مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*)

آية الله الشيخ عبد الله جوادي الآمليّ


لعلّ من أبرز مصاديق أسرار الغيبة هي ضرورة وجود وليّ في هذا الزمن، وهو ما استفضنا في شرحه في العدد السابق، والذي سنستكمله في هذا المقال من خلال بعض المؤشّرات والأدلّة.

من هنا، لا يمكن لأيّ مفكّر باحث أن يشكّ في ثبوت نظام القضاء في الإسلام، كما أنّ الالتزام بهذا النظام في الفكر الدينيّ بمثابة البرهان على ثبوت ولاية الفقيه العادل.

وليعلم، أنّ ثمّة اختلافاً كبيراً بين بحثَي القضاء والولاية، وهو ما سنتعرّف إليه في هذا المقال.

•تلازم القضاء والحكومة الإسلاميّة
القضاء من شؤون الحاكم الذي يلتزم بتطبيقه، إمّا مباشرة (من دون واسطة) وإمّا تسبيباً (بالواسطة). ثمّ إنّ القضاء أوّلاً يعمّ المشاجرات والنزاعات الاقتصاديّة والسياسيّة والعسكريّة والاجتماعيّة ونحو ذلك في كلّ مكان: في البحر أو البرّ أو الجوّ، في الداخل والخارج، ولا تترتّب الفائدة على مجرّد إصدار الحكم، بل يحتاج الأمر إلى تنفيذ وتطبيق حكم القاضي ثانياً، ولا يتيسّر تنفيذ الحكم بمعناه الحقيقيّ دون ثبوت الولاية والقدرة على تنفيذ الأحكام ثالثاً. وعليه، فالقول بالقضاء في الإسلام يستلزم بالضرورة ثبوت الحكومة الإسلاميّة.

1- تطبيق الأحكام الفقهيّة والقضائيّة يتنفّذ في الحكومة: فمن قال بثبوت أصل القضاء في عصر الغيبة، فقد التزم بجملةٍ من لوازمه أيضاً، إلّا أنّ البحث العلميّ يكشف عن أنّ لوازم القول بنظام القضاء في عصر غيبة صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف تتّسع لتشمل سائر شؤون البلاد؛ إذ إنّ النزاعات والخلافات القضائيّة تحصل تارةً بين أشخاص حقيقيّين وأخرى بين شخصيّات حقوقيّة (ممثّلين عن المؤسّسات)، ما لا يمكن معه إنهاء النزاع بين الطرفين إلّا مع ثبوت الحكومة. كما أنّ الاختلاف الحقوقيّ تارةً يكون محليّاً وثانياً إقليميّاً، وثالثاً دوليّاً، وللإسلام في هذه الأحوال الثلاثة رأيه الفقهيّ والحقوقيّ والقضائيّ. ومن الواضح أنّه لا يتيسّر تطبيق الإسلام وتنفيذ أحكامه وقوانينه القضائيّة في الصور المذكورة آنفاً من دون حكومة ذات نظام قويّ مقتدر. فكيف يمكن تحديد نظام حقوقيّ يؤمّن حدود البلاد الإسلاميّة البحريّة والجويّة والبريّة من دون تعيين الحكومة التي تسهر على ذلك؟

2- الحكومة العادلة تحتاج وليّاً عادلاً: يترتّب على القول بضرورة نظام القضاء في إطار قوانين الإسلام الالتزام أيضاً بضرورة الحكومة الإسلاميّة. كما أنّ حكم العقل القطعيّ المذكور يقضي بأنّ من يتصدّى لهذه الحكومة ليس سوى ذلك الفرد العارف بالإسلام وقوانينه الخبير بحكمه العادل في سيرته.

وهذا الحاكم، إمّا أن يكون نائباً خاصّاً أو نائباً عامّاً منصوباً من قِبَل صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف ليكون وليّاً للمجتمع الإسلاميّ وتكون الأُمّة مولّى عنه، فلا يكون منتخباً أو منصوباً من قِبَل الناس ليكون إمّا وكيلاً أو نائباً للناس ويكون الناس موكّلين له؛ وذلك أنّ دائرة نفوذ الوكيل لا تتجاوز الدائرة التي يحدّدها الموكّل، مع أنّ الوليّ المنصوب من قِبَل الإمام عليه السلام يكون واجداً وأهلاً لإعمال الولاية على المولّى عليهم ضمن دائرة ولاية مَن نصَّبه.

•دعاء الإمام الصادق عليه السلام وإثبات ولاية الفقيه
إنّ الأدعية المأثورة الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم السلام بحر عميق من المعارف الإلهيّة في كسوة تضرّعٍ ومناجاةٍ، فيمكن بعد التأمّل والتدبّر العميق بها استخراج نقاط ولطائف تفتح الطريق لحلّ كثير من المعضلات العلميّة والعقائديّة. ويمكن الإشارة إلى مثال منه في دعاء مولانا الإمام الصادق عليه السلام الذي علّمه لزرارة، فهو من أكمل المصاديق في هذا المقام.

لقد ورد في الجملة الأخيرة من هذا الدعاء ما يلي: "اللهمّ عرّفني حجّتك؛ فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني"(1).

إنّ عدم معرفة وليّ كلّ زمان ينتهي إلى الانحراف والضلال عن الدين والصراط المستقيم، وإنّ من لم يعرف الله لا يمكنه أن يعرف نبيّه، ومن لم يعرف نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكنه أن يعرف حجّة الله وإمام عصره وخليفة رسول الله.

إلّا أنّ هذه المعرفة هل تقتصر على عصر حضور الإمام المعصوم عليه السلام أم تشمل زمان غيبته أيضاً؟ من الواضح أنّ مفاد هذا الدعاء الشريف يعمّ عصر الغيبة أيضاً. نعم، في صورة غياب إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف بحسب وجوده العنصريّ الظاهريّ يكون نحو من ولاية الإمام المعصوم عليه السلام غير قابل للنفوذ. فهل يمكن مع هذا النحو جعل ولاية إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف عِضَة (جزءاً) عِضَة والإفتاء بإجراء بعض الأمور وتعطيل بعضها الآخر؟ وإن لم يكن ذلك ممكناً، فمن له أن يكون نائباً للوجود المبارك ليسهر على تدبير أمور المسلمين في عصر الغيبة؟

إنّ إثارة العديد من الشبهات في هذا المقام من قبيل توهّم وجود قراءات متعدّدة، أو إثارة مغالطات وأوهام حول النظام الإسلاميّ وولاية الفقيه ناشئة عن الجهل بالمعارف التي تتضمّنها تلك الأدعية الشريفة.

•النيابة لمن نهل من علوم الأئمّة عليهم السلام
حين لا يتمكّن المعصوم شخصيّاً من أن يضطلع مباشرة بتعليم الناس وتزكيتهم، فمن هم الأشخاص الذين وقع عليهم اختيار الأئمّة عليهم السلام ليكونوا نوّاباً لهم في عصرهم؟ فهل كان من ضمن تلامذتهم الذين أدركوا واستوعبوا كلام الإمام أم كانوا عبارة عن أفراد لا علاقة علميّة وعمليّة لهم بالإمام؟ وإذ لم يتسنَّ لأمير المؤمنين عليه السلام أن يكون حاضراً بشخصه في مصر، لوحظ أنّه أرسل تلميذه إلى مصر(2)، وإذ أرسل سيّد الشهداء عليه السلام أفضل تلامذته مسلم بن عقيل وعيّنه نائباً له في الكوفة(3)، كشف ذلك عن أنّ نيابة الإمام المعصوم عليه السلام لا تليق إلّا بمن نهل من علوم مدرسة الإمام عليه السلام وأحاط علماً ومعرفة بفكر الإمام حتّى اكتسب نحواً من السنخيّة معه دون غيره.

هذا وقد وردت غير واحدة من الروايات التي تناولت بالبحث نيابة الفقهاء عن الإمام المعصوم عليه السلام (4)، ما يمكن الاستدلال على ولاية الفقاهة والعدالة بالنقل، وإن استقلّ العقل في الحكم بعد النظر في الأدلّة النقليّة.


(*) مقتبس من كتاب: الإمام المهديّ الموجود الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، الفصل الأول- الباب الثاني- بتصرّف.
1.الكافي، الكليني، ج1، ص337.
2.انظر: نهج البلاغة، الكتاب (53).
3.ديوان حافظ، غزل 286.
4.(م.ن)، ج1، ص67.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع