستوحي القارئ‏ء الكريم من هذا الكلام الاثنينية بين الروح والجسم، بمعنى أنه يرى العلاقة التركيبية هي علاقة اعتبارية وعرضية محضة، كالعلاقة بين الراكب ومركبه، أو الطائر وعشه وليس الأمر كذلك.
فالحكماء الإلهيون وعلماء الأخلاق يؤكدون أن العلاقة بين البعدين علاقة جوهرية وطبيعية توحدهما في إطار جوهر موحد، وذلك بناء على رؤية فلسفية تقول بأن حركة الجسم الظاهرية تحكمها حركة جوهرية عميقة غير محسوسة وهي أصلها.
 

وصاحب هذه الرؤية هو الفيلسوف صدر الدين الشيرازي المعروف بـ"صدر المتألهين" وقد أجمع الحكماء والفلاسفة بعده على نظرته هذه.
فالروح ليست أثراً للمادة، ولا هي النشاطات المكانيكية للمادة، كما أنها ليست شيئاً منفصلاً تماماً عن المادة وأنها ترتبط بها ارتباطاً إعتبارياً، بل هي كمال جوهري تحصل عليه، وهذا الكمال البدْوي ليس هو ما يتميز به الإنسان، إذ كل مادي يتكامل بهذا النمو، إلا أن القابلية المطلقة للروح الإنسانية في سيرها على طريق الكمال هو ما تتميز به عن سائر الماديات.
 

بتعبير آخر، فإنه طبقاً لهذه النظرية فإن كل مادي يسير نحو كماله في حركة جوهرية لا يتخلّف عنها، إلا أن قابلية هذه الموجودات المادية هي بنحو أنها تسير نحو كمالها دون تخلّف. ولذلك فإن سيرها لم يتغير منذ الأزمان السحيقة، فلو أخذنا مثلاً بذرة التفاح، فإن هذه البذرة لها قابلية أن تصبح شجرة تفاح وكمالها النهائي أن تصبح شهية ضمن ظروف خاصة وملائمة، وكذلك النطفة فإن لها قابلية أن تصبح إنساناً ضمن ظروف خاصة.

إلا أن الإنسان يتميز بقابلية مطلقة جعلته مستحقاً لمقام الخلافة. أما الإنسان فإن القابلية المطلقة له من جهة، ونعمة العقل والحرية من جهة أخرى، جعلته مستحقاً لمقام خلافة الله تعالى على الأرض، وتلقي الشرائع الإلهية منه، ولذلك قال تعالى ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوماً جهولاً  فالقابلية المحدودة للسموات والأرض والجبال لا تسمح لها بتقبل الأمانة الإلهية الثقيلة كما يصفها تعالى ﴿سنلقي عليك قولاً ثقيلاً والله تبارك وتعالى أشفق عليها رحمة منه بها، وتوجه للإنسان يحمّله هذه الأمانة العظمى، إلا أنه كان ظلوماً جهولاً.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع

من مقدمات العروج

أم ولاية علي

2016-01-27 06:42:50

إن الطريق إلى الله سهل المنال إذا عرف الإنسان يف يصيل إلى الله و بإراده منه يقدر على هذا و لكن عليه أولاً أن يهتم بالمقدمات,ليهتم ً يتقليل كمية المأكل و بحليته و مصدره من أين لإذا كان طعامه حلالاصفت نفسه و روحه ليرتقى بها و يعرج به نحو الدرجات العُلى