مع الإمام الخامنئي: الإنتاج عنوان العزّة من أسرار الغيبة والوعد الإلهي (5)(*) ثلاثون عاماً مباركة أخلاقنا: أيّها الـزوجان.. تنـازلا(*) مناسبة: زيارة الأربعين.. ولو من بُعد مناسبات العدد قصّة: كأبيه عليّ عليه السلام مجتمع: أرضــــــي (تجربة خاصّة) أوّل الكلام: ثلاثون عاماً من الحبّ والعطاء قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

وصال (3) - وصيّة الشهيد الحاجّ قاسم سليمانيّ

الشيخ أبو صالح عبّاس


"يا الله الحبيب، والخالق الحكيم، الواحد الأحد، أنا خالي الوفاض، وحقيبة سفري فارغة، لقد جئتك من دون زاد، وكلّي أمل أن ترزقني عفوك وكرمك، لم أتزوّد، فما حاجة الفقير إلى الزاد في حضرة الكريم؟!".

•"فَأَعْطِنِي مِنْ عَفْوِكَ بِمِقْدارِ أَمَلِي"
كم تُذكّرنا هذه الكلمات بدعاء أبي حمزة الثمالي، حينما يقول الإمام السجّاد عليه السلام : "عظُمَ يا سَيِّدِي أَمَلِي، وَساءَ عَمَلِي، فَأَعْطِنِي مِنْ عَفْوِكَ بِمِقْدارِ أَمَلِي، وَلا تُؤاَخِذْني بِأَسْوَأ عَمَلِي، فَإِنَّ كَرَمَكَ يَجِلُّ عَنْ مُجازاةِ المُذْنِبِينَ، وَحِلْمَكَ يَكْبُرُ عَنْ مُكافأَةِ المُقَصِّرِينَ..."(1).

وهذا يدلُّ على رقيّ الثقافة التي كان يغرف من معينها الحاجّ قاسم، وهي مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، إذ كان يشعر بضآلة ذاته، ولم يكن يرى في أفعاله كلّها سوى نِعم ليس له إلّا أن يشكر ربّه عليها باستحياء شديد، إذ خوَّله إيّاها، فيسَّره للعطاء، ومدَّ في عمره ليحيا أربعينيّة الجهاد دفاعاً عن المستضعفين. وأمثاله من أهل التوحيد لا يعيشون شخصانيّة: ﴿إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (القصص: 78)، بل يذوبون في كنه الافتقار كلّما دنوا من عظمة الغنيّ، على هدي نفحات المعصوم عليه السلام حينما يقول: "ما أنا يا ربّ وما خطري"(2).

ومن حقيقة الافتقار هذه، يتوجّه الحاجّ إلى بارئه مفعماً بالرجاء، متّكلاً على حضرة الكريم لا على زاده القليل، وهل يتّكل الفقير على زاده إذا حلَّ في ديوان أهل الجود والعطاء؟!

•"وقد جئتك بعينَين مغمضتَين"
إنّ رجاءه هذا لا يستند إلى أمانيّ خاوية، بل إلى النعم نفسها التي حباه الله تعالى بها(3)، والتي جعلت قليل ما عنده كثيراً عند ربّه، فيقول:

"فمتاعي مترع بالأمل بفضلك وكرمك، وقد جئتك بعينَين مغمضتَين، ثروتهما إلى جانب كلّ ما حملتاه من الوزر هي ذلك الذخر العظيم المتمثّل بجوهرة الدموع المسكوبة على الحسين ابن فاطمة عليهما السلام، جوهرة ذرف الدموع على مصائب أهل البيت عليهم السلام ، جوهرة ذرف الدموع عند الدفاع عن المستضعفين والأيتام والدفاع عن المظلومين المحاصرين في قبضة المظلومين".

يروي المجاهدون الذين عرفوا الحاجّ قاسم الكثير من المواقف التي سالت فيها دموعه عند ذكر الحسين عليه السلام ومظلوميّة أهل البيت عليهم السلام ، أو عند لقاء الأيتام، ومخاطبة الناس، أو عند معانقة المجاهدين أو ارتقاء الشهداء، وكذلك عند خلوته بربّه، حتّى ليخاله المرء واحداً من بكّائي هذا الزمان. وقد كشف في وصيّته نظرته للدموع هذه، حينما وصفها بالجوهرة، وكيف لا تكون كذلك وقد ورد في فضلها روايات عدّة، منها ما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن ذرفت عيناه من خشية الله، كان له بكلّ قطرة من دموعه مثل جبل أحد،... وكان له بكلّ قطرة عين في الجنّة على حافتَيها من المدائن والقصور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"(4).

•"إلهي! يداي خاويتان"
وبعد جوهرة الدمع، أخذ يتحدّث عن يدَيه قائلاً: "إلهي، يداي خاويتان، فلا شيء فيهما تقدّمانه، ولا طاقة لهما على الدفاع، لكنّني ادّخرت في يدَيّ شيئاً، وأملي معقود على هذا الشيء؛ لقد كانتا ممدودتَين إليك، حين كنت أرفعهما تضرّعاً إليك، وعندما كنت أضعهما لأجلك على الأرض، وعلى ركبتَيّ تأهّباً للنهوض في سبيلك، وعندما حملت السلاح بيدَيّ دفاعاً عن دينك، هذه هي ثروة يدَيّ، وأملي بأن تكون قد تقبّلتها".

في هذه الفقرة، أخذ الحاجّ قاسم يتحدّث عن "ثروة يدَيه"، وهي ثروة العبادة حين كان يرفعهما إلى السماء وعلى إحداهما دمغة الجراح، وثروة الجهاد في سبيل الله حين كان يحمل السلاح بيديه، ويتّقي الأرض، وينهض عنها أيضاً بيديه.

•"إلهي! قدماي مترنّحتان"
ثمّ يقول بعد ذلك: "إلهيّ! قدماي مترنّحتان لا رمق فيهما، لا جرأة لهما على عبور الصراط الذي يمرّ فوق جهنّم، فقدماي ترتعشان حتّى على الجسر العادي، فالويل لي وصراطك أرفع من الشعرة وأحدّ من السيف، لكنّ بصيص أمل يبشّرني أنّ بإمكاني أن لا أتزعزع وقد أنجو. لقد جلت بهاتَين القدمَين في حرمك، وطفت حول بيتك، وركضت حافياً في حرم أوليائك وبين الحرمين، بين حرمَي حسينك وعبّاسك عليهما السلام. كما إنّني ثنيت هاتَين الرجلَين في المتاريس مدّةً طويلة، وركضتُ وقفزتُ وزحفتُ، وضحكتُ وأضحكتُ، وبكيتُ وأبكيتُ، ووقعتُ ونهضتُ لأجل الدفاع عن دينك. أرجو أن تصفح عنّي لأجل تلك القفزات وذلك الزحف، وبحرمة تلك الأحرام".

في هذا المقطع، يكشف الحاجّ قاسم عن حضور الآخرة في وجدانه، معرباً عن بعض مكنونات قلبه الوجل من المرور على الصراط بقدمَيه المترنّحتَين، إلّا أنّه يعود بعد ذلك ليتحدّث عن بصيص أمل بالنجاة، سببه الأشواط التي طافها بقدميه الحافيتين حول الكعبة، وفي حجّ العشق في أحرام الأولياء، والسعي بين حرَمَي الحسين والعبّاس عليهما السلام، وأيضاً أشواط الفداء التي ركضها برجلَيه في ميادين الجهاد، بين المتاريس وفي الخنادق وعلى التلال، فقفز وزحف وبكى وضحك، ووقع ونهض دفاعاً عن الدين وعزّة الإسلام، وهو يرجو بذلك الصفح والتجاوز.

•"فجوارك جنّتي"
هنا تحديداً ينتقل للكلام عن جميع جوارحه، مبيّناً أنّه لا سبيل له إلى النجاة إلّا بقارب الرجاء، وبأمله هذا يرجو القَبول، بعد أن طهّر جوارحه بالجهاد، ويمّمها بتراب الجبهات، فيقول: "إلهي! رأسي، وشفتاي، وحاسّة شمّي، وأذناي، وقلبي، كلّ أعضائي وجوارحي يحدوها هذا الرجاء، يا أرحم الراحمين، اقبلني طاهراً، اقبلني بحيث أكون أهلاً للقائك، لا أرغب إلّا في لقياك، فجوارك جنّتي، يا ألله".

وفي ختام هذا المقطع، يذيع الحاجّ قاسم سرّه الدفين، بقوله: "فجوارك جنّتي"، فهو لا يريد ما أعدّه الله في جنانه من طعام وشراب وحور وأنهار، بل يطمع بما هو أعظم من ذلك، بجوار الله تعالى ولقائه، ولعلّ هذا الطمع هو سرّ ذلك التوهّج العظيم الذي كان يسطع من جوارحه.

1.مفاتيح الجنان، عبّاس القميّ، ص304.
2.(م.ن).
3.فالرجاء من دون أسبابه غرور، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ (البقرة: 218).
4.بحار الأنوار، المجلسي، ج90، ص334.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع