قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني

إعداد: حوراء حمدان


عندما تُعاين سيرة شهيدٍ عن كثب، فإنّك تُمعن النظر إلى آثار رحمة الله في العالمين. تتلمّس أثر ذلك في قلبك الذي يطفو جمالاً، وروحك التي تزهر نوراً كلّما وقفت على حقيقتهم الملكوتيّة، فتبدو تلك السيرة كزرعٍ أخرج شطأَه فآزره، تعجب به الروح سِراعاً وتأنس.

"مُنتصر"، الاسم الجهاديّ وبصمة الروح التي تجلّى بريق نورها على المحيّا. محمّد حسين جوني هو أحد الشهداء الجامعيّين الذي ألقى الدين في روعه فيضاً من المعرفة بالله، فَغَدا إنساناً ملائكيّاً اكتسى بحلل الأنوار الإلهيّة، كما قدّمه السيّد هاشم صفيّ الدين في هذا الكتاب، ودوّنت سيرته الكاتبة غيداء ماجد؛ ليتصدر كتب جمعية إحياء التراث المقاوم، وليختاره الشهيد القائد أبو مهدي المهندس دون كل ما عُرض من آخر معرض كتب في طهران ليقرأه(1). عن أي منتصر سنقرأ؟!
•النبات الحَسَن
عاهد الحاج حسين جوني وزوجته رنا فردون نفسَيهما على تأسيس أسرة مجبولة بالولاء للإمام الخمينيّ قدس سره ومحبّته، وعلى تربية أولاد مقاومين أشدّاء يحملون عشقهم والسلاح لمقارعة العدوّ الإسرائيليّ. كان ذلك أوّل العهد بعد حادثة اعتقال حصلت قبل خمس سنوات، حرص فيها الحاج حسين على عدم الإقرار بعمله السرّيّ في توزيع كتيّبات تفضح إجرام العدوّ الصهيونيّ.

بعد مدّة، رُزِقا بمحمّد الذي كان هادئاً منذ صغره، لطيفاً، فطِناً، محبوباً من الجميع. كانت لأصول المعاملة الحسنة واحترام أهله البالغ، أثرها على شخصيّته، فلم تحتج والدته إلى تكرار طلبها، وكان يقوم بما عليه دون اعتراض. لقد رأوا فيه تلك النبتة الصغيرة التي غرسوها في أرض طيّبة، فأمست شجرة طيّبة أصلُها ثابت وفرعُها في السماء(2).

•السمات المميّزة
يُمثّل "منتصر" القدوة لإخوته، فهو كان يهتمّ بمشاعرهم ويعاوِنهم في شؤونهم على الرغم من مشاغله الكثيرة. وهو السند المعتمد عليه في الظروف كلّها، والإنسان المتميّز على الدوام في إيصال أفكاره، فيدفعك إلى الانسياق وراء ما يؤمن به ببريق عينيه وسكينته قبل الكلمات، كما تشهد بذلك أخته زهراء(3).

في حرب تمّوز، كان "منتصر" يتلهّف للانتقال إلى الخطوط الأماميّة، فبلدته "العبّاسيّة" كانت تقع على خط دفاعيّ خلفيّ. وعلى الرغم من ظروف الحرب كلّها، بقي محمّد محافظاً على سكينته واندفاعه ويقينه بالنصر.

كان محمّد ينطلق في سائر تصرّفاته من خلفيّة عقائديّة، فدفعه بِرّ والده، الذي اقترح عليه اختيار اختصاص يفيد عملهم التجاريّ، إلى اختيار اختصاص الاقتصاد، والانتساب إلى إحدى الجامعات الخاصّة بعد أن اطمئنّ على مستقبل إخوته. تولىّ متابعة الأوضاع التربويّة للطلّاب المنتسبين حديثاً إلى التعبئة، وبقي عمله ضمن إطار التطوّع. كان يمارس الاستقطاب لطلّاب الجامعات بأساليب لافتة، وذلك بحسب الخلفيّة التي ينطلق منها الطالب، ويعاملهم معاملة الأمّ الحنون.

•مشاهد
لقد اتّسمت شخصيّة "منتصر" بالكتمان، ولا سيّما إذا تعلّق الأمر بعمله الجهاديّ. لم يكن أحد من العاملين في محلّات "السندس" التي يديرها، على علمٍ بانتمائه إلى المقاومة إلّا بعد استشهاده. كان يتابع شؤون الموظّفين الشخصيّة بكلّ أخوّة، فلم يروا منه طول مدّة إدارته إلّا الفعل الجميل ورفعة المقام(4).

كثيرة هي المواقف التي تنبّئ عن جماليّة شخصيّة الشهيد. فهو الذي يقدّم المصلحة العامّة والأخوّة على ذاته، مهما كلّفه ذلك من عناء. لم يكن شخصيّة تتباهى بأفعالها، بل كان يكتم عمله الصالح ويودعه سرّاً بين يدي الله(5). تلك الشخصيّة ذات المزايا الأخلاقيّة، التي عاينتها زوجته عن كثب واكتشفتها في سنيّ عمرها معه(6)، حجزت سريعاً مكاناً في قلوب من عرفوه بحسن أخلاقه وجمال ابتسامته وهيبته.

تذكر والدة أحد الطلّاب الجامعيّين حادثة لقائها بالشهيد في مبنى التعبئة التربويّة، حينما كانت تحاول اقتفاء أثر ابنها. لقد انساقت للحديث معه بكلّ هدوء وطمأنينة، وعلى الرغم من تحفّظها على مشاركة ابنها في قتال "داعش" داخل سوريا، إلّا أنّ كلمات "منتصر" ووعيه وثقافته بدّلت موقفها، فرضيت شريطة أن يذهب برفقة "منتصر"!

•الاستشهاد(7)
"إن القلم والبندقيّة هما جناحانا اللذان سنحلّق بواسطتهما فوق رؤوس أعدائنا مهما عَلوا"، هكذا أقنع أخاه عليّاً بعدم ترك الجامعة. أمّا هو فلم يرضَ ولم يقوَ على الرحيل بغية تحصيل شهادة الدكتوراه في الخارج، ذلك أنّ حميّته للدفاع عن المستضعفين أقوى من أيّ حلم(8).

أراد "منتصر"، كما دائماً، المشاركة في أيّ عمليّة في أقرب فرصة، إلّا أنّ تلك المرّة أظهره "الشوق الذي كان يلمع في عينيه كمحبّ أضناه الهجر عن حبيبه".

اتّخذت قيادة المقاومة قرارها بشنّ هجومٍ جديدٍ في جرود عرسال، وكان "منتصر" أحد المشاركين في الهجوم بعد طلب المسؤول الأعلى في الاختصاص العسكريّ للشهيد. صباح الإثنين 1 حزيران 2015م، غادرت الباصات بأجمعها عند الثامنة والنصف تقريباً.

ليلة الأربعاء، ظلّ "منتصر" طوال الليل يتهجّد مستغرقاً في صلاته غافلاً عمّا حوله، وانتقل صائماً في اليوم التالي مع آخرين إلى إحدى التلال المتقدّمة. كان سيرُ المعركة واضحاً، يومان من القتال المرّ تهاوت خلالهما مواقع المسلّحين وسقطت دفاعاتهم.

الخميس الرابع من حزيران قبيل الساعة 11 وثلث، صعد "منتصر" مع رفيقه "مظلوم" إلى موقع القلعة(9) حيث يوجد بعض الإخوة المجاهدين. لحظات وأصاب الموقع صاروخ العدوّ التكفيريّ، ودفع عصف الانفجار كلّ من كان في المكان إلى ناحية، وحده "مظلوم" الذي هبّ لنجدة إخوته في الجهاد، لم يصبْ إصابةً بالغة، لكنّه لم يجد "منتصر" في أرض الموقع، فنظر إلى خارجه، "فوجده ملقى فوق صخرة أسفل الموقع ودماؤه التي سالت من تحته تلمع من بعيد"(10).

•أكملوا الطريق
بدأت الأخبار تُعلَن عبر الجهاز: "استُشهد عدد من الإخوة وجُرح آخرون". تلقّى عليّ، أخ الشهيد، الذي كان مشاركاً في تلك العمليّة، الخبر بشكلٍ متقطّع، إلى أن تأكّد الخبر: "منتصر العبّاسيّة شهيد". تذكّر عليّ في تلك اللحظات كلمات محمّد: "قد يشارك شخص في مرابطة أو هجوم لأوّل مرّة، فينال وسام الشهادة.. الأمر بيد الله"(11).

حاول والد محمّد أن يبقى متماسكاً بعد معرفته باستشهاده، "فهذا هو نهجنا ونحن على كامل الاستعداد لتحمّل تبعات خيارنا"، هكذا كان يردّد أمام الجميع، "وأمام العشق الإلهيّ يهون كلّ شيء". تشارَك الوالدان الوجع، لكن ما لبث أن تحوّل إلى مشاعر الاعتزاز والفخر، فها هي أمّ الشهيد، التي أدرك قلبها في تلك الأيّام ما هو أشدّ من ألم الولادة والمخاض، تقف باعتزاز طالبة من رفاقه أن يكملوا الطريق(12). الشعور بالعزّ والفخر والرضى بقضاء الله كان موقف عائلة الشهيد، وخاصّة زوجته التي قضت برفقته أحلى سنيّ عمرها، وأخته زهراء التي أصبح لها حبيب في روضة الشهداء.

•وتحقّقت الأمنيّة
عثرت زوجة الشهيد، بعد يومين على شهادته، على رسالة خطّها قبل عامين بمناسبة ذكرى شهيد حزب الله، جاء فيها: "لم تزغردي يا أمّي في حياتك، فاجعلي المرّة الأولى عند استشهادي.. أمّاه، حين يصلك الخبر السعيد كوني كأمّ وهب يوم الطفوف... اسألي يا أمّي: هل قضيتَ عطشاً يا فلذة كبدي؟.. إن كنتِ فعلاً تحبينَ وليدك، فحقّقي لي يا أمّي أمنيّتي وقولي: إلهي ارْزق محمّداً ولدي شهادةً صادقة"(13).



1."مُنتصر"-مشاهد من سيرة الشهيد الجامعيّ محمّد حسين جوني، غيداء ماجد، سلسلة الأوفياء، ط1، جمعية إحياء التراث المقاوم، بيروت 2018م. مقدّمة السيّد هاشم صفيّ الدين، ص15.
2.(م. ن)، ص19-24
3.(م. ن)، ص35-41.
4.(م. ن)، ص77.
5.(م. ن)، ص55.
6.(م. ن)، ص98.
7.(م. ن)، ص145-172.
8.(م. ن)، ص112.
9.موقعها استراتيجي والمكان الأنسب للتقدّم باتّجاه منطقة سهل الرهوة.
10."مُنتصر"، (م. س)، ص166.
11.(م. ن)، ص177.
12.(م. ن)، ص190.
13.(م. ن)، ص254.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع