قراءة في كتاب: مشاهد من سيرة الشهيد الجامعي محمّد حسين جوني احذر عدوّك: فتبينوا (2) كمّامة تضيء لمحاكاة حركة الشفاه عند التحدّث "عصبونات دماغيّة" في رقاقة إلكترونيّة! محطّات شحن سيارات كهربائيّة في إيران "سمكة الترويت": من خيرات الديار كلّنا مزارعون الزارعون كنوز الله في أرضه الاقتصاد المقاوم... تجربـــة رائــــدة اليد المنتجة.. مباركة

مـن أســرار الغـيبـة والوعد الإلهـيّ(4)(*)

آية الله الشيخ عبد الله جوادي الآمليّ


ممّا لا شكّ فيه، أنّ الله تعالى لم يترك الإنسان في عصر الغيبة سدىً محروماً من طرق الهداية في هذا الجوّ الكدر، المليء بأمواج الشكّ المتلاطم، المشوب بالفساد والجهالة، ولم يتركه وحيداً يصارع أمواج الضياع، كما لم يغلق باب الهداية عن المجتمع الإنسانيّ، ولم يكله إلى نفسه في وادي الضلالة، بل عيّن ولاةً يهدون المجتمع إلى سواء السبيل.


•الحاجة إلى الأحكام والقوانين الإلهيّة
مع نزول الرسالة الخاتمة لنبوّة نبيّ الإسلام الأعظم محمّد بن عبد اللهصلى الله عليه وآله وسلم، أُغلق الباب أمام نزول قانون جديد من سماء الوحي؛ نظراً إلى أنّ كلّ ما يفضي إلى سعادة البشر من لدن عصر النزول إلى صبح القيامة ملحوظ ومشهود بفضل يد الإعجاز الإلهيّ في صحيفة القرآن النوريّة، التي استجابت لعنصرين أساسيّين يحتاج إليهما البشر، أعني: القانون الإلهيّ القادر على الإجابة عن جميع التساؤلات والشبهات بالاستلهام من العقل المحيط بالمعارف المُلهَمة للمطالب المُنزلة للاستنباط اللازم، والاستعانة بالروايات المعتبرة الواردة عن المعصومين عليهم السلام.

وأمّا العنصر الثاني الذي يحتاج إليه البشر، فهو متوقّف على تطبيق هذا القانون في الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، وإجراء سائر الأحكام الدينيّة.

إنّ قانون الوحي الإلهيّ الذي لا بديل له -الذي ظهر على أتمّ وجه له في مرآة القرآن الكريم والبيانات النوريّة للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والعترة الطيّبة من أهل بيته عليهم السلام- يُلبيّ سائر حاجات الفرد الجزئيّة والكليّة، وحاجات المجتمع الإنسانيّ والإسلاميّ.

•الولاية استمرار للدين الإلهيّ
يُلاحظ في عصر كلّ إمام من أئمّة الهداية، أنّ الإمام كان يبيّن القرآن والسنّة والمعارف الحقّة، ويعلّل أحكامها ولوازمها، مضافاً إلى ضمانه الإجابة عن حاجات المجتمع بإجراء الأصول والأحكام بما ينسجم مع إرادة تلك المجتمعات، وبالقدر المتيسّر له. ثمّ إنّه لا شكّ في حاجة المجتمع الإنسانيّ والإسلاميّ إلى إجراء وتنفيذ القوانين المؤدّية إلى السعادة الإلهيّة. كيف لا، وعدم إجراء هذه القوانين يفضي إلى اختلال النظام، وإلى الهرج والمرج، وإلى الاستعباد والظلم والفساد والضياع، مع أنّ عصر غيبة الوجود المبارك لصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف غير مستثنى من هذه القاعدة؟

من هنا، الولاية في عصر الغيبة هي استمرارٌ للدين الإلهيّ في إطار التعليم والتقنين والتنفيذ، وهي -حسبما يُستفاد من الروايات المعتبرة- للنوّاب المنصوبين بالنصب العامّ، والفقهاء العدول العارفين بالإسلام(1) وحقائقه، الذين يبيّنون من جهة أحكام الشريعة مع لحاظ شرائط الزمان والمكان السابقة والحاضرة والقادمة، باذلين جهدهم وسعيهم البالغ في الاستنباط، كما يساهمون من جهة أخرى في تعزيز الولاية الاجتماعيّة، وتدبير أمور المجتمع المسلم، بتنفيذهم وتطبيقهم لتلك الأحكام.

•الرافضون لولاية الفقهاء.. حجّتهم داحضة
حاول بعض الباحثين ردّ الدليل الدالّ على ولاية الفقهاء والنوّاب المنصوبين بالنصب العامّ من قبل إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف في عصر الغيبة؛ متوهّماً أنّ الحكومة لا تكون إلّا بيد المعصوم عليه السلام، فلا يليق بغيره وإن كان فقيهاً عادلاً صادقاً أن يكون واجداً لشروط الولاية والحكومة. ولا يخفى أنّ مثله يعتبر أنّ هدف الأئمّة المعصومين عليهم السلام من الحكومة ليس إدارة البلاد أو تسلُّم السلطة، بل يرى أنّ الغرض من حاكميّة العترة الطيّبة عليهم السلام ليس إلّا تنفيذ الأحكام الإلهيّة، وتبليغ التعاليم السماويّة.

1- استحالة تعطيل الأحكام الإلهيّة
ومن الواضح، أنّ عدم استمرار هذه الحاكميّة في عصر غيبة إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف يلزم منه توقّف وتعطيل تنفيذ الأحكام والتعاليم في الكثير من الموارد والظروف التاريخيّة (وهو ما حدث فعلاً)؛ لوضوح أنّ العديد من أحكام الحدود والديات والمباني الحقوقيّة ونحوها لا يمكن إجراؤها في غياب الحكومة الإسلاميّة التي لا ترى النور إلّا في ظلّ الإمام المعصوم أو نوّابه الخاصّين أو العامّين. هذا، مع أنّه لا يمكن لنا أن نترقّب من الحكومة غير الدينيّة أن تطبّق الأحكام والقوانين، من قبيل القصاص والحدود وأمثالها.

وفي ضوء ما ذكر آنفاً، إمّا أن نقول بتعطيل عدد غير قليل من الأحكام الإلهيّة، وإمّا أن نلتزم في عصر الغيبة بتسليم زمام ولاية الأمور إلى النوّاب العامّين لصاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف والفقهاء والعدول الورعين لتدبير أمور المسلمين على أساس الأحكام الإلهيّة.

2- الإسلام دين للبقاء
إنّ صلاحيّة دين الإسلام للبقاء والدوام إلى يوم القيامة أمر مفروغ منه، فلا مجال لإبطاله أو ادّعاء الضعف والنقص فيه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فصلت: 42). كما أنّ تعطيل الأحكام الباعثة على الحياة في عصر الغيبة وعدم تنفيذ الحدود الإلهيّة، لا يعني إلّا سدّ طريق الله، مع أنّه يلزم منه القول بعدم خلود الإسلام في سائر شؤونه، ولا سيّما في العقائد والأخلاق والأعمال. ومنه ظهر: أنّه لا يُعقل نفي الزعامة الدينيّة، وتعطيل الحدود الإلهيّة في زمن الغيبة.

ثمّ إنّه لا شكّ في أنّ تنفيذ الأحكام والحدود الإلهيّة، والدفاع عن كيان الدين وحمايته من حملات المهاجمين أمرٌ مطلوبٌ، بل هو من ضروريّات تأسيس النظام الإسلاميّ. والمجتمع الإسلاميّ في زماننا الحاضر وإن كان محروماً من إدراك حضور وشهود صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، إلّا أنّ هتك النواميس الإلهيّة والبشريّة، وإضلال الناس، وتعطيل أحكام الإسلام، لا يقع في مورد رضى الحقّ تعالى شأنه.

3- ضرورة وجود قائد في زمن الغيبة
وعلى هذا الأساس، فمن وظائف النوّاب الخاصّين والعامّين في عصر غيبة إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف القيام بجملة من الوظائف المختلفة التي تؤمّن الأهداف المذكورة، وتحقّق دوام إجراء الأحكام والتعاليم الإسلاميّة الباعثة على الحياة. أضف إلى ذلك، أنّه لا يمكن دراسة أحكام الإسلام السياسيّة-الاجتماعيّة من دون زعامة الفقيه الجامع للشرائط، كما أنّ العقل يحكم بأنّ الله تعالى لا يترك الإسلام والمجتمع الإسلاميّ في زمن غيبة الإمام المعصوم من دون والٍ وقائدٍ؛ وعليه تكون ولاية الفقهاء العدول النائبين عن المعصوم ممضاةً من قبله عليه السلام.

4- "الضرورة قاضية بذلك"
لقد أدرك الفقهاء والأعلام ضرورة وجود حاكمٍ عادلٍ عالمٍ بالدين. وعلى سبيل المثال لا الحصر، رأي الفقيه الكبير الشيخ محمّد حسن النجفيّ صاحب الجواهر قدس سره، الذي كان مثال الفقيه الحاذق الماهر، حيث قال بعد تعرّضه إلى مسألة الحرب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:"إنّ الضرورة قاضية بذلك... ممّا يظهر بأدنى تأمّل في النصوص وملاحظتهم حال الشيعة، وخصوصاً علماؤهم [علماءهم] في زمن الغيبة، وكفى بالتوقيع الذي جاء للمفيد من الناحية المقدّسة(2)، وما اشتمل عليه من التبجيل والتعظيم، بل لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلّقة بشيعتهم معطّلة. فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كأنّه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً"(3).
 

(*) مقتبس من كتاب: الإمام المهديّ الموجود الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، الفصل الأول من الباب الثاني- بتصرّف.
1.الكافي، الكليني، ج1، ص67.
2.بحار الأنوار، المجلسي، ج53، ص174- 176.
3.جواهر الكلام، الجواهري، ج21، ص397.

أضيف في: | عدد المشاهدات:

أضف تعليقاً جديداً

سيتم عرض التعليق على إدارة الموقع قبل نشره على الموقع