خطوات لطفلك على طريق القناعة بساطة العيش في سيرة العلماء شعاع المحبّة رحل العالِم المربّي في جوار العقيلة(2) قصة: قبل أن يصلوا إلى ظلِّ "محمّد" فقيد العلم والجهاد: حارس المسيرة(*) تحقيق: صافي دربٌ عانق السحاب احذر عدوك: صدورهم وعاءٌ لسرّ الله حكايا الشهداء: "إنّي أرى نور الشهادة بين عينيك"

سياسة: أساليب التحليل السياسي‏


* تذكير
تحدثنا في الحلقة السابقة عن بعض المسائل التي ينبغي لمن يهتم بالشأن السياسي أن يطلع عليها، وهذه - كما نعلم - ضرورة على كل مسلم من باب "من أمسى وأصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم". وقد ألقينا الضوء على تعريف السياسة عند مختلف المذاهب وخصوصاً السياسة الإسلامية التي تُعني بهداية الإنسان (فرداً ومجتمعاً) إلى الصراط المستقيم والسعادة الحقيقية المادية منها والمعنوية. ثم أشرنا إلى المراحل التاريخية لتطور علم السياسة منذ أفلاطون وأرسطو وحتى العصر الحديث.
في هذه الحلقة سنتابع الحديث عن مسائل أُخرى تتعلق بمسألة فصل الدين عن السياسة:

* الفصل الأول: المسائل الأولية للسياسة

* الدين والسياسة
إن فكرة فصل الدين عن السياسة والتفكيك بين المسائل الدينية والروحانية من جهة والمسائل الدنيوية والمادية من جهة أُخرى تعود في أصلها إلى بلاد الغرب، حيث ظهرت هذه الفكرة بدايةً في المجتمع المسيحي وفي روما خصوصاً. فكان يوجد نوعان من الحكومة دينية وزمنية ووظائف كل حكومة متداخلة تداخلاً كبيراً مع الأُخرى، فلم تكن صلاحيات كل واحدة منهما مشخصة ومحددة. وهذه لمحة تاريخية موجزة عنها:
1- القرن الميلادي الرابع: برز في هذا القرن القديس أوغستين (354-430م) الذي وضع حجر الأساس لفصل الدين عن السياسة وبحث في هذا الأمر بحثاً مفصلاً. ولم يكن لهذه الفكرة وجود سابق خصوصاً في فلسفة اليونانيين.
2- القرن السادس عشر: راجت هذه الفكرة بشكل كامل في هذا القرن، وصار من الممكن وجود دولة منفصلة تماماً عن الدين. ومن أهم المنادين بذلك جين بودين (1530-1596)، الفيلسوف الفرنسي الذي أكّد وجوب أن تقوم الدولة على أسس فلسفية لا دينية.
3- القرن السابع عشر: قام الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبس - وكذلك الفيلسوف جون لوك - بجهد كبير لفصل المسائل المعنوية عن المسائل الدنيوية والمادية. وجعلت الحكومة والسلطة لصالح الحكام الزمنيين وهم لا يخضعون للقوانين الدينية والأخلاقية في إدارة المسائل الدنيوية والمادية.
4- العصر الحديث: تعتبر معظم مذاهب فلاسفة الاجتماع في هذا العصر مؤيدة للفصل بين الدين والسياسة. وأشكال الحكومات المتبوعة المنتشرة في العالم والقائمة على أساس المذاهب المختلفة في علم الاجتماع تفصل بين الأمور الدينية والأمور الدنيوية.
فالديمقراطية مثلاً - وهي الأكثر انتشاراً في العالم - تُعنى فقط في الجانب المادي لحياة الإنسان. نعم، لعل الفاشية البالية لا تفصل بين الدين والسياسة؛ لكن لا على أساس التزام السياسيين بالضوابط الدينية والأخلاقية، بل على أساس جعل الدين والأخلاق أداة لتنفيذ مصالح الحكام والسياسيين.

إن المنشأ الأساسي لبروز فكرة فصل الدين عن السياسة هو أن مجموعة من المفكرين والسياسيين المتحررين من سلطة الكنيسة في القرون الوسطى لمسوا عدم قدرة الدين المسيحي على حل مشاكل المجتمع، بل إن المسيحية (المحرّفة طبعاً) فاقدة لإي قانون أو شريعة لتنظيم حياة الإنسان وسدِّ حاجات المجتمع البشري، وحلِّ مشاكله. فالأناجيل الموجودة بين أيدينا لا تحتوي إلا على مجموعة من الوصايا الأخلاقية والطقوس العبادية ولا يمكن تأسيس حكومة من ذلك. من هنا اعتبر الدين في الجهة المقابلة للسياسة.
ولم يكتفوا بالحكم على المسيحية في ذلك، بل شملوا كل الأديان السماوية بما فيها الإسلام. فهذا شبلي شميّل من المفكرين المسيحيين العرب المشهورين جداً والذين كان لهم تأثير كبير على الساحة الفكرية في إيران يدعو المسلمين والعرب للنهوض من واقع الانحطاط والعودة إلى أمجاد الرفعة والحضارة ويقترح فصل الدين عن السياسة لتحقيق ذلك. حيث أن تدخل الروحانيين وعلماء الدين ومعظمهم غير كفوء أوجد النزاع والشقاق في المجتمع الواحد (النزاعات المذهبية) حتى وصلت الأمور إلى ما نحن عليه من تخلف وانحطاط. ولن نستطيع الالتحاق بركب الحضارة إلا إذا فعلنا كما فعل الغرب وفصلنا الدين عن السياسة.

الاستعمار بدوره قام بجهد كبير لخداع الشعوب وتضليلهم وإبعادهم عن الإسلام. فقد أذاع أن السياسة تعني الكذب والنفاق والخداع، ولما كان الإسلام مبنياً على التقوى والعدالة فهما لا يلتقيان أبداً. وقد نفذت مؤامراته هذه نفوذاً كبيراً بين المسلمين وحتى بين العلماء. فكثير من العلماء والمفكرين استعملوا كلمات مشينة وغير لائقة بحق السياسة. ومما ينسب إلى الشيخ محمد عبده - مفتي الديار المصرية سابقاً - في هذا المجال قوله: "أعوذ بالله من السياسة ومن لفظ السياسة ومن معنى السياسة ومن كل حرف يُلفظ من كلمة السياسة ومن كل خيال يخطر ببالي من السياسة ومن كل أرض تذكر فيها السياسة ومن ساس ويسوس وسائس ومسوس"1. وسواء صحّت نسبة هذا القول للشيخ عبده أم لا، فهذه التعابير تدل على المستوى الخطير الذي وصلت إليه الدعايات والمؤامرات الاستعمارية ونفوذها وتأثيرها على المسلمين.

الإمام الخميني القائد قدس سره جاهد جهاداً عظيماً لدحض هذه الافتراءات على الإسلام وتحمل شتى أنواع الأذى لتنفيذها. ففي كتاب "ولاية الفقيه" يشير بوضوح إلى مؤامرة فصل الدين عن السياسة ويقول:
"المستعمرون أشاعوا في المناهج المدرسية ضرورة فصل الدين عن السياسة. وأوهموا الناس بعدم أهلية علماء الإسلام للتدخل في شؤون السياسة والمجتمع. وردّد هذا الكلام أذنابهم وأتباعهم. في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلّم هل كان الدين بمعزل عن السياسة؟ هل كان يومذاك مختصون بالدين وآخرون مختصون بالسياسة؛ وفي زمن الخلفاء، وفي زمن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام هل فصلت السياسة عن الدين؟ هل كان يوجد جهاز للدين وجهاز آخر للسياسة؟ لقد تفوّه المستعمرون وأذنابهم بهذه العبارات كي يبعدوا الدين عن أمور الحياة والمجتمع ويبعدوا ضمناً علماء الإسلام عن الناس ويبعدوا الناس عنهم؛ لأن العلماء يناضلون من أجل تحرير المسلمين واستقلالهم. وعندما تتحقق أمنيتهم في هذا الفصل يستطيعون أن يذهبوا بثرواتنا..2.
... في الوقت الذي كان يسيطر فيه الظلام على بلاد الغرب، وكان اليهود الحمر يقطنون أمريكا، وكان في الامبراطورية الرومانية والفارسية حكم مطلق يُمارس فيه التسلط والتمييز العنصري وتُستخدم فيه القوة إلى مدى بعيد من غير اهتمام برأي الشعب، أو القانون، آنذاك وضع الله قوانين صدع بها النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم ليولد في ظلها الإنسان. وإلى حين نزوله في حفرته وضعت له قوانين تحكمه ورُسمت العلاقات الاجتماعية ونُظمت الحكومة إلى جانب ما رُسم من وظائف العبادات والحقوق في الإسلام ذات المستوى العالي والمتكامل والشامل. وكثيراً ما اقتبس الحقوقيون من أحكام الإسلام وأنظمته، في معاملاته وحدوده وقصاصه وقضائه، وتنظيمه للعلاقات بين الدول والشعوب، وقواعد الحرب والسلم، وحقوق الناس. وهكذا يكون الإسلام قد عالج كل موضوع في الحياة وأعطى فيه حكمه"3.

على هذا الأساس، فالسياسة تعني إدارة المجتمع وهدايته إلى الكمالات المادية والمعنوية التي بدورها توصل الإنسان إلى الكمال اللائق به. وكل الشرائع السماوية منذ عصر آدم عليه السلام وحتى النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلّم - والتي هي في أساسها وأصولها شريعة واحدة ودين واحد هو الإسلام (إن الدين عند الله الإسلام) - وضعت وتنزّلت متلائمة مع النضج الفكري للبشر لتهديهم إلى الكمال الإنساني اللائق بهم.
كذلك لا يوجد فصل بين السياسة والأخلاق، فالأخلاق والسياسة متلازمان تلازم الدين والسياسة. مما يدعو للأسف الشديد بروز دعوات من قبيل "عندما يأتي دور السياسة تذهب الأخلاق وعندما يأتي دور الأخلاق تذهب السياسة".

فهذا لينين يعتبر أن النضال السياسي لا يخضع للضوابط الأخلاقية ويقول: "نحن ننفي كل القيود الأخلاقية المثالية التي لا تفيدنا في كفاحنا ضد الطبقية. برأينا الشي‏ء الأخلاقي هو فقط الذي يساعدنا في محو الطبقية والإستغلال ويدعم وحدة العمال".. فعند هؤلاء السياسة بعيدة عن الدين والأخلاق بعد الميكانيك عن الطب. ولكن في الواقع، فإن الإنسان الأخلاقي الفاقد للوعي السياسي هو إنسان تابع ومتذبذب، كما أن الإنسان السياسي الفاقد للأخلاق قذر ومنحط. الأخلاق والسياسة متلازمان تلازماً واقعياً مثل جناحي الطائر. فلن يستطيع إنسان أن يطير في سماء التكامل المادي والمعنوي بجناح واحد، بل لا بد من جناحي السياسي والأخلاق.

يقول بيتر أوده مؤكداً ارتباط السياسة والأخلاق: "بما أن إعمال النفوذ السياسي يستلزم الأحكام الأخلاقية. فإن القراءة السياسية الصحيحة لا بد أن تشمل علم الأخلاق شئناً أم أبينا" ويضيف: "في الماضي كانت الأسس والأهداف الأخلاقية التي تعمل الحكومة السياسية لتحقيقها محل اهتمام المحققين السياسيين ويجب أن تكون كذلك في المستقبل"4.

* السياسة علم أم فن؟
اختلف العلماء في تعريف السياسة. فمنهم من قال أنها علم حكومة البلاد. ومنهم من قال أنها فن إدارة المجتمعات الإنسانية. ويعلّق الأستاذ موريس دوورتشه على هذا الأمر قائلاً:
"كانت السياسة تعتبر علماً حتى حدود العام 1964. ومنذ ذلك الحين صار يُنظر إلى السياسة كفن أكثر منها كعلم. إلا أن هذا التحول لم يكن واقعياً بقدر ما كان يهدف إلى نزع الضوابط والموازين التي تقيد حركة السياسيين وتنظمها. والأمل يكبر أن يأتي يوم تصبح فيه السياسة علماً بشكل كامل"5.
ويقول عبد الحميد أبو الحمد في "مباني علم السياسة" تحت عنوان هل السياسة علم؟
"لو اعتبرنا أن العلم عبارة عن مجموع المعارف المنظمة المرتبطة بمجموعة من الظواهر والأمور، وهذا هو التعريف الأعم للعلم، يمكن إذاً أن نعتبر السياسة علماً، لأن هدف المطالعات السياسة كشف القوانين المرتبطة بالسلطة والحكومة ومعرفتها بصورة منظمة"6.

طبعاً ليس المقصود من كون السياسة علماً إنه يمكن استنباط قوانين كلية متفق عليها بين جميع السياسيين ويمكن إثباتها من خلال التجربة العلمية كما يحصل في العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء وغيرها. بل المقصود إمكانية كشف مجموعة من القواعد والأصول تُظهر لنا القراءات السياسية بصورة منظمة وواضحة.
إن الذين تصوروا أن السياسة ليست علماً وإنما هي فن وإدارة، والفن يعتمد على الذكاء والخبرة التي يكتسبها السياسي من محيطه، توهموا أن السياسة ليست سوى فن الخداع والتزوير والمهارة في الكذب والنفاق. ثم استنتجوا أن السياسة بعيدة كل البعد عن الإسلام. والحق أن السياسة علم إذا اعتبرنا أن العلم مجموعة من الاكتشافات المنظَّمة كما حُقِّق في محله.. فالسياسة عبارة عن مجموعة من الاكتشافات حول كيفية الإدارة العامة للناس والإرتباطات المتنوعة فيما بينها. وهي علم لأنها تمتلك أصولاً ومباني وقواعد تنظم حركة السياسي. نعم، أعمال هذه الأصول والقواعد هو فن وإدارة، فهي بنفسها علم ولكن تطبيق هذا العلم فن وإدارة دون الخروج عن أصوله وقواعده.

* هل السياسة من العلوم القانونية أم الوصفية؟
تنقسم العلوم إلى قسمين:
- العلوم الوصفية.
- العلوم القانونية.
1 - العلوم الوصفية وهي التي تُعنى بشرح وتوضيح وكشف الروابط بين مسائل هذه العلوم - مثل علم الاقتصاد، علم الرياضيات، علم الفيزياء، علم الكيمياء، علم الاجتماع، علم النفس وغيرها.
2 - العلوم القانونية وهي التي تعنى بتوضيح ما ينبغي أن يكون. وبتعبير آخر بالواجبات والمحرّمات أي بما - يجب فعله وما يجب تركه. مثل علم الأخلاق، علم الكلام، علم الجمال. كما يمكن اعتبار المنطق والفقه من هذا القبيل.
فإذا اعتبرنا أن السياسة علم، فهل هي من العلوم الوصفية أم من العلوم القانونية؟

إن قسماً كبيراً من مسائل علم السياسة يختص بالعلوم الوصفية، حيث تقوم بكشف الروابط حول قراءة سياسية معيّنة. وقد تحدثنا عن ذلك في الفقرة السابقة. إلا أننا نعتقد أيضاً أن السياسي لا بد أن يتبع أموراً معينة ويجتنب أموراً أُخرى. فلا يجوز استخدام الوسائل الدنيئة والمشينة للوصول إلى الهدف المنشود على قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة". وعلى هذا الأساس، فإن قسماً مهماً من المباحث السياسية هو جزء من العلوم القانونية.
إذن يمكن اعتبار السياسة من العلوم التلفيقية، فهي وصفية في قسم من مباحثها ومسائلها، وهي قانونية في قسم آخر من هذه المباحث والمسائل.

* علاقة السياسة بالتقليد
هذا البحث هو بحث أكاديمي من وجهة نظر الفقه الإسلامي. يؤكد الفقهاء إن ارتباط الناس بالأحكام الإلهية - وهي المسائل الفرعية والموضوعات الاستنباطية مثل موضوع الصلاة والوطن وغيرها - لا بد أن يكون على أشكال ثلاثة:
أ- بعض منهم وصل من خلال السعي والتحصيل والتوفيق الإلهي إلى مرتبة الاجتهاد. فهم قادرون على استنباط الأحكام الشرعية ولذلك لا يحق لهم تقليد الآخرين.
ب- بعض آخر لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد، ولكنهم من خلال التصحف والبحث في المباني الفقهية والتعرف على أسلوب الاجتهاد قادرون على تحصيل الاطمئنان ببراءة الذمة وهذا يسمى بالاحتياط.
ج- وبعض آخر - وهو أغلب الناس - لا يستطيع الاجتهاد ولا الاحتياط. وهؤلاء يتعين عليهم الرجوع إلى الخبراء والمتخصصين وهم الفقهاء القادرون على استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية، فيأخذون منهم الأحكام ويعملون بما يطابقها ويسمى هذا الأمر بالتقليد.

فكل مكلف يجب أن يكون في المسائل الفرعية إما مجتهداً أو محتاطاً أو مقلداً. نعم لا تقليد في موضوعات الأحكام.
فالمجتهد مثلاً يفتي بنجاسة الكلب البري. أما تحديد هذا الحيوان هل هو كلب بري أم لا؟ فهذا يرجع للناس لا للمجتهد. إلا إذا كان عامة الناس عاجزين عن تشخيص الموضوع - كما يحصل في الموسيقى ونظائرها - فهنا لا بد من الرجوع للمجتهد.

وهنا يأتي هذا السؤال:
هل الموضوعات السياسية مثل سائر الموضوعات لا تقليد فيها، بل كل إنسان يستطيع أن يحلّل ويطالع ثم يتخذ الموقف السياسي الذي يراه مناسباً؟ أم أن الموضوعات السياسية مثل سائر الأحكام الشرعية يجب الرجوع فيها إلى الولي الفقيه؟
الإمام الخميني قدس سره يؤكد أن الإسلام يهيمن بأحكامه على كل جوانب حياة الإنسان. ولذلك لا بد أن تكون سياستنا نابعة من قلب الدين ولا يكون ذلك إلا من خلال الرجوع إلى الولي الفقيه:
"وجود ولي الأمر القائم على النُظم والقوانين الإسلامية ضروري لأنه يمنع الظلم والتجاوز والفساد ويتحمل الأمانة ويهدي الناس إلى صراط الحق"7.
وطاعة ولي الأمر واجبة ومعصيته مخالفة عظيمة بل هي تمرد على المعصوم بل على الله تعالى على حد تعبير مقبولة ابن حنظلة. وهو القاضي بين الناس كما في مشهورة ابن خديجة، وهو الحجة بين الناس وإليه يرجع الأمر في الحوادث الواقعة والأمور السياسية والاجتماعية وغيرها حسب تعبير التوقيع المقدس.

وحكومة الإسلام والولي الفقيه ليست ملكية ولا شاهنشاهية ولا امبراطورية ولا أي نوع من أنواع الحكومات المطلقة التي لا يحكمها ضابط ولا قانون. لأن الإسلام منزه عن التفريط والاستهانة بأرواح الناس وأموالهم بغير حق. الحكومة في الإسلام تعني اتباع القانون وتحكيمه. والسلطات الموجودة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وولاة الأمر الشرعيين من بعده إنما هي مستمدة من الله. ففي الإسلام ينحصر حق التشريع وسن القوانين بالله تعالى فقط. وبالتالي فالحكم يجب أن يكون إلهياً ﴿إن الحكم إلا الله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه.
وقد منح الله تعالى هذه الولاية للنبي وأولى الأمر من بعده ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.
فلا مجال للآراء والأهواء في حكومة الإسلام وإنما النبي والأئمة والناس يتبعون إرادة الله وشريعته.

والولي الفقيه بدوره خاضع لقانون الإسلام وشريعته. ولذلك يشترط فيه عدة أمور حتى لا يخرج عن شريعة الإسلام. وأهم هذه الشروط: أن يكون عارفاً بالقانون الإسلامي، وأن يكون عادلاً تقياً لا يفعل المعاصي، ولا يخالف أوامر الله تعالى. وأن تكون لديه الكفاءة التامة لإدارة شؤون الناس من حكمة وتدبير وشجاعة ووعي تام للواقع السياسي والاجتماعي، وغير ذلك.

وبذلك يتضح الفارق الكبير بين الحكومة الإسلامية في ظل ولاية الفقيه التي هي امتداد لولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم والأئمة المعصومين عليهم السلام، وبين حكومة السلاطين والملوك النابعة من أهواء التسلط على الناس واستغلالهم للمصالح الشخصية.


1- جولة في الفكر السياسي عند العرب، حميد عناية، ص 148.
2- الحكومة الإسلامية، ص 20-21.
3- الحكومة الإسلامية، ص 10-11.
4- حدود العلم، مقالة في علم السياسة ص 148.
5- المصدر السابق، ص 6.
6- مباني علم السياسة، ج‏1، ص 23.
7- جريدة الرسالة، العدد 782.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليق جديد

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع